تجليات الفكر الأسطوري أدبيا

إذا تحدثنا عن الرابطة التي تجمع بين الأسطورة، والأدب، فإننا لا شك سنجد أنها علاقة بين مستوى من الفكر وأداة تعبير، ولا شـك أن العلاقـة قويـة بـين الاثنين، لأن الأسطورة هـي أدب فالحقيقة أن الصلة بين الأسطورة، والتاريخ، صلة قوية تحتم ضـرورة الاستفادة من المادة الأسطورية كمصدر للمادة التاريخية، فالأسطورة تعبير أدبي عن أنشطة الإنسان القديم الذي لم يكن قد طور بعد أسلوباً للكتابة التاريخية يعينه على تسجيل أحداث يومه، فكانت الأسطورة هي الوعاء الذي وضع فيه خلاصة فكره، والوسيلة التي عبـر بـهـا عـن هـذا الفكـر وعـن الأنشطة الإنسانية المختلفة التي مارسـهـا بمـا فيهـا النشاط السياسي، والـديني، والاقتصـادي، فإن الحديث عن هذه العلاقة يعني الحديث عن ثلاثة مستويات: الأول يتعلق بالأسطورة، والثاني يتعلق بالأدب الأسطوري، والثالث يتعلق بالمضمون الفكري للأسطورة.

الأسطورة: تشكل الأسطورة ظاهرة تتسم بالشمول؛ لأنهـا تحـوي الحقب الحضارية ففي أعمـاق تـاريخ كـل شعب ظهـرت الأسطورة، بـل هناك من يراها حتى في الحضارة المعاصرة التي بدورها تشكل أساطير جديدة (كما قال بارت) الذي يرى أن الأسطورة "ظاهرة لازمت المجتمعات قديمها وحديثها بحيث لا يخلو تـراث أي أمـة مـن الأمم منها".

الأسطورة من ناحية اللغة العربية:

ما سطّره القدماء والأساطير: الأباطيل، والخرافات بوجه عام، وليس مهماً الكشف عن مصادر هذه الخرافات والشكل الذي صبغت بـه، والسطر اللغة هو الصـف مـن الكتاب، والشجر، والنخل، والجمع من كل ذلك أسطر، وأسطار، وأساطير، وأسطورة، كمـا قـالوا أحدوثـة وأحاديـث، قـال تعـالى: " وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ"، أي وما تكتبه الملائكة.

وفي اللغة الإنكليزية يتشكل الحقل التداولي الذي تعتمده في تقديم تعريف للأسطورة أو تخيـل و(Fictitious) خيـالي أو زائـف و(Romance) قصـة حب ومغامرة و(Legend) أسطورة (Myth) أسطورة أو خرافة وتفريقاً عن المصطلح الأخير (Mythical) أسطورة أو خـرافي أو خيـالي.

ولكـن (Mythology) تعني مجموعة أساطير وبخاصـة الأساطير المتصلة بالإلـه وأصـناف الآلهـة في (عصـور الوثنيـة) والأبطال الخرافيين عند شعب ما كما تعني: علم الأساطير.

وإن كلمة (Myth) مشتقة من الكلمة اليونانية (Mythos) الـتـي تعني كلمـة أو كـلام ولم تستعمل هذه الكلمـة بمعنى القصة إلا مؤخراً.

و(Fabe) خرافة ذات مغزى، من الملاحظ أن الحقل الدلالي يظهر أن المشترك كونها قصة أو حكاية أو أسطورة تتسم بكونها خالية زائفة خرافية متصلة بحياة الإله، وهي كلام، وقد جعلت هذه المعاني من الأسطورة لتجعل منها مرتبطة بالماضي، وكأن الأسطورة لا ترتبط إلا به.

وهو تفكير غير دقيق، ذلك لأن الأسطورة تواكب مسيرة الإنسان في ماضيه وفي حاضره، وفي مستقبله، إن هذا الفهم التقليدي للأسطورة -أي ربطهـا بالماضـي- يـرتبط بـلا شـك، بمفهومنـا للمعقـول واللامعقول بموضوع ما، إذ لا يمكن أن ينسجم مع الترتيب القائم للأشياء، وهي نظرة (أرسطية) تقوم على مفهوم (ما هو مؤكد سلفاً) وما هو مثبت وقائم من وجهة نظر الاتفاق العام.

