تُعد رواية الشطار للكاتب المغربي محمد شكري -والمعروفة أيضًا بعنوان (رواية زمن الأخطاء)-، الجزء الثاني من سيرة محمد شكري الذاتية بعد رائعته الخبز الحافي. رواية «الشطار» لمحمد شكري، ليست فقط حكاية طفل، بل مرآة لواقع مرير يتخطى حدود السرد ليصير سؤالًا مفتوحًا: إلى متى سنترك الطفولة تتفتت في غياب الحنان، ونغفل أن بناء حياة أفضل يبدأ بما تزرعه في الأجيال الصغيرة من دفء ومحبة؟
الطفولة المهجورة في الأدب والواقع
تحتوي الرواية على مضامين مرتبطة بفقدان الحنان والرعاية في بيئة قاسية في تصوير الطفولة المهمشة في المغرب، لا سيما في ظل الأسرة الممزقة التي تفقد دورها الحاضن، حيث الإهمال والخذلان الأسري يجعل الطفل يعيش في حالة من الاغتراب النفسي والاجتماعي. فمن خلالها، يصور محمد شكري هذه المآسي، عبر سرد جريء وصريح عن الفقر والعنف والتهميش، وعن فقدان الحنان والرعاية في ظل الأسرة الممزقة التي تفقد دورها الحاضن، ثم عن رحلته في المدينة التي كانت تعني أكثر من مجرد مكان، بل كانت فضاءً لصراع البقاء والنضال من أجل الذات.
وتعالج الرواية أيضًا موضوعات عاطفية مثل الحب والجنس، والجانب الوجودي كالقدر والموت، مع تسليط الضوء على الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي تظهر مأساة المهمشين في المجتمع المغربي. فهي تتناول بشكل عميق وصادم تجارب قاسية للطفولة من واقع الفقر والجوع والعنف الاجتماعي وهو ما يميز الأدب الواقعي المغربي، وهي امتداد لسيرة ذاتية تُظهر التحديات الحياتية التي واجهها الكاتب في طفولته وشبابه ضمن تحليل أعمال محمد شكري.

وبذلك، فإن محمد شكري في سلسلته الأدبية، وعلى رأسها «الشطار» التي تعد استكمالًا حيويًا ومؤثرًا لسيرته الذاتية التي بدأها في «الخبز الحافي» وهنا تجدر الإشارة إلى مقارنة بين الشطار والخبز الحافي في تصوير الطفولة، لا يكتفي فقط بسردها، بل يقدم نقدًا لاذعًا للمجتمع والأسرة التي تحتار بين التقليد الاجتماعي والواقع القاسي؛ ما يؤدي إلى تفكك الأسرة وتشريد الطفل داخليًا وخارجيًّا، وهو جوهر نقد المجتمع في روايات محمد شكري. فهو يرصد فيها رحلة حياته بكل قسوتها، وخاصة مرحلة شبابه المبكرة بين مدن الشمال المغربي، مثل طنجة، بعد طفولة ضائعة في بيئة ريفية تعاني من الفقر والاضطهاد الأسري.
ثم إن الرواية أيضًا تقدم تصويرًا دقيقًا لحياة الشطار، وهم فئة من المهمشين الذين يعيشون على هامش المجتمع أو ما يُعرف بالتهميش الاجتماعي، والذين يضطرون لممارسة أنشطة الشارع المشبوهة من محاولة الاحتيال إلى العلاقات المعقدة في عالم الدعارة والمخدرات، في محاولة للبقاء وسط ركام الحاجات والضعف. وبذلك فمؤلفاته تتميز بجرأتها في التعبير عن الألم والصراعات الداخلية وهي سمة الأدب الجريء في المغرب، ورفضها للرقابة الاجتماعية؛ ما يجعلها من الأدب الخالد الذي يفتح أفقًا لفهم أعمق للذات والواقع.
رواية «الشطار» وكشف عمق مأساة الطفولة والأدب المضاد للرواية الأسرية
تُعد الرواية التي تُرجمت للفرنسية والإسبانية «مضادة للرواية الأسرية»، بمعنى أنها تكشف عيوب وكسور العائلة التقليدية التي يُفترض أن تؤمِّن الحماية، لكنها في الواقع تمنح الألم والخذلان للطفل مجسدة نقد الأسرة التقليدية والعنف الأسري في الروايات، وهو ما يتقاطع مع ما نود طرحه من الانفصال عن الأسرة بفعل ظروف قسرية مثلًا، والعيش مع أقارب لا يملكون الحنان والرعاية أنفسهما، بل قد يحملون برودًا وحتى إهمالًا.
فالرواية تطرح تساؤلات تحفز القارئ على الغوص في عمق مأساة الطفولة المهجورة والفقر القاهر، وقد جسدها محمد شكري في هذه الرواية من خلال طرح تساؤلات تبدو كالآتي:
- إلى أي حد تستطيع الرواية أن تجيب عن الأسئلة المؤلمة التي تحيط بمعاناة الطفل المهجور تحت وطأة الفقر والإهمال والفقر في رواية الشطار؟
- كيف يكوِّن الفقر وأسلوب الحياة القاسي بيئة محفزة لتحولات نفسية سلبية نراها في سلوك الطفل التحول النفسي للأطفال؟
- كيف تجسَّد الصراع النفسي والاجتماعي الذي يعيشه الطفل المنفصل عن عائلته، الباحث عن دفء الحنان في عالم قاسٍ؟
- هل الهروب من هذا الواقع هو فعل متهور أم تعبير عن حاجة الإنسان الملحة للحرية والأمان رمزية الهروب والاغتراب في رواية الشطار؟ وما مدى قدرة الأدب الواقعي الجريء، كما في أعمال شكري، على فضح هذه المآسي وتحفيز وعي المجتمع نحو الطفولة المُهملة؟
قراءة نفسية اجتماعية لرواية الشطار: تفسير فصل القمل المحروق
في أحد فصول رواية «الشطار» لمحمد شكري، وتحديدًا فصل «القمل المحروق له رائحة بشرية»، وهو فصل يحمل دلالات إنسانية واجتماعية عميقة تكشف واقع الطفولة في بيئة الفقر والقسوة، يرصد الفصل حياة الطفولة في ظروف اقتصادية لا ترحم، حيث تتشابك معاناة الفقر مع الإهمال وغياب الحنان والرعاية الأسرية وغياب الحنان والرعاية، وتبرز هشاشة الطفولة حينما تضطر إلى مواجهة واقع قاسٍ يجعل البقاء تحديًا يوميًّا.
يظهر هذا الفصل بوضوح كيف أن المعاناة ليست فقط مادية، بل نفسية تشعل نارًا داخلية في الطفل الطفل المهجور نفسيًّا، كما هو الحال مع «القمل المحروق» الذي يعكس الألم الداخلي والاحتراق الذي يعيشه الطفل بعيدًا عن دفء العائلة. لتضحى الحكاية انطلاقًا من الرواية تقاطعًا مع تجربة طفل يبتعد قسرًا عن أسرته إلى محيط لا يحتضنه كما يجب؛ ما يولد شعورًا بالخذلان والوحشة.
رواية «الشطار» لمحمد شكري، نموذج للطفولة المنكوبة بالفقر والتشرد والغربة الحسية ومعاناة الأطفال في الأدب العربي، حيث الفقر لا يقتصر على حالة اقتصادية فقط، بل هو حالة شاملة تغتال الحنان والرعاية الأسرية، وتجبر الطفل على مواجهة قسوة الحياة بمفرده.
فيصور شكري طفولته في ظل عائلة يغيب عنها الحنان، والأمن الأسري؛ ما يخلق حالة من الاغتراب والخذلان تدفع الطفل إلى الهروب بحثًا عن ملاذ عاطفي أو نفسي يفتقده الهروب والاغتراب في الأدب. لتظهر كيف يصبح الطفل أسيرًا لموت بطيء داخل دائرة الفقر والجفاء العائلي، حين يغيب الدور الحاضن للأسرة. والهروب هنا ليس تصرفًا طائشًا، بل هو صرخة وجوع للحب والحنان والحرية من قيد المعاناة.
محمد شكري الشطار: السيرة الروائية للتشرد
رواية «الشطار» لمحمد شكري هي سيرة روائية تحمل وعيًا جريئًا بوظيفة الكتابة التي تحمل قدرًا من العنف والتدمير، إذ تُعد رواية مضادة للرواية الأسرية التقليدية. وتمثل الرواية رحلة الشاب محمد (الذي يعكس الكاتب نفسه) من التشرد في شوارع طنجة إلى عالم الشطار الذين يعيشون على هامش المجتمع بطرق غير تقليدية كالاحتيال والصعلكة.
وتكشف الرواية عن صراع داخلي عميق بين القيم الأخلاقية والانجراف نحو الممارسات الخاطئة في بيئة معقدة يعاني فيها الفقر، الظلم الاجتماعي، والاستغلال. وعلى هذا فمأساة الهروب الطائش للطفل تصبح تعبيرًا عن صراع داخلي منسي، شوق دفين للحنان والاستقرار، وكسر للحياة المجحفة التي فُرضت عليه.
أثر الفقر القاسي في الطفولة وفقدان الحنان والرعاية
إن ترك حمل العناية بطفل يتيم الحنان في يد غرباء، يرتدون قناع عدم الاهتمام، ويضمرون في قلوبهم برودة لا يداويها وجود، في حد ذاته يفسر مدى ثأثيره في نفسية الطفل ضمن تأثير الفقر على الطفل في الأدب المغربي الواقعي. ففي أيام حضور هذه العناية تبدو وكأنها نعمة، لكن في غياب الوالدين، يذوب الصغير في بحر من الإهمال، حيث لا تجد أنامل الحنان ملاذًا أو تربة تزرع فيها بذور الأمان.
حينئذ تقف الرواية أمامنا، تستفسر في سياق تحليل موضوع الطفولة المهجورة في رواية الشطار لمحمد شكري: كيف لطفل أن ينمو معزولًا في مجتمعات تقتطع من براءته؟ هل تكفي عبارات «التكفل» والتعليم لتغطية هشاشة القلب والعقل؟ كيف يمكن لطفل أن ينمو، حيث يُجبر على الهجرة العاطفية والجغرافية من بيت أسرته بحثًا عن مستقبله؟ فهل هذا الهروب تعبير عن قوة إرادة أم رد فعل على تشظي الحنان والحرمان؟ وكيف يعكس الأدب هذه التجربة الإنسانية الممعنة في الحسرة؟
فالرواية تتناول تعبيرات عدة عن مأساة نماذج أطفال يبتعدون عن الأسرة الأصلية، في محيط قاهر، ببرود عائلي وفي رحلة تبحث عن تعليم يحررهم، لكنهم يكتشفون أن الحرمان العاطفي لا يقل معاناة عن الفقر المادي، وكيف عالج محمد شكري الفقر والحرمان في رواية الشطار.
يمكن عد «الشطار» نموذجًا واقعيًا أدبيًا يقدم نقدًا للأسر والمجتمعات التي تترك أطفالها في مواجهة وحيدة مع قسوة الحياة وظروفها المعتمة، ما يفسر دوافع الهروب والتمرد والبحث عن معنى في عالم يبدو بلا رحمة.
في البيئات الريفية الفقيرة، الفقر المزمن وكثرة الأبناء وضآلة المؤسسات التعليمية، ولا سيما انعدام المدارس في القرى، عوامل قاهرة تدفع العائلات إلى نقل طفل إلى بيت أحد أقاربهم في المدن بحثًا عن فرص التعليم والحياة الكريمة؛ ما يضيع الطفولة في رحلة اغتراب وعزلة التشرد والضياع العاطفي.
