كيف نتحرر من أسر العاطفة الضيقة إلى رحابة العقل الواسع؟
لا جدوى من أن يتحرر العقل من تلقائية العاطفة، فالتلقائية أحيانًا مطلوبة بسبب سعير الأحداث، فمثلًا عندما نبتعد تلقائيًّا عن حريق شب فجأة بجوارنا لا يمكن أن نؤجل هذا القرار حتى يتخذه أو يقره العقل.
ولكن العقل قد يتدخل ليساعدنا كيف نبتعد عن الخطر وكيف نزيله وكيف نمنع تكراره، وأحيانًا يكون القرار العقلي هو مواجهة الخطر والقضاء عليه إذا وجدنا مصادر قوة كافية لفعل ذلك.
اقرأ أيضًا تحرير العقل من قبضة العاطفة ج1
دور العقل هل هو مادي أو معنوي؟
إذن لا عيب في استثمار تلقائية العاطفة إذا كانت مفيدة، ونستكمل المسيرة الناجحة بدخول العقل إلى ميدان المعركة قائدًا نافذ البصيرة.
أداء العاطفة دور الخط الأول في الدفاع عن الوجود هو دور شديد الخطر لا غنى عنه، لكن دور العقل يأتي لتحديد ماهية الوجود الذي ندافع عنه، هل هو وجود مادي أو معنوي؟
هل هو وجود ستاتيكي خامل أم ديناميكي فعال، إذن دور العاطفة في الدفاع عن الوجود لا بأس به ولكنه دور أولي محدود، أما العقل فسيكون دوره هو البحث عن وجود فعال قوي قائد مؤثر، وليس عن وجود خامل ضعيف تابع متأثر.
سهولة وسرعة اتخاذ القرار العاطفي قد تكون ميزة في بعض الأحيان، لكنه كارثة في غالب الأحيان، لذا قد نترك العاطفة تتخذ قرارًا مبدئيًّا أوليًّا، ولكن دور العقل هنا هو المراجعة والتحليل والقياس، ثم رسم قرار جديد بناء على هذه المدخلات الجديدة، وليس البحث عن أعذار ومبررات للقرار العاطفي.
وتستلزم هذه الخطوة التدريب على عزل آلة الفكر من المؤثرات العاطفية والتفكير من خارج الذات ومن خارج الانتماء بجميع أنواعه، ويتخيل الإنسان أنه ليس طرفًا في القضية التي يتخذ فيها القرار حتى تكون الرؤية واضحة منزهة عن غشاوة الذاتية.
كي يتحرر العقل من تأثير أحاسيس الفرح والحزن، يجب أن يدرك الإنسان أن الوصول للعدل هو أسمى وأبقى من الوصل للنصر، بل إن الحياة والكون قائمان على مبادئ العدل والتوازن، وهذا هو السر خلف البقاء والابتعاد عن الفناء.
إذن ليكن الهدف الأصيل للقرار هو الوصول للعدل وليس الوصول للنصر أو الكسر، وعلينا أن نطوع أحاسيس الفرح والحزن التي تنتاب العاطفة وقت الوصول للنصر أو الهزيمة إلى أحاسيس الفرح والحزن وقت الوصول للعدل أو الظلم، أعتقد أن هذا هو الطريق السليم لرقي الفرد والبشر.
اقرأ أيضًا فلسفة العقل.. تعرف على دراسة طبيعة الوعي في مختلف العصور
التحرر من المناخ العاطفي
لتحرير العقل من تأثير المناخ الاجتماعي والثقافي الذي تفرضه العاطفة، على العقل أن يتيقن أن المناخ الاجتماعي والثقافي مؤثرات ظرفية متغيرة ولا نستطيع الإقرار بصحتها المطلقة، لا سيما أنها كثيرًا ما تعبر الزمان والمكان في غيبة من الوعي والإدراك.
فالصراعات الوجودية والتخلف الفكري والتعليمي كثيرًا ما تترك هذه الكيانات بلا تغيير أو فحص أو تطوير، إذن يجب أن ينتزع العقل نفسه من كل هذه المؤثرات وقت العمل الفكري، ولا بأس بعد ذلك من أن يترك عواطفه للانسجام المجتمعي أو الثقافي حسب ما يراه ويقدره.
ارتباط العاطفة بالإحساس بالحب والانتماء ليس معيبًا، ولكنه ارتباط غريزي ولا يستطع العقل نفي هذا الدور العاطفي أو دحضه، بل فقط تطويعه ودعمه، فالحاجة للحب والانتماء هي حاجة إنسانية ملحة لا غنى عنها.
أما دور العقل فهو توجيه عاطفة الحب والانتماء ليس فقط لمجموعة من البشر، ولكن لكل البشر بصرف النظر عن الجنس أو العقيدة أو اللون.
فالانتماء للجزء يجب ألا ينسينا الانتماء الكل، وكل هؤلاء البشر هم من خلق الله وإبداعه الدائم والمستمر، فكيف ننكر نحن عليهم حق الوجود أو الحياة.
دائمًا ما ترتبط العاطفة مع النفس بعلاقة حب، وقد تتفاعل مع الآخر بعلاقة خوف أو بغض، ولأن حياة الإنسان هي محصلة لحظات يتواجه فيها الفرد مع الآخر فعلى الإنسان أن يفهم هذا السياق ويتخذ القرارات المناسبة.
لذا عندما يحكم الإنسان على الأحداث عليه أن يتخيل الحدث بحيث لا يكون هو ذاته جزءًا من الحدث، وبالتالي يسد الإنسان الباب على تسرب العاطفة.
والطريقة الثانية هي أن يضع الإنسان نفسه مكان الآخر ويتخيل نفسه ماذا هي فاعلة، وبذا قد يستطيع الإنسان تحييد المدخل العاطفي ويترك الفرصة لأن يفكر في اتزان.
اقرأ أيضًا الإدارة الذكية لمزايا العقل ومحاسن العاطفة
تدريب العقل على التفكير المنطقي
خلاصة القول إن العقل يجب أن يعمل بكامل الحرية وبلا قيود أو مؤثرات أو حواجز أو موانع، ويجب أن يصدر قراره بعيدًا منزهًا عن العاطفة.
وقد ترفض العاطفة قرار العقل وهذا حقها ولكن عليها أن تحترمه فهذا واجبها، ولا يستطيع العقل أن يعمل بكفاءة إلا في توافر المعلومات وصحتها وأيضًا في ضوء تدريب العقل على التفكير المنطقي وتدريب العقل على التفكير الموضوعي، الذي يتلخص في التركيز على الموضوع المحكم وليس على الذات المحكمة أو الذوات المتحكمة.
إذن لا توجد فائدة كبيرة من تحرير العقل إذا كان هذا العقل غير قادر على التفكير العلمي المنطقي الموضوعي.
إذن يجب أن يكون الهدف من تدريس الفلسفة والمنطق تدريب النشء على هذا النمط من التفكير وليس حفظ النظريات الفلسفية أو تاريخ الفلسفة والفلاسفة.
تعلم الممارسة والتفكير المنطقي، لقد وضع اليونانيون القدماء قواعد المنطق كي تُراعى عند اتخاذ القرارات أو الاستنتاجات العقلانية.
وقد استخدم الغرب هذه القواعد ومارسها في عصر النهضة الحديثة، فساعد في نشأة واستمرارية عصر النهضة الذي أفاد العالم جميعًا، وبصرف النظر عن مدى دقة أو صواب هذه القواعد فإن ممارستها عند التفكير واتخاذ القرار يضفي على العملية الفكرية سمات الجدية فتزدهر وتتواصل، وهي مبادئ بديهية.
ولكن الوعي بها ونقلها لمنطقة العمليات هو ما يثري العملية الفكرية، وتتلخص هذه المبادئ في "قانون الهوية"، و"قانون عدم التناقض"، و"قانون الفكر الكافي"، ولا شك أن علم المنطق قد تتطور عبر الزمن ليضمن سلامة العملية الفكرية وبذلك سلامة الاستنتاجات والقرارات الناجمة عنها.
اقرأ أيضًا دور العقل والعاطفة في تحقيق التوازن في حياة الإنسان
مبادئ العملية الفكرية
وإذا كانت العملية الفكرية تبدأ بالملاحظة، ثم التحليل ثم القياس ثم المقارنة وإيجاد علاقات أو لا علاقات بين المكونات انتهاءً بالاستنتاج أو القرار، فإننا يجب أن نتشبث بالمنطق أو المعقولية طوال هذه الخطوات، وهذه المبادئ المنطقية هي بديهيات مبنية على ما رأيناه وتعلمناه في هذه الحياة.
استئناس قواعد المنطق البديهية منذ الصغر في النشأة والتعليم، يراعي المنطق التناسق والتناغم بين المكونات أو الأحداث، ويوجد تناسق زمني.
بمعنى أن الأحداث تأتي في تتابع زمني واقعي، فعندما نصف حدثًا لا يمكن أن نضع حدثًا في المستقبل قبل حدث في الماضي، أما التناسق المكاني فيعني التداخل الممكن بين عناصر الصورة أو مكونات المكان.
ويتعلم الأطفال هذا التناسق من خلال ألعاب البانوراما وألعاب المكعبات، ويوجد التناسق السببي وهو وجود حدث أو عنصر يؤدي لحدث أو عنصر آخر، فلا يعني التتابع الزمني كثيرًا علاقة سببية، وكلما قويت أدوات ووسائل العقل ضعفت وتوارت شوكة العاطفة.
إذن تدريب العقل على أدوات الفحص والتحقق من الحقيقة وحسن صياغة الاستنتاج تؤهله لأداء وظيفته بكفاءة، ومن ثم لا يصبح فريسة سهلة للعاطفة التي تصل قناعاتها بأقل مجهود وأقصى مردود، فإذا كنا نسعى حقًّا للحقيقة فسنفضل العمل الشاق ولن نستسلم لخداع أي ترياق.
رائع ❤️❤️❤️
المقاله تحفهههه جدا يا دكتور ♥️
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.