في منطقتنا العربية، ومع شح الموارد المائية، أصبح الاتجاه إلى تحلية مياه البحر ضرورة وليس اختيارًا، رغم التكاليف الكبيرة والأضرار المتعددة لتقنية تحلية مياه البحر، خاصةً مع امتلاك الدول العربية كثيرًا من السواحل التي تستطيع استغلالها في إنشاء محطات تحلية مياه البحر التي يمكن إدارة بعضها بالطاقة الشمسية لتحلية المياه في المستقبل. ولكن بدأت بعض أصوات تتعالى في السنوات الأخيرة محذرةً من الأضرار البيئية الكبيرة الناتجة عن التأثير البيئي لتحلية المياه.
في هذا المقال نحاول توضيح الصورة كاملة بين فوائد تحلية مياه البحر، والتكاليف التي تحتاجها هذه التقنية، والأضرار الناتجة عنها، إضافة إلى طرح مقارنة بين طرق تحلية مياه البحر المختلفة، وذلك في السطور التالية.
محطات تحلية المياه ضرورة النمو وآلية عمل التناضح العكسي
في ظل ندرة المياه في معظم المناطق حول العالم -وخاصة في المنطقة العربية- ومع زيادة الطلب يومًا بعد يوم، فإن تحلية مياه البحر أصبحت ضرورة كبيرة على الرغم من التكلفة العالية. وتؤكد الدراسات الأخيرة على نمو كبير في عدد محطات تحلية مياه البحر التي بلغت في العام الماضي أكثر من 16 ألف محطة في 177 دولة، نصفها تقريبًا في المنطقة العربية، وهو ما أدى إلى إنتاج نحو 100 مليون متر مكعب من الماء يوميًّا، حسب الجمعية الدولية لتحلية المياه.

وقد اكتسبت محطات تحلية المياه اسمها من عملها، وهو تحويل المياه المالحة غير الصالحة للشرب إلى مياه عذبة يمكن استخدامها في الشرب والزراعة والأغراض الأخرى، عن طريق إزالة الشوائب من المياه ذات الملوحة العالية أو المياه قليلة الملوحة، باستخدام تقنيات وآلات مبتكرة لمعالجة هذه المياه. وهي تقنية حديثة، إلا إنها بدأت في خمسينيات القرن الماضي، ومنذ ذلك الوقت، فهي تتطور على نحو كبير حتى وصلت إلى الشكل الحالي.
مقارنة بين طرق تحلية مياه البحر
على الرغم من هيمنة تقنية التناضح العكسي حاليًا، فإن الطرق الحرارية كانت الأكثر انتشارًا تاريخيًّا، وتشمل التقطير الومضي متعدد المراحل (Multi-Stage Flash - MSF) والتقطير متعدد التأثيرات (Multi-Effect Distillation - MED).
وتعتمد هذه الطرائق على تبخير الماء ثم تكثيفه، وتستهلك قدرًا عاليًا من الطاقة الحرارية على عكس التناضح العكسي الذي يعتمد على الطاقة الكهربائية بشكل أساسي وفقًا لـNewater.
وبالنظر إلى الطريقة التي تعمل بها محطات تحلية المياه حاليًا، باعتمادها على التقدم التكنولوجي والتطور البحثي الكبير، فإنها تستخدم مجموعة من الطرق لإزالة الأملاح والمواد الصلبة من المياه. ولعل أبرز هذه الطرق هو التناضح العكسي، فمحطات التحلية تُبنى في المناطق القريبة من مصادر المياه المالحة أو قليلة الملوحة، وفيها تُسحب المياه وتُعالج في مرحلة أولية من أجل إزالة الجزيئات الكبيرة وحطام المواد العضوية عن طريق الترشيح والترسيب، وفي بعض الحالات تُستخدم معالجات كيميائية.
وفي خطوة التناضح العكسي، يدخل الماء إلى نظام من الأغشية شبه المنفذة التي تعمل على التقاط الشوائب الموجودة في الماء من الملح والمعادن، وهو ما يؤدي إلى مرور الماء النقي، وبعد ذلك يُجمع في خزانات مخصصة للمياه العذبة، بحيث تكون جاهزة للشرب والزراعة والعمليات الصناعية.
ثم تأتي بعد ذلك خطوة التخلص من الملوثات والأملاح والشوائب التي نتجت عن عملية تحلية المياه، ومنها الشوائب التي استُخرجت في المعالجة الأولية، وهو الأمر الذي يحتاج إلى استخدام أساليب صديقة للبيئة بحيث لا تؤثر هذه الشوائب في النظام البيئي البحري. وبالتالي، فإن عملية تحلية المياه فيها كثير من الإجراءات التي قد يكون معظمها ذا أضرار كبيرة على البيئة.
لماذا تقنية تحلية مياه البحر؟
توجد كثير من الإيجابيات لعملية تحلية مياه البحر، لكن الأمر في الغالب يُعد ضرورة بسبب نقص الموارد المائية، مع زيادة الطلب نتيجة زيادة عدد السكان والمتطلبات الزراعية والصناعية. وهو ما يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه العذبة التي لا توفرها الطبيعة في كل المناطق. وهنا تظهر تقنية تحلية مياه البحر لتكون أحد الحلول الحقيقية التي تقلل الاعتماد على المصادر الطبيعية، وتضمن وجود إمدادات مائية مستقرة بحسب سعة محطات تحلية المياه وطريقة عملها، إن فوائد تحلية مياه البحر تجعلها جزءًا أساسًا من الأمن المائي.
إضافة إلى ذلك فإن محطات تحلية المياه لا تعمل فقط من أجل مياه الشرب، وإنما تخدم قطاعًا عريضًا في الري والزراعة، بالإضافة إلى توفير احتياجات المناطق الصناعية من المياه النظيفة، وهو ما يعد هدفًا استراتيجيًا لأي دولة في العالم، وخصوصًا في بلادنا العربية حيث تحتل الصحراء المساحة الأكبر من الأراضي، في حين يتزايد عدد السكان كل يوم مع شح الموارد المائية من أمطار وأنهار ومياه جوفية، إن فوائد التحلية للدول العربية تكمن في قدرتها على توفير استدامة المياه في ظل ندرة مصادر المياه العذبة التقليدية.
أيضًا فإن الاعتماد على محطات تحلية المياه لا يتأثر بالتغيرات الموسمية والجفاف، وحتى بظروف الكوارث الطبيعية التي تتأثر بها مصادر المياه الأخرى، وهو ما يجعل تقنية تحلية المياه تمثل ميزة كبيرة في المناطق ذات المناخ المتقلب، والأمكنة الأكثر عرضة للكوارث الطبيعية.
تكاليف إنشاء محطات تحلية المياه
قد تُعد تكلفة إنشاء محطات تحلية المياه هي العقبة الأكبر أمام كثير من الدول لإنشاء المحطات على السواحل، خاصة في البلاد العربية في شمال إفريقيا، حيث تحتاج هذه المحطات إلى استثمارات ضخمة مقارنة بأي مشروعات أخرى مثل البحث عن المياه الجوفية. إضافة إلى أن بناء محطات تحلية المياه يتطلب وجود بنية تحتية ذات متطلبات خاصة، وهو ما يحتاج توفيره إلى مزيد من التكلفة التي لا تتحملها كثير من الدول.

كم تكلفة تحلية متر مكعب من المياه؟
تتراوح التكلفة عالميًّا بين 0.50 دولار و2.00 دولار للمتر المكعب، لكن المملكة العربية السعودية نجحت في خفض تكلفة تحلية المياه إلى ما يقارب 1.5 ريال سعودي للمتر المكعب وفقًا لـRusukh ما يظهر التقدم التكنولوجي.
ومن التكاليف التي يجب النظر إليها قبل الشروع في بناء محطات تحلية المياه هي كميات الطاقة الكبيرة التي تحتاجها تلك المحطات من أجل العمل، فهي تستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة من أجل إزالة الملح من الماء، وهو ما يحتاج إلى مصادر طاقة ثابتة ومنتظمة، وهو ما يعد تكلفة الكبيرة. بالإضافة إلى أضرار عوادم تلك الطاقة، وبالتالي لا تستطيع كل الدول إنشاء ما تحتاجه من محطات تحلية المياه إلا إذا كانت تمتلك تلك الموارد الهائلة.
الطاقة الشمسية لتحلية المياه: هل التحلية باستخدام الطاقة الشمسية فعالة؟
نظرًا لارتفاع تكلفة تحلية المياه الاعتماد على الوقود الأحفوري، تتجه الأنظار نحو الطاقة الشمسية لتحلية المياه كحل مستدام. وردًا على السؤال هل التحلية باستخدام الطاقة الشمسية فعالة؟
فإن الإجابة هي نعم؛ فقد أصبحت أنظمة التحلية التي تعمل بالطاقة المتجددة أكثر كفاءة، وهي تقلل بشكل كبير من البصمة الكربونية للمحطات. ومع أن التكلفة الأولية لإنشاء محطات شمسية متكاملة قد تكون عالية، لكن خفض تكلفة التشغيل على المدى الطويل يمثل ميزة إستراتيجية كبرى، خاصة في المنطقة العربية التي تتمتع بسطوع شمسي مرتفع.
التأثير البيئي لتحلية المياه: أضرار المياه شديدة الملوحة
على الرغم من هذه الفوائد الكبيرة لمحطات تحلية مياه البحر، فإن التوسع في استخدام تلك التقنية قد دفع كثيرًا من المراكز البحثية إلى دراسة أضرارها، وهو ما جعل أصواتًا كثيرة تتعالى في السنوات الأخيرة محذرةً من خطورة تقنية تحلية المياه التي تحدثت عن إجراءات إلقاء المياه شديدة الملوحة مرة أخرى في الماء.
ويُعرف هذا الناتج باسم المياه شديدة الملوحة (Brine) أو المرتجع الملحي، وهو يمثل مشكلة التأثير البيئي لتحلية المياه الأبرز، فيقابل كل لتر من المياه العذبة نحو لتر ونصف من المياه شديدة الملوحة التي تصب مرة أخرى في البحار، وهو ما يظهر في منطقتنا العربية بوضوح، فقد أثبتت الدراسات أن نحو 55% من المياه التي تفرزها المحطات العربية تُصب في الخليج العربي، وهي مياه عالية الملوحة يأتي معظمها من السعودية والإمارات والكويت وقطر.
أضرار المياه شديدة الملوحة الناتجة عن التحلية: كيف تؤثر التحلية في الحياة البحرية؟
عند النظر إلى تداعيات إلقاء المياه شديدة الملوحة في المسطحات المائية، فإن الحياة البحرية في تلك السواحل تكون على المحك، وهي أيضًا تعد ثروة كبيرة وموردًا أساسيًا للسكان في تلك المناطق، فلا يمكن التضحية بأحد الموارد من أجل الحصول على مورد آخر.
إن الإجابة عن سؤال: كيف تؤثر التحلية على الحياة البحرية؟ تكمن في أن ارتفاع تركيز الأملاح والمعادن ودرجة حرارة المرتجع الملحي يغير من خصائص مياه البحر، ما يهدد الشعاب المرجانية والأعشاب البحرية والكائنات الحية؛ لذا تتعالى الدعوات للبحث عن طرائق لاستغلال المياه التي تفرزها عملية التحلية التي تكون عادة مملوءة بالأملاح والمعادن مثل الكالسيوم والبوتاسيوم والمغنيسيوم. فيمكن الاستفادة بها في مشروعات أخرى من أجل الحفاظ على البيئة، ومن أجل الحصول على الأرباح لتغطية التكاليف العالية لتقنية تحلية مياه البحر.

أيضًا فإن أضرار تحلية مياه البحر لا تتوقف عند إعادة المياه شديدة الملوحة إلى البحار، وإنما تبدأ هذه الأخطار عند عملية سحب المياه بالأنابيب المتصلة بمنشآت التحلية التي تعمل على تفريغ ملايين العوالق وبيض السمك والكائنات المجهرية الموجودة في المياه التي تعد جزءًا من السلسلة الغذائية البحرية، وهو ما يحمل كثيرًا من المخاطر لباقي الكائنات مع الوقت.