تلعب الأسطورة دور الوسيط بين "الحدث الطبيعي" والنص القدسي، والفلسفي، لهذا يجب إضـفاء الأساطير المتوسطة بين الحدث، والتجريـد الميتافيزيقي، واللاهوتي، ويجب أيضاً كشف الظرف التاريخي للحدث، وعلى هذا يمكن متابعة آليات تشكل المعنى، فالتغير الذي يطرأ على الحدث الطبيعي أو التاريخي يكمن في بعدين البعد الأول إما أن يرتفع (الحدث) ليندمج في الأساطير وبالتالي تقديم تاريخ مؤسطر أو إنزال الأساطير وأسطره (الحدث) كالذي سوف يشكل معنى مضاداً لتلك الأساطير؛ لأن الأساطير في البدء جاءت استجابة لحالة وتفسيراً لظاهرة، مرتبطة بوعي معلن، فإذا ما تم إنزال تلك الأساطير وإسباغها على حدث تاريخي فإن هذا سيولد الضد (كما قلنا) بمعنى أنه سيخلق قطيعة مع ذلك الوعي الذي نشأ فيه أي الوعي الطبيعي، لأن التوظيف سوف يسبغ معنى جديداً وسوف يحرف في المعنى الأول، لهذا أثرنا هنا أن نصف ذلك المعنى الأول.

الأسطورة والتاريخ:

لكن تبقى الأسطورة ذات أهمية كبيرة لكونها تبقى الوصل بين (الحدث) الطبيعي وبين الفعل المقدس والفلسفي، وهنا تظهر أهمية أخرى للأسطورة باعتبارها عتبة مهمة في فهم القدسي، والفلسفي، العقلي، وعلى هذا تظهر ضرورة التالي:

  • حذف الزمان، مما يجعل الحدث الممتد عرضة للتغير عبر مسيرته من الشفاهية إلى التدوين بـ “المحيط التداولي الطبيعي" الذي شكل تعالياً بالحدث مـن بعـده.
  • إنزال الأساطير وإضفائها على حدث آخر، عبر أسـطرته وتقـديم تفسير ووصـف لـه، ذي بعـد أسطوري متعال على التاريخية.
  • إخضاع الحدث إلى الطقس، مما يجعله عرضة للتكرار في سبيل إدراك الحدث الأول، المعنى الأصلي ولا تذكر الحدث أبدأ، وتحسينه يساعد الإنسان البدائي.
  • ربطـه بمكـان رمـزي فيصـل بـالأعلى مـن ناحيـة، وبالعالم السفلي من ناحية أخرى، وهذا المكان يتغير بتغيُّر المتحدثين الذين يريدون إضفاء ذلك التراث على أحداثهم (وإعادة امتلاك تلك الحقائق وإسباغها على تراثهـا مـن خـلال إحـلال إلهيتها محـل الإلهيـة القديمة في فعاليـة تعكـس صـراع التواجـد، وفـرض السلطة، وامتلاك الأرض على تحقيق الحقيقي والاحتفاظ به.

 تنوع الأساطير؛ وقد تنوعت الأساطير بأشكال وهيئات، فنذكر منها التالي:

  • الأسطورة مـن حيث الشكل: وهي قصـة قـد تكون شديدة التركيز وكأنها موعظة أو ممتدة كأنها حكاية أو تاريخ لكنها في كل الأحوال تصدر عن اعتقاد ديني يصـور قصـة تخضع لقواعـد السرد القصصي مـن حبكـة وشخصيات وحركـة في الـزمن وطابعهـا صـوري والرمزيـة فيها واضحة.
  • الأسطورة ذات الصيغة الحضارية في القدم يمكن أن تتعرض للتطور (صيغتان أو صيغة منها) كما يمكن أن تتعدد طرائق روايتها، ولكن هذه المستويات تجري جميعاً بقـوة عصـرها وليس العصور التاليـة، إن مـن شـروط الأسطورة أنها إبـداع مارسته الجماعة، وليس من وضع شخص معين فهي ثمرة ممارسة وتأملات وخيالات مسيطرة على جماعة محددة. 
  • تـدور موضـوعات الأساطير حـول الوجـود الكـوني، والخلـق الإلهـي للبشـر، ولهـذا تكـون الآلهـة، وأنصـاف الآلهة مصـدر القـرار ومحـور العمـل في الأسطورة فإذا أظهرت في سياق الأسطورة (بعض البشر) فإنه سيكون مجرد أداة ويسهم في تحمل شيء محدد.
  • الأسطورة تصـور مقـالاً خارقاً جوهرياً بالنسبة للكون أو الإنسان، وهذا العدد من الجدية هو الذي جعل عصر الأساطير مقدمة ضرورية لعصر الفلسفة فلـم تـكـن الفلسفة –في بدايتها– أكثـر مـن قـراءة رمزية للأساطير تحاول أن تستخلص من مجموعها معنى للعالم، وللخلق، وللوجود البشري، وحماية كيانه الاجتماعي.
  • الأسطورة حكاية مقدسة، انبثقت عن الشعائر الأولى وقد منحها هذا سلطة عظيمة على عقول الناس، ونفوسهم في زمانهـا، ومـن خـلال المنظـور الـديني الـذي تنتمي إليه، وتثبت معتقدات تلك المنظومة، وسطوتها على الاعتقاد والسلوك العام.

بقلم الكاتب


استاذ جامعي في جامعة الكوفة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

استاذ جامعي في جامعة الكوفة