لم يكن قديسًا سينمائيًا كما أحبّ بعضهم أن يراه، ولم يكن متظاهرا يدعي العبقرية أو يتعالى على الجمهور بأفلام غير مفهومة، بل كان إنسانًا فحسب، ظلّ يفتّش عن نفسه عبر الكاميرا، يلاحق أسئلته، يتعثّر، يندفع، يصرخ، يرقص، ويعود في النهاية إلى طفولته الحائرة أمام بحر الإسكندرية، لم يملك يومًا حقيقة ما حدث، بل حقيقة ما شعر به وأدركه تجاهه، كما قال بنفسه في أحد لقاءاته، هذا لأن الكمال في الفن مجرد وهم، والفن مرآة الحياة.
هذا المقال لا يحتفي بشاهين أو يمجده، بل يتأمله كونه حالة إنسانية تقاطع عندها الحلم مع الفن والواقع، فخرجت أفلامه لا تحمل الإجابات، بل تقدم أسئلة أعقد، طرحها إنسان حاول استخدام السينما ليجرب فهم الحياة، ولم يدّعِ يومًا أنه نجح.
إن الشخص الذي يبتغي التمجيد والبطولة حين يروي حكايته فإنه يعزل نفسه عن متغيرات الزمان والمكان والمجتمع، وكأنَّ تقلبات الواقع لا تطاله وبإمكانه التعالي عليها، وفي هذه العزلة المتعالية تفقد الحكاية صدقها وعمقها؛ لأنّها تنفصل عن الجذور الحقيقية التي تجعل الإنسان مفهومًا وقريبًا من الآخرين.
أمَّا الذي يواجه ذاته حقًا، فإنه يروي حكايته ضمن سياقها الكامل، فيضع طفولته وصراعاته وانكساراته ولحظات ضعفه جنبًا إلى جنب مع ما أنجزه، وبهذا تصبح حكايته حية ومؤثرة؛ لأنه لم ينكر النواقص، وبذلك لا ينكر بشريته كلها.
وهذا يلتقي مع فكرة شاهين عن الفن الحي الصاخب؛ فكما يعيد الفن صياغة الواقع كي يحاول كشف حقيقته، فإنّ الحكاية الصادقة تفكك أسطورة البطل المعصوم لتعيد الإنسان إلى مكانه الطبيعي في قلب الحياة، متأثرًا بها ومؤثرًا فيها.
لقاء بين الظلين هاملت ويوسف شاهين
يجلس الاثنان على خشبة مسرح واحد، أحدهما ينظر إلى الفراغ ويهمس: «أكون، أو لا أكون؟»، والآخر ممسك بالكاميرا، يبحث عن المعنى في كل كادر.
شاهين رأى نفسه في مسرحية شكسبير، رأى شابًا ممزقًا بين ما يعيشه وما لا يستطيع تغييره، بين الصوت الداخلي الصارخ والواقع الصامت، النبرة الحائرة نفسها، والدوائر المغلقة من الأسئلة نفسها.
طبقًا لنظرية الظل، يحمل كل إنسان داخل لاوعيه جانبًا مظلمًا، مرفوضًا، مكبوتًا... يمثل كل ما لا يريد الاعتراف به، هذا الظل ليس شريرًا بالضرورة، بل هو الوجه الآخر للذات، الجزء المدفون الذي إن لم يُعترف به، يسيطر على صاحبه من حيث لا يدري، وأراد شاهين أن يعبر عن هذا الظل على الرغم من بريق فكرة الفنان الواعظ أو الأيقونة المقدسة؛ لأن هذه المعاني توحي بالجمود، والفن صاخب حي، ينبض ويتنفس ويواجه، ويعيد صياغة الواقع بعد أن يعطينا الشجاعة لرؤيته على قدر من الحقيقة.
«يا ناس يا مكبوتة .. هي دي الحدوتة».
