أسباب انتشار المحتوى القصير: لماذا لا نستطيع التوقف عن التمرير؟

في عصر السرعة الرقمية، أصبحت حياتنا مقسمة إلى أجزاء من الثانية؛ ورغم ضيق الوقت وتراكم المهام والأنشطة والأعمال المطلوبة، فإن معظم الناس يجدون أنفسهم متورطين في قراءة المنشورات ومشاهدة الفيديوهات القصيرة على مواقع التواصل، حتى إنهم لا يشعرون بالوقت لدقائق طويلة وربما لساعات.

تدفع الخوارزميات وسهولة التمرير وتأثير الدوبامين السريع المستخدمين إلى قضاء ساعات في مشاهدة الفيديوهات القصيرة دون إدراك حقيقي للوقت أو تراجع التركيز والإنتاجية.

وفي هذا المقال نحاول سويًا تحليل أسباب انتشار المحتوى القصير ونفهم لماذا لا نتوقف عن مشاهدة الفيديوهات القصيرة، وكيف تحولت مشاهدة الفيديوهات القصيرة إلى إدمان، وماذا يحدث لأدمغتنا عند مشاهدة الفيديوهات القصيرة لفترة طويلة.

أشكال المحتوى القصير في مواقع التواصل الاجتماعي

يمكن الإشارة إلى المحتوى القصير باعتباره المحتوى الذي يقدم المعلومات بطريقة سريعة ومباشرة ومركزة على المستوى النصي أو الزمني، وهو ما يجعل استيعاب الرسالة يبدو أسهل وأسرع وأكثر وضوحًا من المحتوى الطويل. وبالتالي، فإن المحتوى القصير يستهدف جذب الانتباه السريع والتفاعل والتغيير المستمر، وهو ما يحدث من خلال أشكال عدة من المحتوى القصير، وعلى رأسها الأشكال التالية:

  • مقاطع الفيديو القصيرة مثل المقاطع التي تنتشر على يوتيوب شورتس وعلى تيك توك وعلى فيسبوك ريلز، وغالبًا ما تتراوح مدة هذه المقاطع بين عدة ثوانٍ وحتى دقيقة كاملة.
  • المشاركات والمنشورات القصيرة مثل الرسائل النصية على منصة إكس والمنشورات القصيرة التي تملأ موقع فيسبوك ومواقع أخرى مثل لينكد إن وغيرها.
  • القصص القصيرة التي تظهر مدة  زمنية قصيرة ثم تختفي بعد ذلك، وهي خاصية موجودة في عدد من مواقع التواصل مثل إنستقرام وسناب شات وفيسبوك، وغالبًا ما تكون مدتها 24 ساعة فقط.
  • الإعلانات الرقمية القصيرة والتي تكون على هيئة منشورات أو فيديوهات تظهر في مدد لا تتجاوز 10 ثوانٍ على منصات التواصل المختلفة مثل فيسبوك وإنستقرام ويوتيوب.
  • الإنفوجرافيك أيضًا يعد من منشورات المحتوى القصير، وهو عبارة عن تصاميم مرئية لعرض الأرقام والمعلومات بطريقة مصورة وجذابة بحيث يطلع عليها الجمهور بسرعة ويستوعب المعلومات الموجودة في ثوانٍ معدودة.
  • الميمز أيضًا من المحتويات القصيرة التي تنتشر بسرعة وتختفي بسرعة، وهي عبارة عن صور أو رسومات ذات طابع ساخر يرسلها الناس إلى بعضهم وينشرونها على حساباتهم على مواقع التواصل.

أسباب نجاح المحتوى القصير في الانتشار

في الآونة الأخيرة، أصبح المحتوى القصير أكثر انتشارًا من المحتوى الطويل، خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي، وهو الأمر الذي يرجع إلى عدة عوامل وأسباب، ومنها ما يلي:

تناقص الانتباه

أشارت معظم الدراسات التي تناولت سيكولوجية اهتمام الجمهور بالمحتوى والتفاعل على الإنترنت إلى أن هناك تناقصًا تدريجيًا في انتباه وتركيز الجمهور تجاه المنشورات والفيديوهات والمحتوى الذي يتم نشره، وهو ما يجعل المحتوى القصير أكثر جاذبية وملاءمة لطبيعة الانتباه والتركيز، حيث يسهل استهلاكه دون الحاجة إلى قدر كبير من الانتباه أو التركيز، بعكس المحتوى الطويل.

