تحت أحد كباري القاهرة السوداء

أنا أسير تحت الكوبري، وفوق الكوبري تسير عربة متهالكة، تشبه شوارع "بولاق الدكرور" السوداء، بداخل العربة، تجلس إحدى الصديقات، متجهة إلى العمل في إحدى الصحف. وكنت أنا متجهة إلى اللانهاية؛ كان هناك شيئا بعيدا أريد قطفه، إنه المجهول، الذي يدفعني إلى المشي ثم المشي ثم المشي. المشي حتى الوصول إلى آخر العالم، المشي حتى الفناء في الأرض. كنت أسير تحت أحد كباري القاهرة السوداء، التي شيدها أحد المجرمين لا شك؛ كل الكباري من صنع المجرمين؛ إنها تسحق آلاف البشر كي تصل بالآخرين إلى أحلامهم البعيدة. أسير تحت الكوبري، وفوقي تماما تجلس إحدى الصديقات في عربة متهالكة متجهة إلى العمل، وأنا سائرة إلى المجهول.  

هذه الصورة انطبعت على جلدي، بجوارها صور أخرى عديدة، لتنمحي صورتي القديمة، وأصبح مجهولة عن جدارة واستحقاق. أنا مجهولة في القاهرة، اقتلعت من جذوري، ووضعت على الأسفلت، بين بنايات مرعبة، الفنادق الفخمة، الهيئات الحكومية، دار القضاء العالي، أقسام الشرطة، البنوك، مستشفيات الجامعة، كل هذه الأبنية المعتمة التي تشعرني بالضآلة، والبؤس؛ لقد سُحقت آلاف المرات أثناء مروري أمام هذه الكتل الإسمنتية، التي بوسعها قتل أي كائن حي، وحده الحلم كان منقذي ومخلصي، ولأن أحلامي غير محدودة، وليست مفهومة أو واضحة، فلم تنفذ أبدًا وكأنها أبدية، كنت دائمًا في حالة حلم؛ وتلك الحالة كانت جديرة بمحو أي عذابات. أغنية أحبها كانت كفيلة بإطلاق روحي إلى آخر بقاع الأرض، ثم أحتاج إلى المزيد من الوقت لكي أعثر على نفسي، لأضيعها من جديد. لست ضد نفسي، بل أسعى إلى التحررمنها، وياللرعب من هذا التحرر. ياللثمن الذي دفعته وما زلت. إنني أقدر نعمة الخيال التي تمنحني القدرة على إنكار الكثير من العذابات، والتجارب القاسية التي عشتها في هذه المدينة؛ بإمكاني إنكار أي شيء يؤلمني، حتى نفسي. يا لها من حرية، أن تنكر حتى وجودك ذاته، تصبح مثل ثوب أبيض شفاف، تحركه الريح كيفما تشاء، تنقله من عالم إلى آخر، ومن يد إلى أخرى، وأنت لا تشعر بشيء. أنت لا شيء.

في إحدى المحاضرات كلفتنا دكتورة شهيرة، دائمًا ما تقسم بالشرف الصحفي، ورائحة الصحف القديمة، ومثل هذه الأشياء العبثية، كلفتنا بإعداد بحث حول تاريخ الصحافة في مصر، وكان ذلك يستلزم الذهاب إلى دار الكتب والوثائق القومية، ذهبنا أنا وصديقاتي "طالبات المدينة الجامعية" في صباح شتوي زاهي، كان المطر قد غسل المدينة، وكانت الأرض طازجة؛ شعرت بأننا نبتنا للتو، كزهور برية، وكان ثمة رجل عجوز يشوي الذرة، يتأملنا بفرحة ونحن سائرات على الكورنيش. كل شيء كان يثير ضحكنا، وبهجتنا، فلم نكن نؤمن بشيء بعد. كان الوجود بالنسبة لنا في بدايته، وكنا ذلك الثوب الأبيض الشفاف، الطائر على كورنيش النيل، وكان تاريخ الصحافة، قابعًا في أرشيف دار الكتب، تأكله العتمة ويمحيه الغبار. تلك هي صورتي المفضلة، أمحو كل الصور الأخرى، وأحتفظ بهذه الصورة؛ أربع فتيات سائرات على الكورنيش، حيث مياه النيل التي تمحو الأسماء وتذيب الجذور، والهواء الذي يقذفنا بعيدا عن ذلك التاريخ الأسود القابع في دار الكتب، بل عن كل التاريخ؛ عن تاريخنا الشخصي، حيث القرى المظلمة التي جئنا منها، عن تاريخ المدينة المتكوم، في نهاية كل طريق نقطعه، وعن تاريخ العالم الذي يشبه الحديد الصدأ. لو لم تأت الساعة الثامنة مساءً في ذلك اليوم البعيد، لكنا ما زلنا هناك سائرات إلى الأبد على كورنيش النيل.

شاعرة وكاتبة صحفية مصرية

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

ونعم الكتابة ونعم الابداع

أضف ردا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

شاعرة وكاتبة صحفية مصرية