تجربتي مع مرض كورونا

كلما تراجعت الذاكرة إلى يوم الإصابة تجدني كمن يتراءى له الجب في اللحظات القلقة المنفتحة على فلات  من المخاوف التي لا تحدها حدود. يرتسم في مخيلتي أقربائي، وأصدقائي الذين فقدتهم بسبب كورونا.

في الليل تعلو درجات الحرارة ويبدأ  معها جسد وقد غرق بكميات غزيرة من العرق  تبتل معها ثيابي وفراشي. وأشعر أن روحي تسافر بي صوب الغروب كما تشتهي ، وهي تمرغني بأوحال المخاوف  حالة الرعب  تصاحبني كقريني كما تصوره الديانة الفرعونية ، وعندما اغفو تبدأ معي الهلوسة ، والأفكار التي تعيد انتاج نفسها من دون انقطاع.

أصحو مثقلاً بالخوف والسعال الذي يكاد يمزق صدري لا يفتر أبدا أبتلع الأدوية وهي الطريق المتاح للنجاة من هوس مخيف لا يتوقف أحاول الهروب منه صوب التسبيح الذي مثلما هو مناجاة لله، "لزوم صرف العمر كله في ذكر الله وطاعته والعبادة" الناصح / .ص227. أدركت أثر البعد المعنوي في تعزيز روح المقاومة للداء  فهو وسيلة بقطع الطريق على مخاوفي التي تتناسل بلا انفكاك. فالقوة كما يصورها نيتشه "القوة يجب أن لا تعرف في ذاتها وإنما تعرف كفعل" هذا اثرها الذي يعزز روح المقاومة، ويحمل المشاعر الإيجابية في ظل المرض تشيع المشاعر السلبية ألتي  تغرق كل ما حولنا فلا تعد هناك من جهة نقتفي أثرها فتهيم أرواحنا،غارقة في الوحدة المخيفة  كحال من يغرق ولا يجد من ينقذه ؛ على الرغم من  أن عائلتك تحيط بك الا إنك تشعر بالوحدة محملا بسلاسل ثقيلة لا تجد منها انفكاك ، تحاول مخاوفك أن تصرعك ، وأنت تهرب منه تحاول ترميم ما تصدع من جدران المقاومة، وأنت تؤطر ممانعتك للخوف حتى لا يغلبك فينتصر عليك الداء المخيف. وأنت وأناملك تحاول أن تتشبث بحبات مسبحتك طريقة حتى تنجو من شرك مخاوفك التي تروم اصطياد ما فيك من أمل متشبث بالحياة، أمل يقيك من غواية المرض المميت. وما نقلته ووفقاً لصحيفة "مترو"البريطانية، تحدث مارك ستابس (28 )عامًا بقوله : شعرت بعد إصابتي على الفور أنه ليس مثل الإنفلونزا، ليس فقط بسبب درجة الحرارة التي تتجاوز الـ 40 درجة، ولكن أيضًا بسبب شعور الإعياء المستمر". أجده فعلا أدق من خلال تجربتي أيضاً.

كنت في الأيام التي سبقت الإصابة، أتابع الأخبار وأجل أن العالم في صدمه كبيرة لا يشغله التفكر كيف ستكون الحياة بعد كورونا؟ بل كل ما يشغله أن يجد العلاج الذي يوقف هذا الوحش الهائج، وقد تهاوت أمامه الدول بكل جبروتها العسكري والصناعي، فيما الإعلام يزيد من وتيرة الخوف، ويجعل من الوباء وحشاً كاسراً وقد دعمت الوقائع ما ينشره الإعلام؛ فقد ازدادت أعداد الضحايا وأرقام المصابين، تعداد يومي يتابعه العالم على مدار الساعة، لكن في  التوقيت نفسه  الذي يخشى فيه الجميع الموت يعرف بعضهم ش أن البقاء على قيد الحياة بعد كورونا لن يكون أمراً سهلاً.

فالوباء الذي يتضخم كإعصار مدمر يطوي كل ما يعترض طريقة من دون رحمة على الرغم من تهريج السياسيين في الدول التي تدعي أنها دول كبرى تتصارع فيها الوقائع والأماني في حالة من الهستيريا.