لذلك كان هاملت مرآة يرى فيها شاهين ذاته.. صراعه مع السلطة، حيرته، اغترابه، وتساؤله الدائم عن المعنى، كما أن هاملت الذي استخدم المسرح لكشف الحقيقة أمام عمه الملك، يشبه شاهين الذي استخدم السينما لمساءلة الواقع والذات، كلاهما تائه في عالم مضطرب، باحث عن العدالة والحقيقة، متمرد على القيود، لذلك لم يكن مشروع (هاملت) حلمًا مؤجلًا فحسب، بل كان محاولة مستمرة لفهم العالم بواسطة الفن، ومصارحة النفس على خشبةٍ أكبر من خشبة المسرح.
شاهين وهاملت لم يلتقيا زمنيًّا، لكنهما التقيا وجوديًّا، كلاهما يقفان على الخشبة، يحملان المرآة للجمهور، ويصرخان: هل تروننا؟ هل ترون أنفسكم؟
الألوان والتكوين البصري.. بين البنية الدرامية والشعور
في عالم السينما، لا يُعد اللون والتكوين البصري عناصر تقنية أو زخرفية، بل هما وسيلة لتحويل الشعور والفكرة إلى مشهد مرئي، وعند شاهين، يكتسب اللون والتكوين بعدًا وجوديًا وحيويًا يتفاعل مع الحالة النفسية للشخصيات، ويعكس الصراعات الداخلية والاجتماعية التي تحيط بها.
يمتلك شاهين حسًا بصريًّا مسرحيًّا فريدًا، إذ لا يكتفي بتسجيل المشهد، بل يعيد صياغة الواقع داخل الكادر بأسلوب يُجبر المشاهد على النظر بعين جديدة، ليكشف عن طبقات أعمق من وجدان الشخصيات، فهو يستخدم التكوين البصري عبر توزيع العناصر داخل الكادر ليخلق أبعادًا متعددة من المعنى، على سبيل المثال، عندما توضع شخصية في زاوية الكادر وتحاط بألوان داكنة أو مظلمة، تشعر وكأن العالم أغلق عليها، يضغطها من كل الجهات، يظهر سجنها الداخلي أو قيودها الاجتماعية، وعلى العكس، عندما تظهر شخصية في مركز الكادر، مرتدية ألوانًا فاتحة وسط خلفية معتمة، يؤثر ذلك في أنها شعلة أمل، نور وسط الظلام، أو تمرد يرفض الانكسار.
وبالقدر نفسه من الأهمية، يؤدي التوازن والتماثل دورًا دراميًا، فيتيح التماثل شعورًا بالسيطرة والنظام، ويكسر شاهين هذا التماثل فجأة ليخلق توترًا بصريًّا يظهر الصراعات الداخلية أو الفوضى الاجتماعية، ثم إن اللعب بالفراغ والازدحام داخل المشهد ليس مصادفة، بل أداة تعبيرية فعالة، فحين يشعر البطل بالاختناق أو الحصار، يزدحم الكادر بالعناصر التي تضغط عليه بصريًا، وفي لحظات الانعزال، يتخلى شاهين عن الزحام ليترك مساحات واسعة تبرز العزلة والاغتراب.
الألوان أيضًا عند شاهين تعمل كجسر بين الأزمنة والذاكرة، ففي مشاهد طفولة (يحيى) وشبابه، تغمرنا ألوان دافئة من الأصفر والبرتقالي التي تعبِّر عن الحنين والبراءة، في حين أن ألوان المشاهد التي تظهر الصراعات الوجودية والاغتراب، تكتسي بدرجات باردة معتمة، تظهر المسافة التي تراكمت بين الحاضر والذاكرة.
تظهر هذه اللغة البصرية جليًّا في أفلام شاهين مثل (إسكندرية ليه؟)، حيث تتراقص الأرض حول شخصية يحيى وسط ألوان دافئة متوهجة ليظهر وكأنه يملكها ويسودها، في مقابل مشاهد تغمرها الألوان الباردة حين يعاني من خيبة الأمل، وفي (باب الحديد) يتصاعد الظلام والكثافة اللونية مع تزايد توتر قناوي، ليجسد اختناقه النفسي والاجتماعي وإحساسه بالعجز.
في (المصير) تتحول الألوان النارية إلى إيقاع بصري متناغم مع حركات الكاميرا وحركة الشخصيات، معبرة عن النشوة الفكرية والجدل والصراع الثوري، في حين تتلاشى هذه الألوان مع تدهور الأحوال، كما لو أن اللهب ينطفئ.
