تُعد المقامة في الأدب العربي وثيقة نقدية مهمة، وليست حكايات للترفيه. في هذا المقال، نقدم قراءة في تحليل المقامة الجاحظية، ونستعرض الصراع النقدي الشهير حول البيان والبديع الجاحظ والهمذاني، لنفهم الفروق الجوهرية بين الأسلوب الأدبي عند الجاحظ وأسلوب الهمذاني في زخرفة اللفظ في المقامات.
نقد الأسلوب الأدبي عند الجاحظ: محاكمة في "المقامة الجاحظية
خصَّص بديع الزمان الهمذاني مقامة كاملة للجاحظ سمَّاها «المقامة الجاحظيَّة» أنطق فيها بطله بنقد الجاحظ والتقليل من شأنه، إذ قال «إنَّ الجَاحِظَ في أَحَدِ شِقَّيِ البَلاَغَةِ يَقْطِفُ، وفِي الآخَرِ يقَفُ، والبَليغُ مَنْ لَمْ يُقَصِّرْ نَظْمُهُ عَنْ نَثْرِهِ، ولَمْ يُزْرِ كَلامَهُ بشِعْرِهِ، فَهَل تَرْوُونَ للْجاحِظِ شِعْرًا رائِعاً؟ قُلْنَا: لاَ، قَالَ: فَهَلُمُّوا إِلَى كَلاَمِهِ، فَهْوَ بَعِيدُ الإِشارَاتِ، قَلِيلُ الاسْتِعَاراتِ، قَرِيبُ العِبَارَات، مُنْقادٌ لعُرْيَانِ الكَلاَمِ يسْتَعْمِلُهُ، نَفُورٌ مِنْ مُعْتَاصِهِ يُهْمِلُهُ، فَهَلْ سَمِعْتُمْ لَهُ لَفْظَةً مَصْنُوعَةً، أَوْ كَلِمَةً غَيْرَ مَسْمُوعَةٍ؟ فَقُلْنَا: لاَ..».
نظرية البيان عند الجاحظ في مواجهة البديع
وكأنَّ هذا الكلام هو ردٌّ على تعريف الجاحظ للبيان في كتابه «البيان والتبيين» الذي يوضح فلسفة الجاحظ اللغوية، عندما قال: «والبيان اسم جامع لكلِّ شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائنًا ما كان ذلك البيان، ومن أيِّ جنس كان الدليل، لأنَّ مدار الأمر والغاية التي يجري إليها القائل والسَّامع إنَّما هو الفهم والإفهام، فبأيِّ شيء بلَّغتَ الإفهام وأوضحتَ عن المعنى، فذلك هو البيان..».
البيان والبديع الجاحظ والهمذاني: صراع المنهجين
اعتمد الجاحظ على البيان القائم على العقل والتحليل والتدرّج المنطقي في عرض الأفكار، وجاء الهمذاني بأسلوب البديع الذي يركّز على الزخرفة اللفظية، والمفاجأة الأسلوبية، وإبراز مهارة الكاتب في التصوير والمحاكاة، ومن هنا نشأ ما يمكن تسميته بـ"صراع المنهجين".
1. البيان في مواجهة البديع
فرؤية الهمذاني تنتصر للبديع في مواجهة البيان الذي أسَّسه الجاحظ، وهو جوهر الفرق بين البيان والبديع، وتنحاز للشعر في المفاضلة بينه وبين النثر. ذلك أنَّه كتب مقاماته على شكل مزيج من الشعر والنثر مستخدمًا جميع فنون البلاغة من مجاز وسجع وجناس، وهو ما يُعرف بالتجنيس في الأدب العربي القديم، وطباق ومقابلة وازدواج إلى درجة التصنُّع والتكلُّف أحيانًا، فكثيرًا ما يتفنَّن في إخراج المعاني السهلة بأرقى درجات التعبير، ويميل دائمًا إلى زُخرف اللفظ أو زخرفة اللفظ في المقامات، وينتقي حتَّى غريبه إلى درجة التعمية التي تحجب المقاصد وتُخفيها في بعض المواضع، بما يجعل المتقبل ينتبه للأسلوب واللفظ أكثر من انتباهه إلى المعنى.

السياق الاجتماعي: لماذا ظهرت زخرفة اللفظ في المقامات؟
وقد ذهب كثير من النقاد إلى أنَّ فنَّ المقامة يحاكي في أسلوبه نمط الحياة الباذخ في القرن 4 هـ الذي شهد أوج الازدهار في شتَّى مناحي الحياة: في المأكل والملبس والمسكن... إلخ.
فإذا كان البيان عند الجاحظ يعني الوضوح بما يحقِّق الوظيفة التواصلية للغة، فإنَّ المعنى في مقامات الهمذاني قد يضيع في متاهات اللفظ وزخارف العبارة وتنميق الأسلوب. وهو أمر مقصود عند بديع الزمان الهمذاني الذي يرى أنَّ من البيان ما لا يُفهم ومن الأقوال البليغة ما لا يُدرك.