عمل الخوارزميات

تعمل الخوارزميات الخاصة بالمنصات الرقمية على إظهار ما يلائم ميول الجمهور واستهلاكه السريع، وبالتالي تظهر منصات التواصل الاجتماعي الفيديوهات والمنشورات القصيرة وتمنحها الأولوية لأنها تحقق التفاعل السريع من إعجابات ومشاركات وتعليقات. وبالتالي، فإن نجاح المحتوى القصير يؤدي إلى مزيد من النجاح لمحتوى قصير آخر بفعل الخوارزميات.

سهولة التعامل

لا يتعلق الأمر فقط بمشاهدة المحتوى القصير والتفاعل معه، وإنما يتعلق بسهولة التعامل مع المحتوى نفسه من خلال مشاركته مع الآخرين. وبالتالي، ينجح المحتوى القصير مع كثير من الناس الذين يرغبون في إرساله أو مشاركته مع الأشخاص أو المجموعات، حيث يسهل إعادة إرساله مباشرة عبر معظم التطبيقات الخاصة بالتواصل الاجتماعي مثل واتساب وتليجرام وفيسبوك.

التأثير العاطفي

من الناحية النفسية، فإن المحتوى القصير يكون له قدرة كبيرة على التأثير العاطفي السريع في الأشخاص مقارنة بالمحتوى الطويل، حيث تصل الرسالة بسرعة، وبالتالي يكون الناتج سريعًا سواء تعلق الأمر بالمحتوى الكوميدي أو المحتوى التحفيزي أو المحتوى الاجتماعي. أما المحتوى الطويل، فهو يتطلب الانتظار والانتباه والتركيز وفهم الرسالة وربط النقاط ببعضها من أجل إحداث التأثير العاطفي المطلوب.

لماذا لا يتوقف الناس عن مشاهدة الفيديوهات القصيرة؟

  • بالحديث عن المحتوى القصير وانتشاره الكبير في الآونة الأخيرة، فإن ظاهرة الفيديوهات القصيرة أصبحت ظاهرة تستحق الدراسة على المستوى التسويقي والإعلاني من ناحية، وعلى المستوى النفسي والصحي من ناحية أخرى، من أجل الإجابة عن سؤال في غاية الأهمية وهو: لماذا لا يتوقف الناس عن مشاهدة الفيديوهات القصيرة؟
  • وهنا لا توجد إجابة واحدة للسؤال، وإنما توجد عدة إجابات قد يكون أحدها أو جميعها سببًا في تعلق الناس بالفيديوهات القصيرة. حتى الأشخاص الذين ينتقدون التعلق بالفيديوهات القصيرة قد يتورطون أيضًا في الجلوس لدقائق طويلة أو ربما لساعات لمشاهدة عشرات الفيديوهات القصيرة.
  • ورغم ضيق الوقت لدى معظم الناس المرتبطين بالأعمال والمهام والدراسة والمواعيد المختلفة، ورغم عدم وجود نية مسبقة لدى معظمهم في مشاهدة الفيديوهات القصيرة لوقت طويل، فإن الأمر يشبه التنويم المغناطيسي، حيث يجد الشخص نفسه منساقًا إلى مزيد من التمرير من مقطع قصير إلى آخر دون أن يشعر بالملل أو الرغبة في التوقف والعودة إلى الأنشطة والمهام والفعاليات.

أسباب إدمان الفيديوهات القصيرة

ولكي نضع النقاط على الحروف، فإننا نحاول أن نرتب الأسباب المنطقية التي تؤدي في النهاية إلى إدمان الفيديوهات القصيرة، وهي كالتالي:

الهروب من الواقع

ليس عنوانًا لأحد أفلام السينما، وإنما هو حقيقة، حيث إن معظم الناس يهربون من مشاكل الواقع والضغوط الاجتماعية والاقتصادية إلى مشاهدة المقاطع القصيرة ليشعروا بالتسلية والرضا ويتخيلوا أنفسهم سعداء ومنسجمين مع هذا الواقع الإلكتروني.

سهولة المشاهدة

أكثر ما يورطنا في مشاهدة المقاطع القصيرة والفيديوهات التي لا تتجاوز مدتها ثواني معدودة هو سهولة الوصول إلى هذه الفيديوهات، حيث يبدأ الأمر بمشاهدة فيديو واحد، ثم ليس عليك سوى التمرير من فيديو إلى آخر، وهو الأمر الذي تشترك فيه جميع مواقع التواصل الاجتماعي التي تقدم خاصية الفيديوهات القصيرة المتتالية.