بهذا التكامل بين اللون والتكوين البصري، لا تروي مشاهد شاهين قصة فقط، بل تنقل إحساسًا عميقًا بقيمة اللحظة وثقل الحالة النفسية، لتصبح تجربة بصرية ونفسية متكاملة، كالاندماج بين اللحن والكلمة، وكما كان يرى مينستربيرج، الناقد السينمائي، أن السينما هي مساحة للتأثير النفسي وتحريك وعي المشاهد، وبهذا يصبح شريكًا في المشهد لأنه يخلق رؤية ذاتية خاصة به.
الآخر.. كمان وكمان
تظهر علاقة شاهين بهاملت وعمرو كجزء من هوسه بصناعة رمز للزعامة. فهاملت له ليس شخصية شكسبيرية، بل رمز للبطل المثالي الذي يمكن أن يعوض غياب القائد بعد هزيمة 1967 وانكسار المشروع القومي، شخصية يحيى في الفيلم تظهر هذا الهوس على نحو واضح، فيسعى لتحويل عمرو إلى مرآة لأحلامه وشغفه ورغبته في السيطرة، لكنه يواجه رفضًا صادمًا من عمرو الذي يقول: «إنت بتحلم بيه، أنا لأ».
يتكشف هنا جوهر الصراع، وهو الرغبة في السيطرة على الآخر واحترام حريته وذاتيته، ما يعكس اعتراف شاهين بمحدودية السيطرة وفهمه أن الحب والفن لا يمكن أن يكونا أداة امتلاك، بل وسيلة لاكتشاف الذات وفهم الآخرين، في هذا السياق، يظهر جانب آخر من شخصيته في علاقته بالآخرين، حيث يمكن وصفه أحيانًا بالديكتاتورية، إذ يتحول الحب الذي يشعر به إلى حب لصورة اختلقها في ذهنه، وليس للآخر، هذا الصراع الداخلي يعكسه عمرو في الجملة: «هو بيحبني زي ما أنا؟ ولا معلّق على شبح اخترعه في نافوخه؟».
حينئذ تظهر شخصية نادية (يسرا)، فهي الصوت المقابل الذي يمثل الوعي والحرية، وتوازن هوس يحيى بالسيطرة والانبهار بالآخر، نادية تؤمن بالذاتية والحرية، وبالعلاقة التي تقوم على الشراكة الإنسانية لا على الزعامة أو الإتباع، ومنها تتجلى جدلية الحب والفن: بين الانبهار بالآخر كرمز للهوية، وبين الحرية الشخصية واحترام الذات، بين الحلم بالسيطرة والواقع الذي يفرض قيودًا، وبين المصالحة الداخلية التي تؤدي إلى الانكشاف الذاتي.

يوظف شاهين الإسكندر الأكبر ليكون رمزًا مركبًا، فيمثل الغريب الذي أصبح جزءًا من الهوية الإسكندرانية والمصرية على حد سواء، المدينة التي أسسها الأجنبي ليست مكانًا جغرافيًّا فحسب، بل مرآة للغرب في وعي شاهين نفسه، حيث الفن والحرية والقوة.
وتجسد العلاقة بين كليوباترا وأنطونيو صراع الشرق والغرب بطريقة رمزية، فتمثل كليوباترا العاطفة والسحر، في حين يجسد أنطونيو القوة والنظام، هذه العلاقة ممتلئة بالانجذاب والصراع، لكنها محكوم عليها بالفناء، كأنها استعارة للعلاقات المعقدة بين الحضارات المختلفة.
من وجهة نظر يحيى، تمثل كليوباترا الغواية والفتنة والخطيئة، في حين تراها شخصية نادية رمزًا للقوة الأنثوية والحكمة والعاطفة، هذا التباين في الرؤية يظهر جانبًا من نفس شاهين: ميله لتجنب الحب، وفي الوقت ذاته رغبته في السيطرة على الشخصيات التي يحبها، محاولًا فرض سطوته على الواقع الذي يصنعه على الشاشة.