فهذه الظاهرة تظهر إشكالية إنسانية معقدة، تمتد آثارها إلى حرمان الطفل من الحنان والرعاية الأسرية التي تمثل دعامة أساسية لنموه النفسي والاجتماعي.
دور الأسرة في مأساة الطفولة عند محمد شكري
وفي مجتمعنا، لا تزال هذه الظاهرة قائمة، فتضطر كثير من العائلات ذات الموارد المحدودة وكثرة الأبناء إلى نقل أطفالهم للعيش مع أقارب أو أبناء الأسرة الموظفين في المدن لتوفير فرص تعليم وحياة أفضل. وبذلك يمتزج الطفل ببيئة عاطفية جافة، فتتفاقم جراح الطفولة وينمو داخلها الصراع المميت مرات كثيرة؛ ما يدفع الطفل للهروب عن واقعه القاسي، بحثًا عن الذات والحنان المفقود.
انتقال الطفل من القرية إلى المدينة في أعمال محمد شكري
الانتقال من الوسط القروي إلى الحضري وتأثيره في الطفولة المهجورة. يمثل الانتقال من البيئة القروية إلى الحضرية إحدى أبرز المعضلات التي تعمق مأساة الطفل المهجور، فيعاني الطفل من صدمات متعددة المصدر؛ فالثقافة والعادات والقيم وأسلوب الحياة يتغيرون بالكامل، محمِّلين الطفل بحمولة ثقافية واجتماعية معقدة يصعب عليها التكيف السريع، وهو جوهر الصراع بين الريف والمدينة.
في القرية، على الرغم من الفقر، تتسم العائلة والمجتمع بالقرب والترابط والوصال، فالطفل يعرف محيطه جيدًا، ويشعر بالانتماء لأرضه وأهله، وهذا يوفر له نوعًا من الأمان النفسي، وإن كان محدودًا ماديًّا.
أما في الوسط الحضري المدينة المغربية في الأدب، فتتبدل المعطيات، فيصطدم الطفل بزحام البشر، والعزلة الفردية، وانعدام الروابط الاجتماعية القوية التي كانت مربطه في قريته. هنا تتزايد مشاعر الاغتراب والضياع الاغتراب الداخلي والخارجي، وتتكون بيئات متشابكة ممتلئة بالتحديات الاجتماعية مثل العنف، التمييز، الفقر المتصل بالجريمة، وضعف الحاضنة الأسرية بسبب مشاغل العمل وضغوط الحياة. الطفل الذي ينتقل من بيئته الريفية يجد نفسه في فضاء جديد مجهول، يعجز كثيرون عن التعبير عنه إلا عبر تبلور مشاعر الوحدة، الاغتراب، وفقدان الهوية.
في رواية «الشطار» يُعبر محمد شكري عن هذه المفارقة بين بيئتين مختلفتين بحدة، انطلاقًا من شخصيته التي تجد نفسها ممزقة بين جذورها الريفية والبيئة الحضرية القاسية التي تحكمها قوانين اجتماعية جديدة وغالبًا ما تتسم بالبرود الإنساني. هذه المفارقة بين الوسطين تعني أن الطفل لا يعاني فقط من انفصال جسدي عن الأسرة، بل من صراع داخلي يمتد إلى هويته، انتمائه، ومكانه في العالم؛ ما يولِّد أزمات نفسية عميقة قد تذهب به إلى تمرد وانفلات أو استسلام وانطواء. وهي نتائج تجعل مهمة رعاية الطفولة في المجتمعات المتغيرة أكثر تعقيدًا وأهمية.
بناءً على ذلك، تصبح هذه المسألة مركزية في فهم المأساة التي يرصدها الأدب الجريء مثل «الشطار»، وتدعو إلى تأمل أعمق حول كيفية تصميم سياسات ومؤسسات اجتماعية توفر الدعم النفسي والاجتماعي المكثف للأطفال المنقولين، لمساعدتهم في التعامل مع هذه التحولات الصعبة. فالمدرسة في كثير من الأحيان لا تقدم سوى التعليم المبسط لتعليم أبجديات القراءة والكتابة، دون توفير بيئة تعليمية تنمي القيم وتعزز الشخصية والقدرات النفسية والاجتماعية للطفل. المدرسة، في هذا السياق، لا تؤهل الطفل لمنحه القوة النفسية أو المعارف الصلبة التي يحتاجها لمواجهة تحديات الحياة الصعبة، بل تظل محصورة في الجانب الأكاديمي النظري؛ ما يعني أن الطفل يدرس أساسيات القراءة والكتابة، لكنه يفتقر إلى تدريب على التكيف الاجتماعي، النضج العاطفي، وبناء الذات القوية.
هذا النقص يدفع الطفل المهجور، الممسوك بين مفارقة الانتقال الجغرافي والاجتماعي، إلى مزيد من الإحساس بالضعف والهشاشة، إذ لا يجد في المدرسة الدعم الذي يعوِّض له غياب الحنان الأسري أو الموجود وجودًا ناقصًا. وتنتج عن ذلك حالة من الاستغراب والتشتت وعدم الانسجام الكامل داخل نفسه ووسطه الجديد؛ ما قد يفضي إلى عزلة نفسية أو حتى انفلات سلوكي كرد فعل على الفقدان الكبير للدعم النفسي والتأهيل السليم.
في رواية «الشطار» يظهر هذا الجانب بوضوح، حيث تتكامل معاناة الطفل بين الفقر، والانفصال عن الأسرة، وبين مدرسة لا تغذي إلا الجانب التعليمي الضيق؛ ما يزيد عزلته ويعقِّد محاولاته للتأقلم. لذا فإن توفير بيئة تعليمية أكثر تنوعًا وشمولًا في التربية لا بد أن تكون ركيزة أساسية في تنشئة الطفل؛ وذلك لتمكينه نفسيًا واجتماعيًا من مواجهة الأزمات وتحمُّل تبعات الانتقال، والحد من حالات الاغتراب والهروب.
ففي ظل افتقار الطفل المهجور لتدريب فعَّال على التكيف الاجتماعي يضاعف حدَّة مأساة انتقاله من وسط قروي إلى حضري، فإن ذلك يخلق حلقة مفرغة من الإحساس بالغربة والضعف النفسي؛ لهذا، يمكن القول إن المآسي التي يعانيها الطفل المهجور ليست فقط من نتاج الفقر المادي أو الغربة الجغرافية، بل أيضًا من غياب بيئة تعليمية وتربوية متكاملة تجهِّز الطفل لمواجهة التغيرات الاجتماعية وتمنحه أدوات الصمود والتكيف.
ومن جهة أخرى، فالرواية تفضح الإهمال المجتمعي والظروف القاسية التي توضع فيها الطفولة المهجورة، محذرة من استمرار تردي هذه الأوضاع بلا تدخل جاد.
وتبرز كقوة توعوية تسهم في زيادة الوعي بضرورة تغيُّر السياسات الاجتماعية والتربوية لتشمل دعمًا نفسيًّا واجتماعيًّا متكاملًا للأطفال، خاصَّة الذين يعانون معضلات التغير الجغرافي والاجتماعي.
بواسطة هذا التحليل المتواضع، يتضح أن مأساة الطفولة المهجورة تحيط بها شبكة معقدة من العوامل المتشابكة التي تتطلب تجاوبًا شاملًا ومنهجيًا، يبدأ من الأسرة وينتقل إلى المجتمع والمؤسسات التعليمية والتربوية، لتوفير بيئة تأهيلية حقيقية تُعيد للطفل الحقوق التي حُرم منها، وتحمي ديمومة شخصيته الإنسانية في وجه تحديات الحياة القاسية.
