إن البوابة المهمة التي تجمع بين : "النظر، والبحث، والتطبيق، والممارسة" معاً هي الجامعة، إذ نلمس أن النظرية النسوية في البداية قد تسربت، لكن ببطء إلى دوائر التعليم والثقافة في الجامعات والإعلام التي قامت بعرض وإبراز أفكارها، وغاياتها ثم انتقلت من هناك الى المجتمع ككل، وكانت البداية منذ القرن التاسع عشر الميلادي، بوصفها جزءاً من قانون الحقوق المدنية، ولكنها توسعت اليوم إلى حد "تبدو غير ليبرالية بوضوح، وتتعارض مع الأهداف الرئيسية للجامعة في آن" [1] ومن الأمثلة على الدراسات التي ظهرت في الجامعات، واستثمرت الفضاء التعليمي إعلامياً من أجل عرض النظرية النسوية، ولعل من أوائل تلك الدراسات ما قدمته عالمة الأنثروبيولوجيا مارجريت ميد في كتابها "سن البلوغ في ساموا" عام 1928م، إذ رصدت الاختلافات بين طرق التنشئة في المجتمع الأمريكي وبين نظائرها في ساموا، وأشارت إلى أفعال قد يقوم بها الرجال على الرغم من أنها تعد "أفعالاً أنثوية" بالنسبة لمجتمعات أخرى [2] كما أن البحث الذي كتبته المحللة النفسية جوان ريفيير عام 1939م بعنوان: "خصال المرأة كنوع من التنكر" قد حاز على قصب السبق في القول بأن النوع يُبنَى وفقاً للقواعد الاجتماعية، إذ تصبح الذات مذكَّرًا أو مؤنثًا من خلال عملية المحاكاة [3]، لكن تلك النظرية تبدو أنها تحمل من السمات ما يجعلها عرضة لعدم الاهتمام، بل للنسيان من أطراف كثر في المجتمع منها تعارضها مع كثير من الجوانب اللاهوتية فضلاً عن أنها تقدم تفسيرات اجتماعية قد لا تكون مستساغة بل توصف بالمغامرة، وتجعلها غير مقبولة، وليست مستساغة، ومن تلك السمات التي علقت بالنظرية النسوية: أنها مقصورة على فئة معينة، ثم أنها تصف عالماً بديلاً يشبه عالمنا، ولكنه مشوه بصورة خيالية بطريقة تجعل من الصعب تصديقه، ثم أنها تنطوي على صراعات مانوية ثنائية الأبعاد بصورة مأساوية بين الخير "النسوية، والتحررية، والمزعومة" والشر "البطريركية، وتحقيق النساء ذواتهم، والقمع، والعلم، والمواد الإباحية، والصور الإعلامية فيما يخص أي شيء، والرموز التعبيرية، وما إلى ذلك"، ثم أنها تشبه نظريات المؤامرة "لأنها تستغل العديد من الأمور مثل: البطريركية، والذكورية المهيمنة، وثقافة الاغتصاب، والأنثوية المهيمنة"، فضلاً عن ذلك نجد أن من سمات حروبها الداخلية وما تشهده من انقسامات إلى قطاعات منها "نسوية مادية/ماركسية، ونسوية راديكالية، ونسوية متعددة الجهات، ونسوية نقد الجنوسة، والنسوية الليبرالية" وعلى الرغم من كل هذا إلا أنها ترفض الاستماع إلى أي شخص آخر إطلاقاً [4]، ويبقى مصطلح الجندر هو المفتاح لوصف تلك الدراسات النسوية، وعلى الرغم من أن المصطلح ما زال غير محدد التعريف، إلا أنه يمكن تأصيل المفهوم:
1. الجندر التأصيل المفهوم:
أن نفكر هو أن نحسن التفكير بأنفسنا، إن التفكير دربه والخطأ هو السبيل للتمكن من ناصية المعرفة القويمة فلم لا نخطئ، ويخطئ الرجل حتى يرشد فكره ويعي أن الأنا ليست إلا مرحلة من المحن التي يلتقي فيها كل من المرأة والرجل على قيم تربوية تكون حاضنة لأسرة مدنية [5]، فالبحث عن الجندر كان وما يزال جهداً من أجل إعادة النظر في الواقع الذي تعيشه المرأة، فهو ممارسة في التفكير مثلما هو جهد تقوم به منظمات نسوية من أجل التعبير عن حاجات وغايات قوامها كما يقولون تصحيح الواقع الثقافي الذي أقامه الرجل عن المرأة وبالتالي: هي محاولة نقد وتقويم التمثيل الذكوري عن المرأة ومن هذا المنطلق جاءت جهود الحركة النسوية، ويمكننا تعريفها على أنها مجموعة من الأفكار: "الفلسفية، والسياسية، والاجتماعية"، التي تهدف إلى تحرير المرأة ومساواة حقوقها، وبخاصة: "السياسية، والتشريعية، والاقتصادية والثقافية، والاجتماعية" بحقوق الرجل، وذلك بهدف إنهاء جميع أشكال التمييز بين الرجل والمرأة وأيضاً من أجل تعزيز حقوق المرأة في المجتمع، وفي حياتها الخاصة، إذ توصف تلك الحركة من خلال مفهوم "الجندر" Gender فقد جاء تعريفه في الموسوعة البريطانية بوصفه "شعور الإنسان بأنه ذكر أو أنثى" لكن هذا الشعور عبر عنه الداعون له إذ "يعدون أن الفوارق التشريحية والفوارق بين وظائف الأعضاء والهرمونات بين الرجل والمرأة لم تعد ذات قيمة، وأنه يمكن تخطيها وعدها غير مؤثرة!! فهؤلاء لا يدعون إلى مجرد المساواة بين الرجل والمرأة، بل يدعون إلى إلغاء الفروق بينهما وعدم اعتبارها" [6] فالجندر Gender هنا يتحول إلى مطالبة بالمساواة بين الطرفين بغض النظر عما بينهما من فوارق، إنها مطالبة تقوم بها الحركات النسوية منذ زمن مبكر ارتبطت بالحداثة الغربية التي انطلقت منذ أكثر من مائة عام على انطلاق تلك المطالب الاحتجاجية، ثم جاء المفهوم من أجل توصيف تلك المطالب النسوية في ثمانينيات القرن العشرين الميلادي، والتي تشق طريقها كإحدى أبرز المصطلحات المستعملة في قاموس الحركات النسوية، وقد ظهر هذا المصطلح في الولايات المتحدة الأمريكية ثم انتقل إلى أوروبا الغربية في 1988م، ثم أخذ المصطلح بالتطور استجابة لمطالب جديدة مع ظهور ما يسمى "ما بعد الحركة النسوية" كإطار لأطروحات ومطالب جديدة، أو قراءات مختلفة، لمطالب المرأة، وبحثاً عن تحديد جديد لمفهومي الأنوثة والذكورة بعد أن حصلت المرأة في كثير من دول العالم على الحق في الانتخاب والعمل، والتمتع بحقوقها كمواطنة.
فالحديث عن المفهوم "الجندر" Gender يعني الحديث عن ممارسة، تتسم بالحركة والنمو، فالمفهوم له دلالة متطورة مع تطور المطالب فمصطلح النوع الاجتماعي، أو الجندر Gender كلمة إنجليزية تنحدر من أصل لاتيني، وتعني في الإطار اللغوي Genus أي: "الجنس من حيثُ الذكورة والأنوثة"، وإذا استعرْنا ما ذكرتْه "آن أوكلي" التي أدخلتِ المصطلح إلى عِلم الاجتماع، سنجد أنَّها توضح أنَّ كلمة Sex، أي: الجنس، تشير إلى التقسيم البيولوجي بين الذكر والأنثى، بينما يشير النوع Gender إلى التقسيمات الموازي، وغير المتكافئة اجتماعياً إلى الذكورة والأنوثة، "[7]"، فالأمر مرتبط إلى حد كبير بتنميط ثقافي ناتج عن وظيفة اجتماعية يكتسبها الجنس البشري ويتعلمها ويتوقعها المجتمع منه، وبالتالي تتحول إلى اعتقاد سائد بتفوق الذكورة على الأنوثة، ويستعمل الواقع الجسدي كظاهرة طبيعية من أجل تبرير ظاهرة ثقافية اجتماعية تقوم على الاستغلال الجنسي ومشروعيته، كل هذا التنميط الثقافي يحدد أدوار كل من الذكر والأنثى، وكل ذلك هو من صنع المجتمع، وثقافته، وأفكاره السائدة، أي أنّ ذلك كله مصطنع، ويمكن تغييره وإلغاؤه تماماً، إذ يمكن للمرأة أن تقوم بأدوار الرجل، ويمكن للرجل أن يقوم بأدوار المرأة، وبالإمكان أيضاً أن نغيّر فكرة الرجل عن نفسه، وعن المرأة، وأن نغيّر فكرة المرأة عن نفسها وعن الرجل، إذ أنّ هذه الفكرة يصنعها المجتمع في الطفل من صغره، ويمكن تدارك ذلك بوسائل وسياسات [8]، أي أن تلك القراءة تقول إن "مفهوم الجندر" Gender هو: عبارة عن التقسيم الاجتماعي، وليس التقسيم البيولوجي، فيشير النوع إلى التقسيم الاجتماعي بين "الذكر، والأنثى"، وليس الحالة البيولوجية التي خلقا عليها، وبالتالي يقود هذا التقسيم الاجتماعي إلى تحديد لكل من الذكر والانثى، وبالتالي أن مفهوم الجندر هو: الصورة التي ينظر إليها المجتمع للذكر والانثى والأسلوب الذي يتوقعه منهما، والذي يرجع إلى أسلوب تنظيم المجتمع، وليس إلى الاختلافات البيولوجية الجنسية بين الذكر والأنثى، وأن فلسفة النوع الاجتماعي تؤكد على "أن كل شيء – غير الحمل والولادة للمرأة، والتخصيب للذكر – يحدده المجتمع وليس الفطرة" [9] خلاصة الأمر أنّ الفلسفة الجندريّة تسعى إلى تماثل كامل بين الذكر والأنثى، وترفض الاعتراف بوجود الفروقات، وترفض التقسيمات، حتى تلك التي يمكن أن تستند على أصل الخلق، والفطرة، فهذه الفلسفة لا تقبل بالمساواة التي تراعي الفروقات بين الجنسين، بل تدعو إلى التماثل بينهما في كل شيء [10]
وانطلاقاً من هذا التفسير الذي تعرضه الحركات النسوية، تطالب تلك الحركات بالتماثل، والمساواة في النوع الاجتماعي بوصفه حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، والمجتمع وحده هو الذي يضمن أن كافة النساء، والرجال يدركون ويستفيدون من هذا الحق [11]، أي أنهم يريدون تغيير الواقع الاجتماعي وما يرتبط به من مبررات، من أجل تحقيق العدالة، والإنصاف بحق المرأة في الحقوق والواجبات وفرص الحياة من: "تعليم، وخدمات، ووظائف" تصل بها إلى مراكز اتخاذ القرار، وإلغاء التنميط وما يرتبط به سوف يقود إلى التماثيل وذلك يعني "إلغاء كل الفروق الطبيعية أو المختصة بالأدوار الحياتية بين الرجال والنساء، والادعاء بأن أي اختلاف في الخصائص والأدوار، إنما هو من صنع المجتمع" [12]، هذه المطالب بالمساواة يتفق عليها جمع متنوع من الحركات النسوية، والمجتمعات السياسية إلا أنهم يختلفون بالكيفية من أجل تحقيقها يبقى الأمر "محل جدل واسع ونزاع دائم، وبتحليل الخطابات التي تتناول المساواة والتماثل تبين أن الفرق بين الاثنين غير واضح" [13]
2. الجندر وحركة تحرير المرأة:
البحث في الظاهرة الجندرية مرتبط بتلك المطالب والاحتجاجات التي جاءت بها الحركة النسوية، المطالبة بالمساوات المدنية في ظل تحولات المجتمع الغربي، وما أصابه من تحول فكري عميق يمكن تأصيله بالفكر التنويري.
وقد كانت البداية عام 1830م، واستمر الاحتجاج إلى 1920م، وقد تكثفت تلك المطالب التي رفعتها الحركة الاحتجاجية في الحصول على الحقوق المدنية للنساء في مجتمعاتهم، إذ كانت البداية قد كانت في منتـصـف القـرن التاسع عشر الميلادي، كانت الحركة النسوية على أشدها، إذ عقد أول مؤتمر في أمريكا وهو مؤتمر سينيكا فولز للمرأة، المحاذية لنهر سنيكا في ولاية نيويورك الأمريكية، بمبادرة من الأخوات: سارة غريمكسي مؤلفة كتاب "رسائل عـن المـساواة النوعية"، ومرغريت فولر مؤلفة كتاب "المرأة في القرن التاسع عشر"، ولوكريسيا موت، وإليزابيت كادي سنانتون، وحضره أربعون رجلاً ومائتان وخمسون امرأة، ارتبط بحركة تحرير العبيد، والمساواة بين البشر في الحقوق والواجبات [14] وكانت تلك البداية إذ تم استثمار التحولات التاريخية مثل تحرير العبيد، وحركات الاستقلال في العالم الثالث مما جعل تحقيق التغير ممكن بل متاح، وخصوصاً أن الشعارات كانت ذات طابع حقوقي، ويصف غارودي تلك الظروف بالقول: "وفي الواقع فإن كل انتصار للنساء، وتحقيق مكاسب جديدة كان وليـد وضع تاريخي يجعل التغيير محتوماً، ولما كان النساء قد أدين دوراً حاسماً في الإنتاج وفي جميع أجهزة المجتمع، بسبب غياب الرجال في أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية، فإن النساء قد نلن حق التصويت سنة 1918م...إلخ" [15]، لكن تلك النتائج منحت الحركة النسوية مدة زمنية من الهدوء حتى انفجرت في الستينات موجـتها الثانـية، بفعل العوامل المتوارثة آنذاك، وهذه الموجة على ما يبدو، نمط أيدولوجي لظـروف "اقتصادية، واجتماعية" معينة، تجسدت في زوال الاستعمار، ونجـاح حركات مناهضة للتمييز العنصري، واشتداد عود الليبرالية الأمريكية، التي تدعـو إلى المساواة في الحقوق المدنية وإتاحة الفرص للجميع، والثورة ضد سائر ما يقـبر المرأة في أنوثتها، وكما هو معروف أن هربرت ماركوز قد عد فيلسوف هـذه الـثورة وقد هاجر إلى أمريكا، وهو سليل مدرسة فرانكفورت، التي استعملت المنهاج الماركـسي في نقد حاد للحضارة الغربية، ومجتمعاتها الرأسمالية وإبراز عيوبها، وتعد من تمثيلات ما بعد الحداثة [16]، وقد ارتبطت تلك الحركة بحالة تحول عميقة في الوعي الغربي خاصة والعالمي عامة، إذ كانت حركات التحرر منتشرة وثورة الطلبة في باريس إلى جانب تحول عميق في الفكر المعاصر، احتلت فيها الحركات النسوية مكانة مهمة في المجتمعات السياسية والأكاديمية العلمية [17]، وهذا منح تلك الحركات النسوية مكانة في المجتمع وقريبة من مصادر القرار الغربي بل والأمم المتحدة، وهذا يعود لما اكتسبته الحركات النسوية من مكانة في المجتمع السياسي والاكاديمي، إذ ظهرت الكثير من الاطروحات النقدية النسوية التي تناقش وتنتقد القيم والممارسات والتشريعات وتحاول تفكيك التمثيل والتنميط الاجتماعي، لأن النقد بحاجة إلى تفكيك الأفكار السائدة فإن "حدود التفكير متضمنة فيه – أي في التفكير – بامتلاكه ملكة التصور وبوفرة الأفكار المصاغة التي معها يتعرف العقل على التجارب فالعقل لا يتعرف إلى التجارب لتثبت حدوده، بل يتعرف إليها لما يمتلكه من حدود فلا شيء يأتيه من الخارج" [18]، مما جعل الحركة النسوية تعرض تصورات جديدة لكنها متنوعة أيديولوجياً جعلها تتجاوز شعارات المساوات الى تجاول الواط السيطرة بحسب توصيف غارودي الذي كان يجد التجاوز ضرورة بالقول: "اليوم يجب علينا أن نذهب إلى أبعد من ذلك، وبوسعنا أن نفعله، ويقتضي ألا نطالب نحن والنساء بحق المساواة فحسب، بل في الحق بالتباين، ولم يعد كافياً المطالبة بأن يحصل النساء على مكانة متساوية مع مكانة الرجال ضمن مجتمع السيطرة نفسه، بل يقـتـضـي من خلال حركة النساء خلق مجتمع يتـجـاوز الوان السيطرة" [19]
مراحل تطور الفكر النسوي وأهدافه [20]
1. مرّ الفكر النسوي بثلاث مراحل ظهرت أولها في الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية في المدة الزمنية بين 1850م إلى 1945م، وطالبت تيارات هذه المرحلة بالمساواة القانونية بين الجنسين ومنح المرأة كامل حقوقها كالرجل، وأهمها الحق في التصويت.
2. في أواخر الستينيات ظهرت الموجة النسوية الثانية، وانتشرت في العالم الغربي وركزت بشكل أولي على مكانة المرأة في العائلة وعلى حياتها الجنسية وعلى حالات تعرضها للعنف الأسري والاغتصاب.
3. ثم قادت مجموعة من ناشطات الحركة النسوية اللاتي ينتمين إلى أقليات اثنية وثقافية المرحلة الثالثة من مراحل الحركة النسوية وذلك مع بداية الثمانينات، وتمثلت هذه المرحلة بمطالب سياسية وأعمال فنية وأدبية ظهرت بدايةً في الولايات المتحدة ومن ثم امتدت إلى باقي الدول الغربية، للتأكيد من جديد على مطالب الموجات النسوية السابقة لكن بشكل أعمق.
أهم التيارات في الحركة النسوية:
1. التيار الليبرالي، يسمى هذا التيار أيضاً بتيار المساواة بين الجنسين ويعد من أول تيارات الحركة النسوية، ويرى أن تحقيق المساواة بين الجنسين يتطلب إحداث إصلاحات جذرية بالمجتمع باستعمال القانون، وذلك بإعطاء المرأة الحقوق نفسها التي يتمتع بها الرجل إيماناً بالمرأة كفرد مستقل قادر على إحداث التغيير، ومن أبرز نسويات هذا التيار البريطانيتان ماري وولستونكرافت وهيلين تايلور، ويرى النقاد أيضاً أن هذا التيار لا يضمن تحقيق العدالة بين الجنسين بشكل كامل، وذلك لأن القانون وحده غير قادر على إلغاء السلطة الذكورية في السياقات غير الرسمية بل المرور بإصلاحات اجتماعية وثقافية إلى جانب الإصلاحات القانونية لضمان عدالة كاملة بين الجنسين.
