تجارة الأعضاء البشرية.. السوق الصامت للجريمة المنظمة

في عالمنا، هناك سفاحون لا يحملون سكاكين، بل يرتدون المعاطف البيضاء ويوقعون العقود الذهبية، إنها جريمة الاتجار بالأعضاء الوجه الأكثر قسوة للاتجار بالبشر، حين يتحول الجسد الإنساني إلى سلعة. فوفقًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية (WHO)، إن ما يصل إلى 10% من عمليات زراعة الأعضاء عالميًا تتم في إطار غير قانوني، في سوق سوداء تُدار بصمت، مكاتبها أنيقة في النهار، وأقبية جراحية في الليل. تبدأ الرحلة بسؤال بريء: «هل تود إنقاذ حياة إنسان؟» لكنهم لا يخبرونك أن الثمن قد يكون حياتك أنت. هذه ليست مجرد قصة، بل غوص في كواليس واحدة من أبشع جرائم العصر.

رحلتنا لا تزال في بدايتها.. من حكاية إلى أخرى نطارد ظلال الأرواح ونسمع أنين الأزمنة الغابرة، وهذه قصتنا اليوم.. في عالمنا سفاحون لا يحملون سكاكين، ولا يسكنون الأزقَّة، بل يرتدون المعاطف البيضاء، ويوقِّعون العقود الذهبية.

ليست تجارة، بل صيد للبشر

في زاوية مظلمة من هذا الكوكب.. لا تُباع المخدرات بل تُباع الكلى.. ولا تُهرَّب الأسلحة بل تُهرَّب القلوب والرئات والعيون... وأحيانًا يُهرَّب الإنسان نفسه!

إنها تجارة تُدار بصمت، بلا عناوين، بلا لافتات، مكاتب أنيقة في النهار، وأقبية جراحية في الليل. تبدأ الرحلة بسؤال بريء: «هل تود إنقاذ حياة إنسان؟» لكنهم لا يخبرونك أن الثمن قد يكون حياتك أنت!

الضحايا وقود السوق السوداء

الضحية غالبًا لا يعرف أنه ضحية، قد يكون طفلًا اختفى، لاجئًا بلا وطن، عاملًا بلا أوراق، مريضًا فقيرًا لا يملك أجرة الفحص، أو... أو... جميعهم أحجار على رقعة شطرنج تحركها يد خفية بلا رحمة ولا إنسانية.

في هذه السوق لا أحد يقدِّر قيمة الروح، بل يُسعَّر كل عضو وكأنه قطعة غيار! (الكِلية: عشرون ألفًا)، (الكبد: أغلى)، (القرنية: حسب اللون). وهكذا يسعِّرون الجسد كما لو كان سلعة بلا صاحب.

وإذا ما كان الجسد لا يزال حيًا فيا لها من سعادة لهؤلاء عديمي الرحمة. فهناك أشخاص يُخدَّرون، يُخطفون، يُستدرجون تحت غطاء العلاج أو العمل، ثم يستيقظون ناقصي الأعضاء أو لا يستيقظون أبدًا!

كانت الغرفة باردة بيضاء بلا روح، تعج بأجهزة تومض بصمت، وجدران معلقة عليها شهادات طب لا أحد يعلم إن كانت حقيقية أم لا! على السرير استلقى شاب نحيل لا يدري كيف وصل إلى هنا، كان قد سافر بحثًا عن عمل، أو ربما عن أمل وعودة بفرصة، بدخل مُجزٍ، ثم انتهى به المطاف تحت ضوء جراحة... لا يرى منه شيئًا... صوت خطوات كمبضع جراح، ضوء فوق الرأس، ووجه لا يظهر كله، فقط عيون ترتدي قفازات.

وفي مكان آخر، في مدينة لا يعرف أحد موقعها على الخريطة، كان رجل مسن جالسًا في جناح خاص، محاطًا بالأطباء ينتظر (المتبرع)، كل شيء تم ترتيبه «الحالة تطابق فصيلة الدم، العملية ستنجح»، لم يكن يدري وربما لم يكن يهتم أن «الواهب» لم يُمنح فرصة الاختيار ليوافق أو يرفض، فقط وضع في خانة «صالح للاستئصال».

قال أحدهم إن ما يحدث هو «تجارة»، لكنك حين ترى الوجوه لن تجد تاجرًا ومشتريًا... بل ذئبًا، وحملًا لا يعرف أين الفخ!

الضحايا كثر، وجوه ضائعة في محطات القطارات، في المخيمات، في الأزقَّة الخلفية للمدن الصاخبة، بعضهم اختفى ولم يُعثر عليه، والبعض الآخر عاد ناقصًا.. ليس فقط في الجسد، بل في الإيمان بالبشر.

لا أوراق، لا ملفات، لا جريمة واضحة. فقط جسد ناقص، وحكاية مشوشة، ونظرات مكسورة تروي ما لا تستطيع الشفاه قوله أو وصفه.

وكل ما تتركه تلك التجربة المؤلمة بكل ما فيها ندبة، ولكن ليست في الجسد وحده، بل في الروح، وما أدراك بندبة الروح! لا يعلمها سوى من مرَّ بها.

وهذه العصابات التي تدير تلك العمليات لا ترتدي السواد، بل أحيانًا الأبيض النقي، وبعضهم يوقِّع بأحرف أنيقة على تقارير رسمية كأن كل شيء... قانوني!

لا أحد يتكلم؛ لأن المال أخرس الحناجر، ولا أحد يسأل؛ لأن الأجوبة مخيفة. أما من حاول أن يصرخ فإما دُفن صوته... وإما دُفن هو...

في هذا السوق لا تُباع المنتجات، بل يباع الإنسان قطعة قطعة.

لا شيء يُترك، فالجسد كله قابل للتقسيم. والروح؟ لا أحد يهتم بها.

الزبائن في العادة لا يرون الضحايا، يرون فقط النتائج، يعيشون، يُشفون، يكملون حياتهم، في حين هناك في الظل من فقد حياته ليمنحهم عامًا إضافيًا من الصحة.

ولعل الأكثر قسوة من الجريمة هو ذلك الصمت.. صمت العالم.. صمت الأنظمة.. صمتنا نحن!

ربما لأن الجريمة بلا ملامح.. بلا اسم بلد.. بلا سلاح ظاهر.

ولكنها جريمة.. جريمة تُرتكب كل يوم.. على طاولة مغطاة بالشاش الأبيض.

وربما علينا أن نتذكر أن القيمة الحقيقية للحياة لا تُقاس بكم نملك من الأعضاء، بل بكم نحفظ من ضمائر..

وإلى هنا يُسدل الستار على أقبح وأبشع جرائم العالم ضد الإنسانية، وبصمت تام ودون الإفصاح عن مَن هم أو من أين؟! ولكن.. في كل قصة حياة.. وفي كل حياة قصة تستحق أن تُروى.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.