وتتجلى هذه الديناميكية أيضًا في هوسه بالآخر الغربي في حياته وعلاقاته، بالإعجاب بالأجانب في أفلامه، فما ظهر في أفلام شاهين لم يكن نتيجة لرغبة، بقدر ما كان تعبيرًا عن ميله إلى حب صورة ذاته أو إسقاطها على آخر يشبهه أو يُكمل جوانب شخصيته، دون أن يعني ذلك انجذابًا جسديًا بالضرورة، في (حدوتة مصرية)، يظهر انبهار يحيى بالسائق الأجنبي وأيضًا بشخصية جزائري، بينما تُمثّل الزوجة -المرأة المصرية- رمزًا لمصر، الوطن الذي ضاق عليه وكاد يلفظه، في حين أن الجزائر قد احتضنته فنيًا في وقت رفضته مصر، فالإعجاب بالرجل (الآخر) غير المصري، هو في جوهره انتماء رمزي.
والأغنية التي يؤديها منير في الفيلم تعكس هذا الشعور بالاغتراب:
«أعرف بشر... عرفوني لا، لا معرفونيش
قبلوني وقبلتهم... بمدّ إيدي لك، طب ليه متقبلنيش؟»
إلى أن يعي يحيى أنه يحمل مواطن قوة الآخر داخلَ نفسه، وإن لم يستطع رؤيتها.
يحمل مشهد قتل الإسكندر في التابوت والجرافات التي تهدم جسده رمزًا واضحًا لمفهوم (قتل الهوس) الداخلي، والتحرر من هوس السيطرة والانبهار بالآخر الذي سيطر على شاهين مدة طويلة، وبسبب هذه اللحظة يتحقق التحول النفسي، فتصبح القدرة على الحب، والفن، والإبداع ممكنة دون الحاجة لتحويل الآخرين إلى نسخ من أحلامه أو رموزه.
وفي السياق نفسه، يمثل الاعتصام ضد نقيب المهن التمثيلية في الفيلم إسقاطًا مزدوجًا على الصعيدين السياسي والشخصي، فهو يظهر مواجهة شاهين للديكتاتورية الخارجية، وفي الوقت ذاته يضعه أمام إدراك ديكتاتوريته الخاصة في علاقاته وحبه للآخرين، وبذلك يظهر الفيلم الصراع المزدوج بين القوة والرحمة، بين الانبهار بالآخر والوعي به.
وهكذا يجد يحيى أن الحب والفن ليسا وعدًا بالخلاص ولا بزعامة جديدة، بل هما رحلة مستمرة لاكتشاف الذات في مرآة الآخر، واكتشاف الآخر في أعماق الذات، وهذا يتجلى في الأغنية التي يتشاركها يحيى ونادية:
«عايزة أعيش بينكم بذاتي
ليا شخصية وهوية
خد عينيا وشوفه بيها
راح تلاقيه جواك جميل».
الصوت في سينما يوسف شاهين
لم يكن الصوت في سينما يوسف شاهين عنصرًا تقنيًا مكمّلًا للصورة، ولا وسيلة لتزويد المشهد بموسيقى تصويرية لإثارة انفعال، لقد كان الصوت عنده لغة محيطة باللغة، فإذا كانت الصورة تتحرك في فضاء خارجي، فإن الصوت عند شاهين كان دائمًا امتدادًا للداخل: للذات، وللذاكرة، وللوجود، بل وسيطًا فلسفيًا أيضًا. فهو يطرح أسئلة الوجود: من نحن؟ إلى أين نمضي؟
في أفلامه ذات الطابع السيرذاتي، بدا الصوت جزءًا من السيرة ذاتها، لا ينقل ما رآه شاهين فقط، بل ما سمعه وأحسّه في مواجهة العالم، ومن هنا، لم يكن غريبًا أن يقترن صوت شاهين -عبر شخصية يحيى- دائمًا بالارتباك، بالتمرد، وبالرغبة في الخلاص.
في (إسكندرية... ليه؟) و(حدوتة مصرية) يتخذ الصوت شكل مونولوجات داخلية، أقرب إلى الهمس الذي لا يسمعه إلا البطل، أحيانًا نسمع يحيى يحدث نفسه، وأحيانًا أخرى يندمج صوته الداخلي مع أصوات الماضي، أو مع لغات متعددة (العربية، الفرنسية، الإنجليزية) في لحظة تكشف عن تشظّي الهوية.
الذروة في علاقة شاهين بالصوت تتجلى مع محمد منير، ذلك الصوت القادم من الجنوب، الممتلئ بالشجن النوبي، وبالقدرة على أن يكون واضحًا وغامضًا، قريبًا وبعيدًا، فرديًا وجماعيًا في آن واحد، تحمل أغانيه معاني مزدوجة وهو الأمر المشترك مع شاهين في أفلامه، فصوت منير وعدسة شاهين يخلقان حركة، كأن الأغنية تحمل الكاميرا إلى داخل النفس وخارجها في الوقت عينه، نحو الجماعة، والشارع، والناس، فمنير بصوته العفوي، يصبح مرشدًا في الرحلة، ودليلًا على أن السينما ليست محض حلم فردي لشاهين، بل نتيجة لحلمٍ جماعي.

في حدوتة مصرية، يتصاعد صوت منير قائلًا: «أعرف بشر... عرفوني لأ، ماعرفونيش، قبلوني وقبلتهم، بمد إيدي لك، طب ليه متقبلنيش؟».
وهنا تطرح الأغنية في سينما شاهين أسئلة لا يملك البطل أن يطرحها بغير الغناء:
هل يُقبل الإنسان كما هو؟
هل يكفي أن أعرف بشرًا لأصبح منهم؟
هل القبول الاجتماعي مشروط بالتماهي والتنازل عن الذات؟
إن جملة منير هي موقف فلسفي، وصرخة في وجه عالم لا يترك مساحة للاختلاف، وتعبيرٌ عن ذات تبحث عن الاحتواء، لا عن التبرير والسيطرة.
في فيلم المصير، نجد صوت منير يحمل أصداء الحرية والتحدي ومقاومة الجمود الفكري، أمام القوى التي تحاول قتل الأحلام وقولبة الأرواح، الصوت هنا دعوة للاحتفاء بالحياة والفن: «نرقص مكان ما نحب ونرقص الأحلام في حضن القلب، نتحدى يومنا بالغنا».
تتداخل الكلمات مع الحركة، ومع النفس، ومع الوجود، لتخلق إحساسًا بالرحلة المستمرة: كل خطوة على الطريق تصبح قنديلًا يضيء المسار، كل نبضة تنبهنا أن المشوار لم ينته بعد، وأن المصير ليس حتميًا مهما أبدى الواقع غير ذلك، وأن الأفكار لها أجنحة لا يمكن لأحد منعها من الوصول للناس.
أيضًا في حدوتة مصرية، نسمع لأغنية «أنت عمري»، وكوبليه «ابتديت دلوقتي بس أحب عمري، ابتديت دلوقتي أخاف لا العمر يجري»، الأغنية هنا تنبيه وجودي لشخصية يحيى الرجل الذي عاش حياته مقيدًا بالماضي، متأرجحًا بين الخوف من مضي العمر والرغبة في الانطلاق، نظرة نور الشريف الذي يجسد شخصية يحيى، نظرة ناطقة تتفاعل مع الكلمات، كأن الأغنية تهمس له: «ابدأ .. عش، لا تدع عمرك يمر دون أن تلمس الحياة وتحبها».
في إسكندرية كمان وكمان، يحول شاهين أغنية أم كلثوم «فات الميعاد» لحوار بين عمرو ويحيى، حين تتحرك الأغنية مع المشهد وتردد كلماتها: «وكفاية بقى، تعذيب وشقى، ودموع في فراق، ودموع في لقا» وتتبع الكاميرا هنا رقص عمرو ثم تبدأ تدريجيًّا في التباعد عنه، وتكشف تدريجيًا عن المساحة المحيطة به، وبهذا تخلق إحساسًا بخيبة الأمل والاغتراب، تظهر الإضاءة الزرقاء الباردة والمظلمة، جنبًا إلى جنب مع حركة نافورات المياه صاعدة وهابطة بسرعة، تظهر الانفعالات الداخلية للبطل، الماء المتقلب يظهر تقلبات الحالة النفسية صعودًا وهبوطًا، انتصارًا وانكسارًا، فيما يذكّر تكرار الحركة بدورة الحياة والخيبة المستمرة، كل عنصر بصري هنا يتكامل مع الصوت والموسيقى ليخلق لوحة سينمائية متكاملة، تجربة يشعر المشاهد من خلالها بأنه أمام امتداد مباشر لروح البطل.
