يهدف هذا المقال إلى جود وسائل سلوكية سيكولوجية ومهارات عقلية تحرر العقل من قبضة العاطفة، فهل نحتاج إلى إزاحة العاطفة تمامًا من حياتنا؟
كلا! لكن الأمر أننا نحتاج إلى عمل العقل بطريقة صائبة بعيدة عن شراك وتأثير وسيطرة العاطفة، فلا تكتمل الحياة الحقيقية إلا بوجود العاطفة والعقل جنبًا إلى جنب.
ورغم اختلاف أساليب عملهما وأهداف رسالتهما فإن معنى الحياة المثالية لا يكتمل إلا بهما معًا، لكن طغيان أحدهما على الآخر يفسده تمامًا.
قد يهمك أيضًا من قبطان سفينة الحياة.. العقل أم العاطفة؟
كيف يتأثر العقل بالعاطفة؟
يتركز عمل العقل في التحليل والقياس والتركيب، وبناء عليه يتخذ استنتاجات وقرارات موزونة بمعايير عقلية بعيدة عن التأثر بأي أهواء أو أحاسيس أو ميول عاطفية، أي يتخذ القرار في حيدة وتجرد ونزاهة ودون التأثر بالقرب أو البعد، أو بتغير حرارة المشاعر أو بعصف ودفع الأهواء.
على عكس عمل العاطفة الذي يخضع لكل ما سبق ولا لوم عليه ولا عتاب ما دام لم يقتحم الباب.
أما إذا اقتحمت العاطفة باب العقل بكل خصائصها وهواها وانحيازها وعدم دقتها، فلا شك أنها ستحرف العقل عن وظيفته الأساسية وتدفعه لإصدار استنتاجات مخيبة وأحكام معيبة.
وفي النهاية فإن القرار العقلاني هو القرار السليم ﻻ سيما في المجالات العامة فهو إلى الحقيقة أسرع وإلى الواقع أصوب وإلى العدل أقرب، حتى إن كان طريقه هو الأطول والأصعب، لكن تحرير العقل من تأثير العاطفة ليس بالأمر الهين والوصول إليه يفتقد الدليل البين.
خلاصة القول إن تحرير العقل يعني تهيئة المناخ المناسب لعمله، ليتمكن من أن يرى الأشياء ويقيسها طبقًا لقواعد المنطق والحساب وليس طبقًا للغة الأحاسيس والعشرة والأنساب.
قد يهمك أيضًا الإدارة الذكية لمزايا العقل ومحاسن العاطفة
أين تكمن صعوبة تحرير العقل من العاطفة؟
تكمن صعوبة تحرير العقل من العاطفة في أن العاطفة تلتصق التصاقًا وثيقًا ومستديمًا بوجود الإنسان، وبذلك تقف خلف كل فعل أو رد فعل يأتيه البشر مهما كان، وهذا الالتصاق والكمون للعاطفة بكيان الإنسان يجعل منها حامية الوجود ومؤشر الوجود والصمود.
ثم إن العاطفة هي مجموعة الأحاسيس التي تصل للاوعي الإنسان بأسرع مما كان، في حين يستهلك العقل في الوصول للوعي كثيرًا من الزمان.
كما أن دور العاطفة لا يتوقف فقط على حماية وتأكيد الوجود الفردي للإنسان، بل إنها تتخطى ذلك إلى ربط هذا الإنسان بمجموعة البشر التي ينتمي إليها، وهذا الارتباط هو أيضًا نوع من تأكيد الوجود الفردي، فهو له الأمان والوجود في السياق المجتمعي، إذن كيف يتخلص الإنسان من تأثير العاطفة وهي حامية وجوده الفردي والجماعي؟!
قد يهمك أيضًا كيف تسيطرين على زوجك؟.. نصائح لحياة زوجية سعيدة
صعوبة تحرير العقل من العاطفة
هذا هو التحدي الأكبر عندما نحاول أن نتخلص من سطوة وقبضة العاطفة، فعندما يتوصل العقل لقرار قد يصطدم بالوجود الفردي أو الجماعي.