خدعة الثواني المعدودة

توجد خدعة بسيطة وفعالة في الوقت نفسه تحدث عندما يقول الإنسان لنفسه إن مشاهدة هذا الفيديو القصير لن تستغرق سوى ثوانٍ معدودة، وبالتالي لا يوجد أي ضرر أو تأثير أو تورط في مشاهدة مزيد من الفيديوهات، وإن هذه الثواني المعدودة لن تمثل أي عطلة أو تأخير عن ممارسة المهام أو العودة إلى الأنشطة المعتادة، وهو الأمر الذي يؤدي إلى التورط في دقائق وساعات من مشاهدة الفيديوهات القصيرة.

كيف نتحكم في إدمان مشاهدة الفيديوهات القصيرة؟

كل الأشخاص الذين يتفاعلون مع مواقع التواصل الاجتماعي ويدمنون المحتوى القصير، وعلى رأس القائمة تبرز الفيديوهات القصيرة التي يشاهدها البعض لساعات على مدار اليوم، كلهم يعلمون الأضرار التي يمكن أن تصيب الدماغ وأن تصيب الشخص على المستوى النفسي، إلا أنهم مستمرون في إدمان الفيديوهات القصيرة.

تظهر الدراسات الحديثة أن الشخص في المتوسط يتفقد هاتفه حوالي 90 مرة على مدار اليوم، ويزيد هذا المتوسط لدى الشباب الذين يرتبطون ارتباطًا شديدًا بمواقع التواصل الاجتماعي، حتى إن حالاتهم النفسية تتوقف كثيرًا على ما يشاهدونه من منشورات وفيديوهات وأخبار على مواقع التواصل.

ومن الأمور السلبية التي تحدث نتيجة مشاهدة الفيديوهات القصيرة على مواقع التواصل الاجتماعي هو ما يحدث للصحة العقلية من حالات قلق وتشتت ونقص القدرة على التركيز، بالإضافة إلى قلة الإنتاجية وقلة جودة النوم، وحتى حالات الاكتئاب التي تؤدي في بعض الأحيان إلى الرغبة في إيذاء النفس أو الانتحار.

كما أكد علماء الأعصاب أن مشاهدة الفيديوهات القصيرة مدة طويلة قد تؤثر على السلوك البشري بشكل سلبي، نظرًا لأن السعادة والمتعة الموجودة هي سعادة افتراضية بعيدة تمامًا عن الحياة الواقعية، وبالتالي يلجأ الشخص دون أن يقصد إلى مزيد من العزلة والابتعاد عن الأنشطة الحقيقية.

وبالتالي يبدأ طريق الابتعاد عن إدمان الفيديوهات القصيرة من خلال التكنولوجيا نفسها، حيث يمكن للشخص أن يحدد لنفسه وقتًا على مواقع التواصل وأن يستخدم المنبه أو أي أداة يمكن أن تخرجه من هذه الحالة بعد انتهاء الوقت المخصص لها.

كذلك، يجب أن يكون لدى الشخص خطط واقعية وأنشطة حقيقية يشارك فيها. يجب أن يرتبط بأشخاص حقيقيين خارج نطاق العالم الافتراضي، حتى يقضي معهم المزيد من الوقت، ويستعين بهم عندما يتعرض لأي حالة من الضيق أو الألم النفسي، ولكي يشعر بالسعادة الحقيقية، ولا يكتفي بالسعادة الافتراضية التي تقدمها وسائل التواصل الاجتماعي.

ختامًا، لا يمكننا إنكار أن المحتوى القصير أصبح لغة العصر، لكنه سلاح ذو حدين؛ ففي الوقت الذي يقدم فيه معلومات سريعة وتسلية لحظية، قد يسلبنا أثمن ما نملك: وقتنا وقدرتنا على التركيز العميق.

ابدأ اليوم بتحديد أوقات محددة للاستهلاك الرقمي، وأعد بناء جسور التواصل الواقعي مع محيطك، وتذكر دائمًا أن حياتك الحقيقية تستحق اهتمامك أكثر مما تستحقه تلك الثواني المعدودة التي تمر أمام عينيك على شاشة الهاتف.

شاركنا في التعليقات: كم ساعة تقضي يوميًا في التمرير؟ ولا تنسَ مشاركة المقال لتعم الفائدة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.