وبذلك، لا يعبر الصوت والغناء عن الحالة العاطفية فحسب، بل يكونان توازيًا مع اللون والحركة، فيحوّلان الشاشة إلى فضاء حسي ووجودي، فتلتقي الذات بالزمن، والحلم بالواقع، والصمت بالصراخ الداخلي. كل نغمة، سواء من أم كلثوم أو منير، تصبح جسرًا يربط بين الماضي والحاضر، بين الانكسار والرغبة في الانطلاق، مؤكدًا عبقرية شاهين في توظيف الصوت كعنصر فلسفي وفني متكامل، لا ينفصل عن تجربة الوجود نفسها.
ختامًا، في عالم الفن، لا يوجد شكل أو صورة أو حركة بلا معنى محتمل، كل شيء قابل للتفسير وإعادة الاكتشاف، وهذه الرحلة تتطلب شجاعة لسبر أغوار الرموز والمعاني، وهذا يفسر لماذا قد تختلف تأويلاتي عن الآخرين حين أراقب وأحلّل أفلام شاهين ومشاهده، لأن كل عين تحمل تجربة، وكل قلب ينقب في داخله عن صدى لما يراه.
أرى: أنني إذا لم أواجه جانبي المظلم، خيباتي، ومخاوفي، وتخبّطاتي اليومية، فإن عواطفي السلبية ستخنق قدرتي على الفن، وتجعل أي تجربة فنية مجرد مشهد بلا حياة أو معنى، شاهين، بجرأته وإبداعه، يوضح ذلك بصدق، الشخصيات التي يصورها ليست مثالية، بل تعيش صراعاتها، تواجه أظلم لحظاتها، وتعلّمنا أن الفن لا يولد إلا من مواجهة الظلام الداخلي، والاحتراق النفسي الذي يفضي أحيانا إلى النور.
عند مشاهدة شاهين، أرى جانب الظل الذي أحاول مواجهته، فالفن ليس مجرد تعبير عن الجمال، بل وسيلة للمصالحة مع النفس، واستدعاء القوة من داخل الألم، كل لقطة وحركة وصمت، هي دعوة لنقرأ العالم بعيني الحقيقة، ونستمع لما وراء الكلمات، لما تحت السكون، لما لا يُقال إلا بالتجربة الصادقة.
كان شاهين يقدم شخصيات قادرة على قول (لا) بكل جرأة، كلمة صغيرة، لكنها تحمل فعلًا بطوليًا ورفضًا للانصياع، كانت (لا) تُقال بعيون دامعة، بصمت متحدٍّ، أو برقصة معبرة، كانت (لا) تعني كل مرة، الحياة والمقاومة، وتقرع أجراس اليقظة داخل كل ذات تبحث عن معنى.
أما نحن، القراء والمشاهدون، فنعلم أننا لسنا هاملت، ولسنا يوسف شاهين، قد بما نكون الظل الثالث الذي يحاول الحصول على خيط يربط بينهما، خيط يقودنا إلى داخلنا المتعب، إلى قلوبنا التي تتأرجح بين الخوف والأمل، لنكتب عن هاملت وشاهين، فننتهي بالكتابة عن أنفسنا، ونغوص في أعماق النصوص، لنكتشف ما في قلوبنا، لذلك، لم يكن يوسف شاهين مخرجًا سينمائيًّا فحسب، وهاملت هو السؤال الذي لم نجد له جوابًا نهائيًا، لكن شاهين أراد استحضاره ليعلمنا عدم الخوف من طرح الأسئلة، أو الرضا بأيّةِ إجابات وحسب.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.