لذا يلزم الإنسانَ قدر هائل من الشجاعة والصلادة كي يوجد قراره العقلاني على حساب وجوده الكياني، هذه هي المعضلة الكبرى التي يعجز أمامها كثيرون، فيخضعون بوعي أو بغير وعي لما تمليه العاطفة من توجهات وأوامر قد تخالف قواعد المنطق والحقيقة.
وتوجد مجتمعات كثيرة تصنف الخروج على رأي الجماعة بأنه جريمة كبرى، وهذا قد يقف حجر عثرة أمام الفكر المتحرر من العاطفة.
السبب الثاني للصعوبة هو أن العقل يوجد فقط في لحظات الوعي واليقظة في حين توجد العاطفة كثيرًا في لحظات اللاوعي والغفلة، فهي تتواتر في كل لحظات الحياة ما بين الوعي واللاوعي وترافقنا في منامنا وتزورنا في أحلامنا.
ومن هنا يتركز تأثيرها الكبير في توجهاتنا وأفعالنا، وإذا أحصينا لحظات الوعي ولحظات اللاوعي في حياة الإنسان لأدركنا على الفور قوة وسطوة العاطفة.
والسبب الثالث لقوة العاطفة أنها كثيرًا ما تتخفى وتتوارى عن الأنظار، وترتدي كثيرًا ثياب النزاهة والحياد والأخلاق والفضيلة في وضح النهار فتعمى عنها الأبصار، فهي تعمل بكل همة ونشاط في كل آن ولا تكف عن الهمس في الآذان.
فمن ذا الذي يعرف كم الصدق وكم الكذب لمن أقسم أو ادعى قول الحقيقة، في حين العاطفة هي الصديقة، إنها تعمل بكل همة ونشاط متوارية عن الأنظار في حين هي دفينة لصيقة.
السبب الرابع وراء صعوبة الخلاص هو ضعف ذاكرة العقل الذي ينسى فيصفح، وقوة ذاكرة العاطفة التي تختزن حتى تطفح، وما تختزنه ذاكرة العاطفة من أحداث مثيرة أو مشاعر مريرة يمكن أن يكون له دون أن ندري تأثيرات كبيرة في اتخاذ قرارات العقل الخطيرة.
ورغم أننا نقول مجازًا ذاكرة العقل وذاكرة العاطفة فإنه توجد ذاكرة واحدة تستقبل معطيات العقل ومعطيات العاطفة، إذ تبقى معطيات العاطفة في الذاكرة زمنًا طويلًا ربما يمتد طول العمر، في حين تتلاشى معطيات العقل سريعًا لأن الأولى ترتبط بالأحاسيس الأكثر نفاذًا من الأفكار والأرقام التي ترتبط بها الثانية.
قد يهمك أيضًا دور العقل والعاطفة في تحقيق التوازن في حياة الإنسان
ضرورة تحرير العقل من العاطفة
كثير من أعمال الحياة تستدعي عمل العقل لا عمل العاطفة، وأهم ميدانين يجب فيهما عزل العقل عن العاطفة تمامًا بطريقة لا تقبل التهاون هما ميدانا العلم والقضاء، فأي انحياز أو تأثر في هذين المجالين يفسدهما ويمنعهما من تحقيق رسالتيهما.
وتوجد ميادين أخرى تحتاج أيضًا إلى عمل العقل ولكن يصعب إزالة المدخل العاطفي منها، نظرًا لأنها تتم في سياق اجتماعي مرتبط كثيرًا بوجود العاطفة مثل جميع الأعمال الإدارية والتجارية والخدمات، ولا بأس من وجود العاطفة بنسبة قليلة في هذا الأعمال، لكن دخول العاطفة بأي نسبة في العلم والقضاء يمكن أن يفسدهما تمامًا.
فأي مساحة من العاطفة في العلم قد تؤدي إلى تغيير النتائج العلمية طبقًا للهوى أو الرؤية أو المصلحة، ما يفسد رسالة العلم ويغوي ويحرف عن الحقيقة التي هي القائد الوحيد نحو أي تقدم إنساني حقيقي.
كما أن العاطفة لن تجدي نفعًا في أعمال القضاء، بل تبذر الفتنة والحقد والكراهية، ما يولد الغضب والثورات اعتراضًا على الظلم والانتهاكات، وهذا الدور السلبي للعاطفة على أعمال العقل يرجع لكونها ذاتية وليست موضوعية الطابع، أي أنها ترتبط بالذات ومصلحتها وليس بالقضية ومدى رجاحتها.
ثم إن العاطفة هوائية متغايرة تخضع للهوى والغرض كما تخضع لتغيرات الزمان والمكان، لذا عمدت آليات القضاء النزيه إلى استبعاد كل منافذ العاطفة المرئية من ميدان إصدار الأحكام، وعلى سبيل المثال استبعاد الأقارب من القضايا المنظورة.
ثم إن العاطفة أيضًا تعتمد على الحالة المزاجية لصاحب القرار والجواب، وهذا يجعله مصدرًا مقلقًا للبعد عن دائرة الصواب، يضاف لذك كله عدم وضوح ودقة العاطفة وأدواتها، فعندما نتخذ قرارًا عاطفيًّا نقول إننا نحس بكذا أو موقنين من كذا، ولكننا في الواقع غير متأكدين بما اعتمد عليه هذا الإحساس من معايير ثابتة.
ويتغاير التقدير العاطفي للقضية نفسها اختلافًا كبيرًا بين الأفراد والجماعات طبقًا لتغير خبراتهم الإحساسية وانحيازهم للنفس والجماعة، وكم عانت البشرية من حروب طويلة بسبب سيطرة العاطفة على أصحاب القرار، وعلى كل جانب من ميدان القتال يعتقد كل فريق اعتقادًا راسخًا أنه على كامل الصواب.
عرص واف و محتوى مفيد شكرا لك
خالص تحياتي..أحس بقيمة مقالاتي عندما تقرأها العقول الجميلة..شكرا لكم أصدقاء الكلمة وأحباء الفكرة..وأشكركم علي نشر الفعال الفعال فيما حولكم فنحن نحتاج أن تصدح كل الطيور في عالمنا المشترك
مساء السعادة والتوكل على الله
دائماً مقالاتك تبهرنا دكتورنا العزيز
تحياتي لكم وبالتوفيق ان شاء الله
أشكرك عميق الشكر دكتور ممدوح أبو مسلم..فدائما ما تعطيني تعليقاتك الكريمة مزيدا من الطاقة والرغبة في الإبحار في هذا العالم الذي نعيشة...شكرا علي مشاركة الأفكار
مقال رائع وأسلوب رائع لا يصدر الا عن كاتب لديه خبرة حياتية كبيرة نتمنى المزيد لكي نستفيد من خبرات حضرتك
شكرا أستاذة نهي محمد فوزي علي القراءة المستنيرة والرؤية الجميلة..أقوم في الوقت الحالي بالتفكير في إستكمال نفس الموضوع من زاوية أخري وهي زاوية العاطفة ومدي تاثرها بالعقل ونوعية تأثير العقل علي العاطفة.. خالص تحياتي
بالتوفيق ان شاء الله
بالتوفيق دائما بروفيسور
كل مره بقرأ مقال لحضرتك بتعلم فيها حاجه جديده واسلوب حضرتك مميز وبسيط بحب اقرأ المقالات كلها عشان استفيد من حضرتك شكرا يا دكتور علي المقال الجميل ده
مقال جميل جدًا أسلوبه بسيط لكنه عميق خلاني أفكر في الفكرة من زاوية مختلفة
احببت بشده بساطه الشرح و لقد تعلمت اشياء كثيره حقا ... بالتوفيق دائما دكتور
احببت بشده بساطه الشرح و لقد تعلمت اشياء كثيره حقا ... بالتوفيق دائما دكتور
مقال رائع كالعادة يا دكتور .. بالتوفيق دائما ومنتظرين كل جديد ♥️♥️
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.