ارتباط الهروب والرغبة في التحرر من الواقع المادي والروحي بجرح الطفولة الذي لا يندمل
هل تستطيع رواية «الشطار» لمحمد شكري أن تجيب عن الأسئلة المؤلمة حول كل هذه المعاناة؟ كيف جسَّدت الصراع النفسي والاجتماعي للطفل المنفصل عن عائلته، الباحث عن دفء الحنان وسط برودة الواقع؟ هل الهروب من هذا القيد الطفولي فعل متهور أم صرخة إنسانية تلغي الخوف؟ وما قدرة الأدب الواقعي الجريء على فضح مآسي الطفولة وتحريك الوعي الجمعي؟

إن تحليلنا لهذه الرواية وربطها بقصة الطفل المهجور في واقعنا المعاصر يسلطان الضوء على مأساة حقيقية تنسجها الحياة، متشابكة بين الفقر والغربة الأسرية والحاجة الماسة للحب والحنان، لنؤكد أن مواجهة هذه التحديات تتطلب أكثر من كلمات، إنها دعوة للتغيير الاجتماعي والإنساني العميق.
إن تسليط الضوء على الانتقال من الوسط القروي إلى الحضري، وما يحمله هذا الانتقال من مضاعفات نفسية واجتماعية تزيد تعقيد مأساة الطفولة المهجورة. يظهر هذا الصراع بوضوح في رواية «الشطار»، بفضل تنقل البطل بين بيئة ريفية حسنة الارتباط وجذور عائلية، ووسط مديني معقد يعج بالاضطرابات والتحديات، ما يظهر الواقع الذي يعانيه كثير من الأطفال المهجورين الذين تفرض عليهم الظروف ترك بيئتهم الطبيعية والاندماج مع غربة جديدة.
الرواية ليست فقط سردًا لحياة طفل أو شاب، بل هي رسالة إنسانية تطالب بتحرك المجتمع لإعادة بناء منظومة الدعم النفسي والاجتماعي للأطفال المهجورين، مع إحقاق العدالة الاجتماعية، وتصميم برامج تعليمية تربوية تؤمن لهم بيئة حاضنة للنمو. هذه الرواية ليست قصة شخصية فحسب، بل نداء إنساني ووطني لترميم بنية المجتمع ودعم أضعف طبقاته، لتجعل من الطفولة بداية جديدة للأمل والكرامة.
صورة الطفولة في الرواية العربية: نماذج من الشطار
ما أشكال الطفولة المهجورة في الرواية؟
- أولًا، التخلي عن الطفل في مقتبل العمر، وهو شكل من أشكال العزل الأسري، حيث يُترك الطفل دون رعاية مباشرة أو عاطفية، كما يرويه الكاتب في بداية الرواية.
- ثانيًا، الهجرة القسرية للطفل وغربته بالمدينة، مقيدًا بمعاشرات قد لا توفر له الدعم الكافي، وهذا يُعمِّق شعور الطفولة بالغربة ويزيد حدة الشعور بالإهمال النفسي.
- ثالثًا، شخصية الشطار، وهي الطفولة التي اضطرت للاندماج في عالم الشارع القاسي، حيث يتعرض الأطفال لأنواع متعددة من الانحراف نتيجة غياب بيئات داعمة وسياسات حماية فعالة. الرواية تسرد هذه التجارب بأسلوب صارم وجريء، وتُظهر الصراعات النفسية والاجتماعية التي تنشأ من هذه الأشكال المتعددة للطفولة المهجورة، وهي تختلف لكنها تتقاطع في الألم والمعاناة والفقر والواقع القاسي للطفولة.
واقع الأطفال المهجورين في المغرب وانعكاسه في رواية الشطار
ما زالت هذه الأشكال والواقع الذي تستعرضه الرواية حاضرة ومستمرة على الرغم من مرور الزمن، وهو ما تؤكده التقارير الأخيرة من المغرب التي تسجل ارتفاعًا في عدد الأطفال المتخلى عنهم وأطفال الشوارع. هذا الواقع يظهر إخفاق المجتمع في توفير بيئة آمنة ومستقرة للطفل، ويؤكد أن أزمة الطفولة المهجورة ليست أمرًا من الماضي بل هي ضرورة دائمة للعمل والمواجهة.
تبعات استمرار هذا الواقع تتعدد تبعات استمرار الواقع المؤلم للطفولة المهجورة بين أوجه عدة: تفاقم الانحراف، تدني فرص التعليم، تفشي استغلال الأطفال، زيادة العنف والفقر، وتدهور التنمية البشرية عامة. هذه التبعات تفرض على المجتمع ككل ضرورة العمل على تطويق الأزمة عبر توفير كل أشكال الدعم النفسي والاجتماعي والتعليمي للطفل.
الضرورة الملحة للتحرك لا يمكن للمجتمع أن يظل متفرجًا على هذه المعاناة، لا سيما في عصر نحتاج فيه إلى رفع مستوى الوعي والعمل المنظم من جميع الجهات الحكومية والمجتمعية. يجب أن تتحول الرسالة التي تطرحها الرواية إلى واقع مُلزم يتحقق عبر برامج دعم حكومية ومبادرات مجتمع مدني موجهة لحماية الطفل، وتقوية بنيات الأسرة، وتحسين جودة التعليم، إضافة إلى تنفيذ صارم للقوانين التي تحمي الأطفال من الإساءة والاستغلال. وانطلاقًا من كل ذلك فالرواية يبقى نداؤها ساريًا بضرورة الوعي والتغيير من أجل مستقبل أكثر رحمة وكرامة لهذه الفئة الضعيفة من المجتمع.
رواية «الشطار» أو «زمن الأخطاء» لمحمد شكري، ليست سردًا لحياة طفولة مهجورة فحسب، بل هي نداء إنساني واجتماعي صادق يُعبِّر عن مأساة تستمر حتى اليوم، ونداء للعمل الجاد من أجل بناء مستقبل يضمن لكل طفل حقه في النمو والعيش بكرامة. إن استمرارية هذا الواقع تقربنا من مأساة أكبر يتذرع فيها الحاضر ليبرر التأخير، وهو عيب في زمن ينبغي فيه أن ترتقي القيم الإنسانية فوق كل الاعتبارات.
رواية "الشطار" لمحمد شكري تصوّر طبقة "الشطار" والصعاليك من الفقراء الذين لم يحالفهم الحظ في حياتهم، والذين عانوا من الفقر والحرمان والجهل، ووجدوا أنفسهم في الشوارع متنقلين بين الفنادق والحانات وأماكن الدعارة بحثًا عن ملذات عابرة وإشباع الرغبات المكبوتة.الشطار في الرواية هم أشخاص يعيشون على هامش المجتمع، بطرق غير تقليدية مثل الاحتيال، الصعلكة، والدعارة، ويعكسون واقعًا قاسيًا من الظلم، الفقر، والتفاوت الاجتماعي. الرواية تسلط الضوء على الصراعات الطبقية والاستغلال، وتكشف التناقضات في القيم الإنسانية، كما تبرز فلسفة العبث والحرية والتمرد على التقاليد وأعراف المجتمع في إطار وجودي واقعي نقدي.بالتالي، في "الشطار" تعني هذه الفئة الاجتماعية المعيشين على الهامش الذين يكافحون في ظروف صعبة جدًا، ويتحدون القيم الأخلاقية المفروضة عبر سلوكهم الذي يتراوح بين العبث والتمرد من جهة والعمل على البقاء بأي وسيلة من جهة أخرى، مما يجعلهم رمزًا للواقع المظلم الاجتماعي الذي يعيشه الكاتب بمرارة صادقة
lahcen bidqni
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.