إضافة إلى ذلك، توجد كثير من المخاوف حول جودة المياه الناتجة عن محطات تحلية المياه في بعض المناطق التي قد يكون لها تأثير في صحة الناس بعد ذلك. فقد أثبتت الدراسات أن استخدام المواد الكيميائية في عملية معالجة المياه قد يؤدي إلى بعض المخاطر، مثل ارتفاع نسبة الصوديوم الذي قد يؤثر في صحة القلب والأوعية الدموية وفقًا لدراسات متعددة وغيرها، وهو ما يحتاج إلى مراقبة عالية لعملية التحلية، وللكشف عن المياه بعد انتهاء عملية التحلية لتحديد مدى مناسبة المياه للأغراض المطلوبة.
محطات تحلية المياه في المنطقة العربية: آراء حول المخاطر والفرص الاقتصادية
مع عرضنا للتكلفة والأضرار التي تحدثت عنها الدراسات الحديثة بخصوص تحلية مياه البحر، فإننا أيضًا نعرض الآراء الأخرى التي تقلل من أهمية نتائج هذه الدراسات التي تعدها مبالغًا فيها. وتنطلق هذه الآراء من مجموعة من الثوابت مثل أن محطات تحليل المياه الحديثة تحتوي كلها آليات مراقبة ذات كفاءة عالية، إضافة إلى أن مشكلة المياه شديدة الملوحة لا تظهر عادة إلا في المحطات التي أُنشئت على سواحل البحار المغلقة أو الخلجان أو البحيرات؛ وهو ما يجعلها مشكلة بيئية، لذا فإن باقي المحطات المنتشرة على البحار المفتوحة والمحيطات لا تمثل خطرًا كبيرًا.
وتُعد محطة رأس الخير في السعودية، إحدى محطات تحلية المياه في المنطقة العربية، نموذجًا عالميًّا يجمع بين تقنيتي التناضح العكسي والتقطير الحراري.
ويشير كثير من المتحمسين لمحطات تحلية مياه البحر إلى إمكانية الاستفادة الاقتصادية الكبيرة من المياه شديدة الملوحة بعد تحلية المياه، باستخراج الأملاح والمعادن الموجودة فيها، إضافة إلى إمكانية استخدامها في زراعة الطحالب التي تعد موردًا اقتصاديًا مهمًا في المناطق الساحلية، فتستخدم غذاءً للأسماك؛ وبذلك قد توجد فوائد كثيرة لمحطات تحلية المياه.
الأمر الآخر الذي يُتداول عن الدراسات التي أُجريت على عمليات تحلية المياه هو أن معظم هذه الدراسات أُجريت نظريًا دون أبحاث ميدانية حقيقية في المحطات، وهو ما يتطلب جهدًا كبيرًا لدخول المحطات ومتابعة عمليات ومراحل تحلية المياه، ومراقبة العوادم والمياه شديدة الملوحة التي تخرج من عملية التحلية، وقياس نسبة المعادن والأملاح الموجودة في هذه المياه، وهو ما لم يتوفر للباحثين والجهات البحثية في معظم الأبحاث.
دعوة للتحول الأخضر ومستقبل التحلية في المنطقة العربية لمواجهة التغيرات المناخية ونقص المياه
وهكذا تبدو الصورة الخاصة بتقنية تحلية مياه البحر، التي تحمل كثيرًا من الفوائد والحلول للمناطق التي يعاني سكانها من ندرة المياه وتقلب المناخ والظروف غير المستقرة. وتحمل أيضًا كثيرًا من الصعوبات في إنشاء هذه المحطات على مستوى التكاليف والبنية التحتية والكفاءات العلمية، بالإضافة إلى نتائج الأبحاث الحديثة التي أشارت إلى أضرار تقنية تحلية مياه البحر على البيئة البحرية وعلى الإنسان.
إن المستقبل يتطلب من الدول العربية مواجهة تحدي التغيرات المناخية ونقص المياه عبر الموازنة الدقيقة بين الضرورة الاقتصادية والحفاظ على النظم البيئية. ولتحقيق ذلك، لا بد من ضخ استثمارات أكبر في أبحاث التحلية الخضراء، وتوسيع نطاق استخدام الطاقة الشمسية لتحلية المياه، والعمل على استغلال المياه شديدة الملوحة (Brine) اقتصاديًّا، والتحقق الميداني من التأثير البيئي لتحلية المياه لضمان أن تكون هذه التقنية حلًا لأزمة المياه دون التسبب في أزمة بيئية موازية.
وفي نهاية المقال، نأمل أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات عن تقنية تحلية مياه البحر، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.