كنت  أجد في تلك الأخبار حاجتي التي استثارتها مخاوفي من الداء القاتل إلا أني بعد الإصابة أبعدت عني تماماً كل خبر حتى لا أتيح لمخاوفي أن تنتصر علي، أحاول أن أدعم جسدي وهو يقاوم بشراسة  الداء لا أريد أن أخذله لهذا اخترت أن أراجع طبيب متخصص في الباطنية، وأمراض الصدر وهو من أكد لي اصابتي بعد أن أحالني الى المختبر القريب منه، إلا أنه كان خير معين لي يحاول أن يكون دقيقا بالتشخيص، وفي  الوقت نفسه  أن يهون علي  الأمر ويمنحني دعما نفسيا يعزز لدي المقاومة.

تكررت مراجعتي له ، وفي كل مرة  يحاول أن يقودني إلى بر الأمان ، فكان نعم الطبيب "دكتور صباح الحلو" صاحب الابتسامة الهادئة، والمنطق الهادئ الجميل يزرع الأمل في ويعزز مقاومتي.

في  الوقت نفسه  أدخلت على نفسي السرور الاتصالات من الاصدقاء وطلبتي الذين كان لهم المواقف الطيبة، ومنهم على وجه الخصوص العزيز "الشيخ عدنان الماجدي" وفي العمل والفيس ممن كانوا يزرعون في نفسي  الرغبة بالمقاومة، والتشبث بالحياة ، فضلا  عن  الاتصالات من جهات متطوعة  أعلنت رغبتها بالمساعدة، وقد شكرتهم إلا أنهم أظهروا مواقف عززت في نفسي الأمن النفسي.

تقوس ظهري يوم شعرت أن الداء أصبح حقيقة بعدما كنت أظنه مجرد مخاوف تحول الى واقعه، تقلبني ريثما يستنطقن الألم والخوف جسدي وروحي وهو يتبرعم في جسدي محولا إياه  الى خراب بل مصنع للفايروس يجعلني أشعر بالخوف على عائلتي من أن أكون انا مصدر الداء بالنسبة لهم ، وهذا حملني مسؤولية مضاعفة فجمعت بين: ( الألم، والخوف، والحجر الصحي)  الذي حول مكتبتي الى مكان للحجر حتى لا أصيب أحدا من أفراد أسرتي. شعور حزين يتضخم داخلي بصمت فيوشم روحي بالشواظ والألم  معاً.

لكن هذا جعلني في أثناء مراجعتي للطبيب أو  إلى المستشفى من أجل أن استخرج تشخيصاً  أكتشف كثيراً من التجارب المرعبة وأدرك معها أن حالتي كانت خفيفة وسط حالة التوسع التي يعيشها المرض تجارب متنوعة من الوسط الصحي، ومن الناس المراجعين الذي كانوا يروون لي تجاربهم وآلامهم .

الخاتمة

لمن لا يهتم للوقاية أقول فأدرك كم هم مقصرين بحق أنفسهم، ومحيطهم الاجتماعي من لا يهتمون  بشروط الوقاية من المرض، ولا يدركون خطر الوباء على أنفسهم وعلى عوائلهم، الداء مدمر ومنهك بل في أحيان مميت. ولا يتوقف أثر الوباء عند الإصابة بل توصل الباحثون إلى أن الناجين تعرضوا للعديد من التغيرات النفسية والعصبية والعاطفية كان أقلها الاكتئاب الخفيف، صعوداً نحو الاكتئاب الحاد والهلاوس السمعية والبصرية وصولاً إلى الانتحار. وهذا ما تدعمه تقارير منظمة الصحة العالمية بشأن التداعيات النفسية للأوبئة،"فإن في مقدمة المشاعر السلبية التي يتعرض لها الناجون الخوف من تحمل أدوار جديدة تفرض عليهم  بعد فقدان أحد أفراد الأسرة، أو مخاوف متكررة من التعرض للإصابة والمرور بالتجربة مرة أخرى، أو الخوف من الموت، كما أن الخسائر التي تعرض لها الناجون من الأوبئة لها عامل كبير في حالتهم النفسية، وتنقسم -بحسب تقرير منظمة الصحة- إلى نوعين: الخسائر المادية أيا كان حجمها، وخسائر أخرى غير ملموسة، مثل الخوف وفقدان الإيمان.

 

 بقلم/الدكتور عامر عبد زيد الوائلي

 

بقلم الكاتب


استاذ جامعي في جامعة الكوفة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

استاذ جامعي في جامعة الكوفة