ولتأكيد فرضيته استدلَّ بكلام حجَّام مجنون ولكنَّه فصيح في «المقامة الحُلوانيَّة»، فقد أنطقه بكلام منمَّق مسجَّع ولكنَّه يخلو من أيِّ إفادة ولا معنى فيه، ليعلِّق عيسى بن هشام راوي المقامة وأحد أبطالها على ما سمعه بالقول «فبقيتُ متحيِّرًا من بيانه في هذيانه».
وظيفة الإبهار والإدهاش في الأدب عند الهمذاني
فكأنَّ الهمذاني يردُّ ضمنيًّا على مفهوم البيان كما أسَّسه الجاحظ معتبرًا أنَّ «من البيان لسحرًا» وأنَّه أيضًا «من البيان لهذيان». فقد يُنتج المتكِّلم كلامًا بليغًا فصيحًا ولكن غير ذي معنى.
إنَّ الهمذاني لا يميل إلى «الكلام العاري» أو ما يسمَّى اليوم «بالدرجة الصفر في التعبير» الذي اتَّهم به الجاحظ، بقدر ما ينحاز إلى الزخرفة والتعقيد والصناعة؛ لأنَّ غاية البيان في رؤيته لا تقف عند حدود الوظيفة التواصلية الإبلاغية، وإنَّما تتجاوزها إلى وظيفة الإبهار والإدهاش في الأدب في زمن أصبح فيه الكلام نفسه صناعة، والبلاغة حِلية تحاكي تطوُّر الصنائع في ذلك العصر.
فكما يزيِّن الناس دُورهم، أو يتفنَّنون في طعامهم ولباسهم، يتفنَّنون في كلامهم لتكون المقامات نفسها فنًّا في بديع القول في تلك المجالس التي أنتجت المقامات من حيث هي أدب مجالسيٌّ، والتي كانت تجمع علية القوم حول أفخر طعام (كالمَضيرة في المقامة المضيريَّة) وأفخر كلام (كالمقامة).
2. المفاضلة بين النثر والشعر في العصر العباسي
وإذا عدنا إلى «المقامة الجاحظية» في سياق تحليل المقامة الجاحظية سنكتشف أنَّ نقد نظرية «البيان والتبيين» التي حصرها الجاحظ في التواصل و«الفهم والإفهام» لم يقف عند حدود الاختيارات الأسلوبية الفنيَّة، إذ اعتبر الهمذاني على لسان بطله أنَّ هذه «النظرية البيانية» منقوصة وعرجاء، ليس بسبب غياب البديع عنها فقط، بل لأنَّها انحازت إلى شقٍّ على شقٍّ. فحسب تصوُّره لا يمكن للمرء أن يكون بليغًا إذا لم يجمع بين النظم والنثر.
فمنتهى الفصاحة والبلاغة والبيان في نظر الهمذاني هو «ألاَّ تزدري الشعر» وألاَّ تنتقص من شأنه. ومثل هذا التعريف هو ردٌّ على موقف الجاحظ الذي انحاز للنثر على حساب الشعر في إطار المفاضلة بين النثر والشعر التي طرحت بين «شقَّي الكلام» العربي نثرًا وشعرًا وشغلت القدامى طيلة قرون.
الجاحظ والهمذاني: حجج الفريقين
فقد لمَّح الجاحظ في مقدِّمة كتابه «الحيوان» إلى ما يمكن أن نسمِّيه «كونيّة» النثر في مقابل «قوميَّة» الشعر. فهو يرى أنَّ «فضيلة الشِّعر مقصورة على العرب»، وليس ذلك فقط بل النَّثر -في نظره- أسبق في الوجود من الشعر «فالكلام كان كلُّه منثورًا ». ويُضيف كذلك أنَّ «الشِّعر لا يُستطاع أن يُترجم ولا يجوز عليه النَّقل، ومتى حُوِّل تقطَّع نظمه وذهب حُسنه»، زِدْ عليه أنَّ «الكتب -في رأيه- أبلغ في تقييد المآثر من البُنيان والشِّعر».

إنَّ هذا الانتصار الضمني حينًا والصريح أحيانًا أخرى للنثر، جعل الهمذاني يستأنف بعد نحو قرن هذه «المناكفة» مع الجاحظ ليُعيد الاعتبار إلى الشعر وليجعله شرطًا من شروط البلاغة والفصاحة، بل ليحوِّله إلى أصل لهما؛ لأنَّ نثر الهمذاني بما فيه من محسِّنات بديعية وإيقاعيَّة وتصويريَّة يقرِّب النثر من الشعر، ويجعل الشعر مثالًا ومرجعًا لكلِّ قول بليغ خاصَّة وأنَّه المكوِّن الثقافي الأبرز، فهو كما يُروى في المأثور «علم قوم لم يكن لهم علم غيره».
أثر الصراع النقدي في تطور النثر
يبدو هذا الصراع الإبداعي بين الجاحظ والهمذاني من الصراعات المنتجة في تراثنا الذي أسهم في ولادة مواقف ورؤى نقدية ولغوية وبلاغية شديدة الثراء، وأفضى إلى تطوير نصوص نثرية على غاية من التنوُّع، تمتدُّ من حكايات ابن المقفع إلى نوادر بخلاء الجاحظ، ولا تنتهي عند مقامات بديع الزمان الهمذاني.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.