2. تيار الاختلاف، ظهر هذا التيار خلال الموجة الثانية من الحركة النسوية، ويؤمن بدوره بوجود اختلافات فطرية بين الرجل والمرأة، ما يفرض وجوب التعامل مع كلٍ منهما على أنهما مختلفان بالأساس، ويطالب تيار الاختلاف بتعزيز مكانة الصفات الأنثوية حتى يكون لها نفس مكانة الصفات الذكورية، وذلك لأن اضطهاد المرأة نابع من التقليل من قيمة كفاءاتها الطبيعية، لكن هذا التيار لا يعطي أهمية إلى المكانة الاجتماعية، بل إلى الاختلافات الموجودة بين الجنسين وتلك الاختلافات هي من تعطي قيمة لجنس دون الآخر، لذلك يرفع هذا التيار مكانة الأمومة في المجتمع على سبيل المثال كوسيلة لمنح السلطة للمرأة، ومن نسويات هذا التيار الفيلسوفة البلغارية الفرنسية جوليا كرستيفا والكاتبة الفرنسية البلجيكية لوسي إيريجاري والناشطة الفرنسية أنطوانيت فوك، من المآخذ على هذا التيار أنه يعزز الاختلافات بين الرجل والمرأة من خلال دعم فكرة وجود هوية أنثوية مختلفة عن الهوية الذكورية، ما يحول دون الوصول للمساواة بين الجنسين.
3. التيار المتطرف، يسمى هذا التيار أيضاً بالتيار الراديكالي ويعود ظهوره إلى فترة السبعينيات أي أنه من تيارات الموجة الثانية للحركة النسوية، ويرى أن الرجل هو العدو الأول للمرأة، حيث يرى أن السبب الأساسي للاضطهاد الذي تتعرض له المرأة هو تركيبة المجتمع القائمة على السلطة الأبوية التي يتمتع بسببها الرجل بالسيطرة الكاملة، ما يلغي كيان المرأة، ومن أبرز نسويات هذا التيار الكاتبتان الأمريكيتان كيت ميليت أندريا دوركين والكاتبة الأسترالية جيرمين جرير.
4. التيار الماركسي والتيار الاشتراكي، ظهر كلا التيارين خلال الموجة الثانية من الحركة النسوية، ويرى التيار الماركسي ضرورة إنهاء النظام الرأسمالي والملكية الفردية من أجل التخلص من اضطهاد المرأة والوصول إلى حريتها، أي أن هذا التيار يرى أن النظام الاقتصادي الرأسمالي هو العدو الأول للمرأة، ومن أبرز الشخصيات النسوية الماركسية الروسية ألكسندرا كولونتاي والأمريكية أنجيلا ديفيس.
5. تيار النسوية الاشتراكية، فهي نظرية متداخلة بين التيار النسوي الاشتراكي والتيار النسوي المتطرف، فترى أن اضطهاد المرأة قائم على كلٍ من النظام الرأسمالي ونظام السلطة الأبوي، وبالتالي للوصول إلى تحرير المرأة يجب أن يكون هناك اتحاد بين العدالة الاجتماعية والاقتصادية بين الجنسين، وقد تبنى هذا التيار عدد كبير من الناشطات النسويات منهن الأمريكية الإيطالية سيلفيا فيديرتشي والبريطانية أنجيلا إيغل.
6. تيار نسوية ما بعد الاستعمار، ظهر هذا التيار خلال الموجة الثالثة من الحركة النسوية كوسيلة للاحتجاج على تركيز الحركة على تجارب النساء الغربيات دوناً عن غيرهن، ما أدى بدوره إلى تمثيل النساء غير المنتميات لهذه الثقافات بشكلٍ خاطئ، وتعود تسمية هذا التيار إلى مفهوم نظرية ما بعد الاستعمار التي تدرس تأثير الاستعمار على ثقافة الشعوب المُستَعمَرة، وبالتالي نستطيع الفهم أن نسوية ما بعد الاستعمار تسعى إلى توضيح الكيفية التي قد تؤثر بها العنصرية والنتائج السياسية والاقتصادية والثقافية طويلة الأمد للاستعمار على النساء، وكذلك على النشاط النسوي، ومن نسويات هذا التيار الأمريكية من أصول هندية تشاندرا تالباد موهانتي التي تحدثت عن تهميش الحركة النسوية لهوية نساء العالم الثالث وذلك عن طريق إظهارهن فقط بدور ضحية مجتمع السلطة الأبوية دون الرجوع إلى الخلفية الثقافية والتاريخية لهذه النساء [21]
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.