تبصَّـر!


رفوفٌ مُضرجة بالدماء.

كُتبٌ على رفُوف، مِنها من قَد أعلَن الحَرب مع الصفحَات فِي صَمت، فأمسى يذبَح النقَاط ليفصلَها عن الحرُوف، فترَى دمَاء القوافِي ترسُم اللحظَة على ظهر الصفحَة، تتهاوَى من سطرٍ لأخيه، تفدِي دماءهَا كقربَانٍ للخاتِمة.

ومِنها مَن قَد تشابكَت حروفُه مع نقاطِ حروفٍ أخرَى على ميدَان السطُور، مِنها مَن قد كَان دونِ عنوَان، أسطُره بَكمَى للأعمَى وأخرَى عميَاء للأصَم، مِنها من قَد أثقلَ سوادُ الأحرفِ سطورَه فإذا بِه يواجِهه ببيَاض صفحاتٍ جدِيدة، ليعلَم اليَوم أن الفَوز يتطلبُ بياضَ كتابٍ لا بياضَ صَفحَة.

منها مَن قَد كان عنوانهُ غامِضاً صعبَ التهجِئة، مَن قلبوُا صفحاتِه انتهَى بهم الأمر فِي ركودٍ مع أعماقِ الأسطر الأولَى، ينادُون صفحَة النجَاة وهِي لم تتبوأ من ذلِك الكتابِ مكانَا.

آخَر مِنها قد قالَت له أولَى الصفحاتِ أن ورديَتها لَن تنقشِع، هوَت بِه في صفحةِ الفَقد، فإذا به يتخبّطُ بين أسطرها، فارتأى أن يَضَع نِقاطَ الانتقَام على حرُوف الكراهِية مختتماً بذلِك أسطره الأخِيرة.

سَحابي أثيرٌ سماوي:

تنزه عن العراقيل، وأوجِد لك مكاناً، هُنا نجهَل بكلِ معرفَة ونضيعُ بكلِ رُشد، نموتُ بكلِ حياةٍ، ونحزنُ بكلِ فرَح، عِند محطةٍ سماوِية زائرهَا ليسَ فيهَا بماكِث، وقاطنُها ليسَ فيهَا بجاهِل، بقطارِ الفكرِ العمِيق، تدقُ أبوابهَا، تخترِق فيهَا سقفَ الصَمت، تجلسُ أمامَ موقِد الهدوءِ، تثيرُه بحطَب أفكارٍ مِن عواِلِم اللانهَاية.

تحاكِي فيهَا ركاكَة أيامِك، ورثاثَة قدَرك، تنحرُها ببرودٍ وهبَته لك غيومُ السحَاب، وما فِي هاتِه الغيُوم أنغام، أنغامٌ ليسَت فِي كتيِب من جهِل العزفَ على نُوتاتِ الفضاءِ سوَى رناتٍ تمارِس الجمبازَ على طبلِ الأذُن وتغادرُه مع نهايَة السهرَة، فِي هاتهِ الغيومِ أنغامٌ لا يعِي أبجديتهَا العالِم ولا الفقِيه ولا حتَى رائِد الفضَاء، إنمَا يعِيها ويرقُص على أنغامِها الكاتِب.

ألَم تُنبِت قطرات فُضولِك نبتَة هذا السؤالِ يومًا؟

لمَ الكاتِب يهِيم حيَن يرَى المطَر يُعتَقُ من قضبانِ السماوَات؟

لأنهُ يرَى فِيه بكاءً لمؤنِسه، بكاءً لسحبِه التِي طالمَا عانقَ معهَا من أبى المعانقَة، وحادثَ فيهَا من لم تُوافِق لكنتُه لهجتَه، ومَن سافرَ بمصاحبتِها إلى أماكِن اعتنَقت ما ترونَهُ ظلمَات، ذاكَ ما يقرأهُ الكاتِب فِي عيونِ قطراتِ المطَر.

خَاتمـة:

تحرَر، اِسبَح، اِحجِز لكَ بيتاً فوقَ هشاشَة الغيُوم، واِبنِ لك عالماً لا يدخلُه من يدقَ البَاب، ولا يراهُ من لا يفهمُك، عالمٌ ليسَ فيهِ كل قمرٍ يضِيء، وليس فِيه كل كهفِ مُظلِم، ليسَ فيهِ كل أصمَّ لا يَسمَع، وليسَ فيه كل أبكمَّ لا يتحدَث، اختَر فيهِ القمرَ الذِي تريدُه أن يضيء، وأطفِئ من لا تريدُ نورَه، اختَر الأبكمَ الذِي يتحدَث، وأبكم فيه من لا تريدُ سماعَ صوتِه، خالِف قوانِين الفيزيَاء ولا تَعمَل بما تنصُه الرياضِيات. اصنع عالمَك بالكتابَة.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب