تاريخ القوط وممالكهم: رحلة التحول من سقوط روما إلى تشكيل أوروبا الوسيطة

ممالك القوط هي الممالك التي أسسها القوط في أوروبا بعد تراجع الإمبراطورية الرومانية الغربية، وأبرزها مملكة القوط الغربيين في إسبانيا ومملكة القوط الشرقيين في إيطاليا. وقد حافظت هذه الممالك على جوانب من القانون والإدارة واللغة والثقافة الرومانية، وأسهمت في الانتقال من العالم الروماني إلى أوروبا الوسيطة...

حين نتأمل القرن الخامس الميلادي، لا تبدو أوروبا الغربية كأرض انتقلت في يوم واحد من عالم إلى عالم، ولا كمدينة أُطفئت أنوارها دفعة واحدة بعد سقوط روما. كان التحول أبطأ، وأكثر تعقيدًا، وأشد امتلاءً بالمفارقات. كانت الإمبراطورية الرومانية الغربية تضعف، وتفقد بعض أقاليمها، وتتراجع قدرتها على ضبط الحدود، في حين تعاظمت قوة الجيوش والقادة العسكريين، ودخل رجال ينتمون إلى جماعات جرمانية في خدمة الدولة الرومانية، ثم أصبح بعضهم أصحاب نفوذ وسلطان داخل أراضيها. ومن قلب هذا المشهد خرج القوط، لا بوصفهم قوة غريبة هبطت فجأة على أوروبا، بل بوصفهم جماعات سياسية وعسكرية أعادت تشكيل نفسها في تماس طويل مع العالم الروماني.

ويطلق المؤرخون على أهم فرعين سياسيين للقوط في الغرب تسميتي القوط الغربيين والقوط الشرقيين. والأدق علميًّا أن نتعامل مع هذين الاسمين بحذر؛ فالهويات القوطية في العصور المتأخرة لم تكن حدودًا عرقية صلبة، بل تداخلت فيها اللغة، والجيش، والدين، والولاء السياسي، والمكان. وقد بيّن المؤرخ باتريك أموري أن لفظتي «قوط» و«رومان» كانتا تُستخدمان داخل المجتمع الإيطالي في القرن السادس بطرائق متعددة، وأن الفرد نفسه كان يمكن أن يُنظر إليه من أكثر من زاوية، بحسب مهنته ودينه وموقعه الاجتماعي والسياسي. كما أظهرت دراسات حديثة أن القوط الغربيين والشرقيين لم يكونوا كتلتين ثابتتين منذ البداية، وإنما تشكلت جماعتهم السياسية تدريجيًّا في ظروف الهجرة والحرب والتفاعل مع روما.

ومن هنا تأتي أهمية دراسة ممالك القوط؛ فقصتهما ليست مجرد قصة جماعات محاربة استولت على مدن رومانية، وإنما قصة انتقال تاريخي من الإمبراطورية إلى الممالك، ومن الوحدة الرومانية القديمة إلى عالم سياسي جديد.

ففي الجنوب الغربي من أوروبا نشأت مملكة القوط الغربيين، ثم استقرت في شبه الجزيرة الإيبيرية واتخذت طليطلة مركزًا سياسيًّا ودينيًّا. وفي إيطاليا قامت مملكة القوط الشرقيين بقيادة ثيودوريك العظيم، وحاولت أن تحافظ على الجهاز الروماني وتستفيد منه، حتى أصبحت رافينا مسرحًا لمشروع سياسي يجمع بين القوة القوطية والتقاليد الرومانية.

وهكذا، فإن تاريخ القوط يكشف لنا معنى بالغ الدلالة: سقوط الدول لا يعني بالضرورة اختفاء حضاراتها، فقد يسقط العرش، بينما تبقى اللغة والقانون والمدينة والكنيسة والإدارة، ثم تنتقل هذه العناصر من يد إلى يد، فتدخل في زمن جديد بثياب جديدة.

أصل القوط وهويتهم التاريخية

قبل الغوص في تفاصيل تحولاتهم السياسية، تبرز تساؤلات ملحة تفرض نفسها على الباحث والقارئ معًا: من هم القوطيون؟ وما هو أصل القوط؟

للإجابة عن ذلك، يشير المؤرخون القدامى، وعلى رأسهم المؤرخ يوردانيس في كتابه الشهير «غيتيكا» (Getica) المكتوب في القرن السادس الميلادي، إلى أن نقطة الانطلاق الأولى لهذه الجماعات كانت في منطقة «سكانزا» (Scandza) التي تُعرف اليوم بشبه جزيرة إسكندنافيا.

ومن تلك البقاع الباردة، بدأت هجراتهم الكبرى جنوبًا عبر بحر البلطيق ليستقروا مدة في منطقة حوض نهر الفيستولا (في بولندا الحالية)، حيث ارتبطوا بما يُعرف أثريًّا بـ «ثقافة ويلبارك» (Wielbark culture).

وبحلول القرن الثاني الميلادي، واصلت هذه المجموعات زحفها التدريجي نحو الجنوب الشرقي حتى بلغت السهول الشاسعة شمال البحر الأسود، وهي المنطقة التي عُرفت لديهم باسم «أويوم» (Oium)؛ حيث تفاعلوا مع ثقافات السهوب وتوسعوا عسكريًّا وديموغرافيًّا، مشكلين ما يُعرف في علم الآثار بـ«ثقافة تشيرنياخوف» (Chernyakhov culture).

انطلق القوط من إسكندنافيا وهاجروا جنوبًا للبحر الأسود

ما هو معنى كلمة القوط لغويًّا ودلاليًّا؟

ترجع الجذور اللغوية لهذه التسمية إلى اللغات الجرمانية القديمة، حيث يُعتقد أن الكلمة مشتقة من الجذر الجرماني الأولي «Gutan»، والذي يعني «يفيض» أو «يسكب». ويرى علماء اللسانيات التاريخية أن التسمية تشير في أصلها السحيق إما إلى «الرجال» أو «الشعب الذي يتكاثر»، أو ترمز إلى أصولهم الجغرافية المرتبطة بمنطقة «غوتلاند» (Gotland) وقبائل «اليات» (Geats) في السويد الحالية.

من هم الشعوب القوطية؟

إنهم قبائل جرمانية شرقية، لم تكن كتلة واحدة متجانسة طوال تاريخها. ففي سهول البحر الأسود، انقسموا إلى مجموعتين رئيستين: مجموعة «الثيرفينجي» (Thervingi)، وتعني «سكان الغابات»، الذين تركزوا في المناطق الغربية، ومجموعة «الغروثونجي» (Greuthungi)، وتعني «سكان السهوب» الذين سكنوا في الشرق. هاتان المجموعتان شكَّلتا النواة الأساسية لما عُرف لاحقًا في التاريخ السياسي والعسكري باسم القوط الغربيين والشرقيين.

وقد تميزت هذه الشعوب بتراثها الثقافي الخاص، ولغتها القوطية المميزة التي خلدها الأسقف «أولفيلا» (Wulfila) في القرن الرابع الميلادي؛ إذ ابتكر أبجدية خاصة متأثرة بالحروف اليونانية واللاتينية وبعض الرموز الرونية، وترجم الكتاب المقدس إليها، لتكون اللغة القوطية بذلك أقدم لغة جرمانية تمتلك نصًّا مكتوبًا شاملًا يُعرف اليوم بـ«المخطوطة الفضية» (Codex Argenteus). دينيًّا، أدت جهود أولفيلا إلى اعتناق هذه الشعوب للمسيحية على المذهب الآريوسي، ما شكّل لاحقًا فارقًا عقائديًّا بينهم وبين الشعوب الرومانية الكاثوليكية التي حكموها.

القوط في ظل التحول الروماني

قبل قيام المملكتين بزمن طويل، دخل القوط في علاقة متشابكة مع الإمبراطورية الرومانية. وفي القرن الرابع الميلادي كان وجودهم في مناطق البلقان والدانوب واضحًا، وتحولت علاقتهم بروما بين الحرب والتحالف والخدمة العسكرية. وكان عبور الدانوب سنة 376م من اللحظات المفصلية، ثم جاءت معركة أدرنة سنة 378م، حين هزم القوط الجيش الروماني وقُتل الإمبراطور فالنس، فظهر بوضوح أن القوى القوطية لم تعد قوة هامشية يمكن تجاهلها. وبعد عقود أصبح قادتهم طرفًا في صراعات الإمبراطورية نفسها؛ فبعضهم خدم في الجيش الروماني، وبعضهم فاوض الأباطرة، وبعضهم تحرك بين الحرب والتحالف وفق الظروف السياسية.

وفي سنة 410م دخل القوط بقيادة ألاريك الأول مدينة روما ووقع نهبها الشهير. وكان وقع الحدث النفسي والسياسي هائلًا؛ فمدينة كانت تبدو قرونًا رمزًا للقوة العالمية تعرضت للنهب على يد شعب كان ينظر إليه الرومان زمنًا طويلًا بوصفه قوة خارجية. ومع ذلك، فإن الحدث لم يكن نهاية فورية للحضارة الرومانية. بقيت الإدارة، والقانون، واللغة، والمدن، والكنيسة، والضرائب، والتقاليد الثقافية حاضرة.

ولذلك يجب تجنب الصورة المبسطة التي تقول إن «الرومان سقطوا، فجاء القوط». فقد كان الواقع أكثر تشابكًا. كان هناك رومان في الجيوش القوطية، وقوط في الجيوش الرومانية، ونخب محلية تتعاون مع الحكام الجدد، ومدن تستمر في العمل تحت سلطة سياسية مختلفة. إن القرن الخامس لم يكن قرن انهيار وحسب؛ كان أيضًا قرن إعادة تركيب.

مملكة القوط الغربيين: نشأة المملكة وتحول المركز السياسي

تبلورت مملكة القوط الغربيين في بلاد الغال خلال القرن الخامس، وكان ثيودوريك الأول من أبرز ملوك المرحلة التي استقرت فيها الجماعة في جنوب غربي فرنسا. وفي سنة 418م حصل القوط على موطن اتحادي في أقطانية ضمن الترتيبات التي نشأت مع السلطة الرومانية، وأصبحت تولوز مركزًا سياسيًّا مبكرًا للمملكة. وكانت هذه الخطوة بداية تحول كبير: فقد انتقل القوط من جماعة تتحرك في فضاء الحروب والهجرات إلى قوة ترتبط بأرض ومدن وضرائب ومؤسسات.

ثم تحرك مركز الثقل تدريجيًّا نحو إسبانيا. وبعد معركة فوليه سنة 507م خسر القوط جزءًا كبيرًا من ممتلكاتهم في بلاد الغال أمام الفرنجة، وبقي لهم إقليم سبتمانيا جنوبًا، في حين أصبح الثقل السياسي والعسكري في شبه الجزيرة الإيبيرية.

وفي أواخر القرن السادس، ولا سيما في عهد ليوڤيغيلد، اتسعت السيطرة القوطية في إسبانيا، وتم إخضاع مملكة السويبيين وضم أراضيها إلى الدولة القوطية، حتى تحولت طليطلة إلى عاصمة مستقرة للمملكة. وتربط دراسات حديثة بين هذا الاستقرار وبين رغبة ليوڤيغيلد في بناء مركز سياسي يشبه، من حيث الرمزية والوظيفة، عواصم الإمبراطوريات المتأخرة.

غير أن المملكة لم تكن «قوطية» من حيث السكان بمعنى ضيق؛ فأغلبية سكانها كانوا من الهسبانو-رومان، أي من السكان الذين عاشوا في إطار الحضارة الرومانية في شبه الجزيرة. ولذلك كان الملك القوطي يحكم مجتمعًا أكبر بكثير من الجماعة القوطية نفسها.

وتكمن المفارقة الجميلة في التجربة: القوط جاءوا إلى إسبانيا قوةً جديدة، لكن الدولة التي أنشؤوها لم تكن جديدة تمامًا. فقد ورثوا الطرق والمدن والضرائب والقانون والكنيسة، وأضافوا إليها نظامًا ملكيًّا وجيشًا ونخبة سياسية جديدة.

كان ثيودوريك الأول من أبرز ملوك القوط الغربيين

القانون والإدارة عند القوطيين

ربما كان القانون أوضح شاهد على عملية التداخل بين القوط والرومان. ففي عهد ألاريك الثاني صدر سنة 506م ما عُرف باسم بريفاريوم ألاريكيانوم أو «مختصر ألاريك»، وهو تجميع مهم لمواد من القانون الروماني الإمبراطوري والفقه القانوني، وقد أصبح من أهم النصوص القانونية في مملكة القوط الغربيين. وتبين مصادر جامعية أن القسم الأكبر منه أعاد تنظيم مواد من مدونة ثيودوسيوس والتشريعات الإمبراطورية اللاحقة، مع شروح تساعد على فهم الأحكام وتطبيقها.

وهذا المثال أكثر أهمية مما يبدو لأول وهلة. فالحاكم الذي ينتمي إلى مملكة جديدة لم ير أن بقاء دولته يتطلب محو القانون القديم. على العكس، كان القانون الروماني مفيدًا لأنه يوفر لغة مشتركة للإدارة والقضاء والملكية والعقود والضرائب. وهنا نفهم أن بناء الدولة لا يقوم بالسيف وحده. فالملك يستطيع أن ينتصر في معركة، لكنه لا يستطيع أن يحكم مدينة كبيرة من دون كتبة وقضاة وموظفين وجباة ضرائب. ولذلك احتاج القوط إلى خبرة السكان المحليين، كما احتاج الرومان إلى قوة الجيش القوطي.

واستمرت اللاتينية لغة الإدارة والثقافة والكتابة، بينما ظلت العناصر القوطية أكثر حضورًا في الجيش والطبقة العسكرية. وأدى هذا التفاعل، عبر الزمن، إلى ذوبان كثير من الحدود القديمة بين الجماعتين. إن القانون هنا ليس مجرد مجموعة مواد جامدة؛ إنه شهادة على أن التاريخ يميل إلى الاستمرار أكثر مما يميل إلى القطيعة.

الدين ووحدة المملكة القوطية

كان الدين من أهم مصادر التوتر داخل المملكة. فقد اعتنق القوط المسيحية على العقيدة الآريوسية في مرحلة مبكرة، في حين كان معظم السكان الهسبانو-رومان على العقيدة النيقاوية. ولم يكن الاختلاف مجرد مسألة دينية نظرية، بل ارتبط أيضًا بموازين السلطة وبعلاقة الأسرة المالكة بالنخب المحلية والأساقفة.

وكان التحول الكبير في عهد الملك ريكارد الأول. فقد اعتنق المسيحية النيقاوية سنة 587م، ثم جاء مجمع طليطلة الثالث سنة 589م ليكرس التحول رسميًّا داخل الدولة والكنيسة. وقد شارك في هذا التحول عدد كبير من كبار القوط، وأعيد تنظيم وضع المؤسسة الآريوسية داخل المملكة.

كان لهذا التحول أثر سياسي عميق؛ إذ أصبح الملك والكنيسة والنخب الهسبانو-رومانية أقرب إلى إطار ديني واحد. ومع الوقت تحولت طليطلة إلى مركز ديني وسياسي في آن واحد، وأصبحت المجامع التي عقدت فيها مجالس للتشريع الديني والأخلاقي والسياسي.

وفي القرن السابع برز إيسيدور الإشبيلي الذي مثَّل أحد أعلام الثقافة اللاتينية في إسبانيا القوطية. وكان عمله الفكري مهمًّا في حفظ المعارف الكلاسيكية وتلخيصها وتصنيفها، في عصر بدأت فيه المؤسسات التعليمية القديمة بالانكماش في أجزاء من أوروبا. وهكذا أصبحت الكنيسة حاملة للذاكرة، لا مؤسسة للعبادة. والذاكرة، في أزمنة التحول، قد تكون أقوى من السيف؛ لأن السيف يفرض الطاعة، أما الذاكرة فتصنع المعنى.

الملكية ومشكلة الخلافة عند القوط الغربيين

من أكثر جوانب تاريخ القوط الغربيين إثارة للتأمل طبيعة الملكية. فلم تكن الخلافة دائمًا وراثية وفق قاعدة بسيطة، ولذلك كان موت الملك يفتح في كثير من الأحيان باب المنافسة بين الأسر والنبلاء والقادة العسكريين.

وتشير الدراسات التاريخية إلى أن الملكية القوطية في العهد المتأخر اتخذت طابعًا غير سلالي إلى حد كبير، رغم حدوث بعض حالات الانتقال من الأب إلى الابن. وكانت مجموعة محدودة من الأسر القريبة من البلاط والجيش توفر كثيرًا من المرشحين للعرش.

وكان لهذا الوضع أثر مزدوج. فمن ناحية أتاح للنخبة العسكرية والسياسية المشاركة في صناعة السلطة، ومن ناحية أخرى جعل الدولة عرضة للانقسامات عند وفاة كل ملك قوي.

وتظهر المشكلة بوضوح في تاريخ المملكة المتأخر: صراعات بين الورثة، وانقلابات، وتحالفات متغيرة، وتدخُّل القادة العسكريين، وتنافس على الشرعية. ومع ذلك لا يصح تفسير ضعف الدولة دائمًا بعبارات أخلاقية مثل «فساد الملوك» أو «سوء الحكام».

فتوجد أسباب بنيوية أيضًا: اتساع الدولة، وصعوبة ضبط الأقاليم، وقوة النخب المحلية، وارتباط السلطة بالجيش، وعدم وجود نظام ثابت تمامًا للخلافة. لذلك كان استقرار المملكة يعتمد بدرجة كبيرة على شخصية الملك وقدرته على بناء شبكة من الولاءات.

ما بعد السقوط: الأندلس والتفاعل الثقافي

وهنا نصل إلى حقبة مفصلية تتعلق بوجود القوط في الأندلس، وطبيعة العلاقة بين القوط والمسلمين إبان وبعد الفتح الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية في مطلع القرن الثامن الميلادي.

استمرت مملكة القوط الغربيين في إسبانيا أطول من مملكة القوط الشرقيين في إيطاليا، واستطاعت في عهود ليوڤيغيلد وريكّارد ومن جاء بعدهما أن توسع رقعتها وتحد من الوجود البيزنطي في جنوب شرق شبه الجزيرة، وأن تضم مملكة السويبيين.

وفي القرنين السادس والسابع أخذت المملكة تصبح أكثر اندماجًا في المجتمع الإيبيري. وتراجعت المسافة بين القوط والسكان الرومانيين المحليين، وأصبحت القوانين والإدارة والكنيسة أدوات مشتركة للدولة. وكان هذا الاندماج أحد أهم أسباب قدرة المملكة على الاستمرار.

لكن مشكلة الخلافة لم تختف. فقد بقي العرش مجالًا للصراع بين الأسر والنبلاء والجيش، وحدثت سلسلة من الانقلابات والتنافسات. وتوضح قوائم الملوك أن العقود الأخيرة شهدت تغيرًا سريعًا في الحكم، حتى وصل العرش إلى رودريك أو رذريق سنة 710م، في مدة قصيرة قبيل الغزو الذي وقع سنة 711م.

وفي سنة 711م عبرت قوة من شمال أفريقيا بقيادة طارق بن زياد إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، ووقعت المواجهة مع رودريك. وتختلف المصادر القديمة في بعض تفاصيل المعركة ومصير الملك، لكن رودريك اختفى من المشهد السياسي بعدها، وتُرجح الروايات مقتله في سياق القتال.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الصراع الداخلي على العرش كان أحد عناصر ضعف المملكة في هذه المرحلة؛ فقد دخلت المنافسات بين أنصار الورثة والنخب والقادة المحليين في تعقيد المشهد السياسي الذي سبق الفتح.

ومع ذلك، فإن سنة 711م لم تمح المجتمع القوطي والروماني في إسبانيا في ليلة واحدة الذي انتهى أساسًا هو السلطة المركزية لمملكة طليطلة، في حين بقي السكان، والمدن، والكنيسة، وجماعات النخبة، والعادات، والعناصر القانونية والثقافية، ودخلت جميعها في المرحلة الجديدة من تاريخ الأندلس.

سقوط القوط وميلاد الأندلس وبداية التفاعل الثقافي المشترك

مملكة القوط الشرقيين في إيطاليا

أما القوط الشرقيون فقد سلكوا مسارًا آخر قادهم إلى قلب إيطاليا. فقد دخل ثيودوريك العظيم إيطاليا في أواخر القرن الخامس، بعد أن شجعه الإمبراطور زينون على مواجهة أودواكر. وبعد سنوات من القتال، قتل ثيودوريك أودواكر في رافينا سنة 493م وأقام مملكة جديدة في إيطاليا.

ويعد عام 493م بداية مملكة القوط الشرقيين، التي استمرت حتى منتصف القرن السادس. بلغت المملكة أوج قوتها في عهد ثيودوريك، الذي حكم حتى سنة 526م. وكان مشروعه السياسي قائمًا على توازن دقيق: الاحتفاظ باستقلال الملك والقوة العسكرية القوطية، وفي الوقت نفسه المحافظة على مؤسسات الدولة الرومانية.

وهنا يظهر اسم كاسيدوروس، الكاتب والسياسي الروماني الذي خدم في إدارة الملوك القوط. وتشير المصادر الأكاديمية إلى أنه شغل مناصب عليا في الدولة، وأسهم في صياغة المراسلات والوثائق التي تظهر طريقة عمل الحكومة القوطية في رافينا. وكانت إيطاليا في عهد ثيودوريك تعيش، سياسيًّا، مفارقة واضحة: الجيش في جانب كبير منه قوطي، أما الإدارة والثقافة والقانون فاحتفظت بكثير من تقاليد روما.

وقد درس باتريك أموري هذه الظاهرة تحت مفهوم «المدنية»، حيث حاول النظام أن يوزع الأدوار بين القوط والرومان مع إبقاء المجتمع في إطار سياسي مشترك. ولم يكن الأمر مجرد نظرية؛ فقد استمرت المدن، وجرى الاهتمام بالمنشآت العامة، واستُخدمت الرموز الرومانية في إظهار هيبة الملك. وكأن ثيودوريك كان يقول لإيطاليا القديمة: لن أهدم الذاكرة؛ سأجلس على عرشها.

من عهد ثيودوريك إلى الحرب القوطية

لكن النظام الذي بناه ثيودوريك كان مرتبطًا بدرجة كبيرة بقدرته الشخصية على حفظ التوازن. وبعد وفاته سنة 526م دخلت المملكة مرحلة من الاضطراب، وتوالى الحكام، ومن أبرزهم أثالاريك، وأمالاسونثا، وثيوداهاد، وفيتيجس.

وفي سنة 535م بدأت الحرب القوطية الكبرى بين القوط الشرقيين والإمبراطورية الرومانية الشرقية في عهد الإمبراطور جستنيان الأول، الذي أراد إعادة إيطاليا إلى السيطرة الإمبراطورية. وأرسل كبار قادته، ومنهم بليزاريوس ثم نارسيس، إلى الميدان. وكانت الحرب طويلة وقاسية، وتعرضت مدن إيطاليا وحقولها واقتصادها لأضرار شديدة. ودخلت روما وخرجت من يد الطرفين، وتحولت البلاد إلى ساحة قتال استنزفت موارد الجميع.

وفي هذه المرحلة ظهر توتيلا، واسمه بادويلا، ملكًا على القوط سنة 541م. وقاد مقاومة نشطة ضد البيزنطيين، وحقق عدة انتصارات، ثم هُزم وقُتل في معركة تاجينا سنة 552م.

وبعده تولى تيا، الذي كانت نهايته في معركة مونتي لاتّاري سنة 552 أو 553م، لتسقط المملكة القوطية الشرقية بصفتها كيانًا سياسيًّا مستقلًا. وكان سقوطها مختلفًا عن سقوط المملكة الغربية؛ فالقوط الشرقيون لم يسقطوا بسبب غزو خارجي مفاجئ، بل أنهكتهم حرب طويلة مع قوة إمبراطورية منظمة. وبعد ذلك بسنوات قليلة، دخل اللومبارد إيطاليا سنة 568م، لتبدأ مرحلة سياسية جديدة.

من هم ملوك القوط؟

نستعرض هنا أبرز الحكام الذين صنعوا مجد هذه الممالك، وتجنبًا لتكرار تفاصيل من سبق ذكر أسمائهم وإنجازاتهم باستفاضة، نلقي الضوء على من لم يُفصل المقال أدوارهم سابقًا:

أولًا: ملوك القوط الغربيين

  • برز من بينهم «أتاولف» (410-415م) الذي قاد شعبه نحو بلاد الغال بعد ألاريك، وتزوج من غالا بلاسيديا، أخت الإمبراطور الروماني، في خطوة سياسية جريئة لدمج القوط بالرومان.
  • يليه «يوريك» (466-484م) الذي وسَّع حدود المملكة إلى أقصى اتساع لها في الغال وإسبانيا، وأصدر «قانون يوريك» الذي يعد من أقدم القوانين الجرمانية المكتوبة.
  • وهناك أيضًا «ريكسوينث» (649-672م) الذي أصدر «كتاب الأحكام» (Liber Iudiciorum) أو ما يُعرف بـ «قانون القوط الغربيين»، والذي أسهم في توحيد التشريع تمامًا بين الرومان والقوط وصهرهم في بوتقة قانونية واحدة.
  • وصولًا إلى الملك رودريك (رذريق) الذي شهد عصره السقوط النهائي للمملكة بطليطلة.

ثانيًا: ملوك القوط الشرقيين

  • إضافة إلى المؤسس الأعظم ثيودوريك ومن خلفه كأثالاريك وأمالاسونثا، برز ملوك قادوا رحى المقاومة الشرسة، مثل «فيتيجس» (536-540م) الذي قاد المقاومة ضد الجنرال البيزنطي بليزاريوس قبل أن يُؤسر.
  • والملك «تيا» (552-553م) وهو الملك الأخير الذي قاتل بضراوة حتى قُتل في معركة مونتي لاتاري، لتُطوى بنهايته صفحة المملكة القوطية الشرقية.

القوط بين الرومانية وبدايات أوروبا الوسيطة

ربما كان السؤال الأهم بعد سرد الحروب والملوك هو: ماذا ترك القوط؟

لقد تركوا أثرًا لا يمكن فهمه بعيدًا عن فكرة الاستمرارية. ففي القانون، استمر التراث الروماني داخل نظم سياسية جديدة. وفي الثقافة، بقيت اللاتينية لغة الكتابة والتعليم والإدارة. وفي الدين، غدت الكنيسة مؤسسة تتجاوز السلطة السياسية، وتحفظ الذاكرة وتعيد إنتاجها.

ولعل هذا هو الجانب الأكثر إثارة في تاريخ القوط. فالتاريخ المدرسي قد يبدو أحيانًا كأنه سلسلة من الصناديق: الرومان، ثم الجرمان، ثم العصور الوسطى. أما الحقيقة فليست كذلك. فالقائد القوطي قد يكون تلقى تدريبًا داخل الجيش الروماني، والملك القوطي قد يستعمل القانون الروماني، والكاتب الروماني قد يعمل في بلاط قوطي، والأسقف قد يصبح مستشارًا سياسيًا، والمدينة الرومانية قد تستمر في العمل تحت تاج جديد.

ولهذا يصعب وصف الممالك القوطية بأنها مجرد «ممالك بربرية» بالمعنى الذي يوحي بالقطيعة الكاملة. فقد أظهرت الدراسات الحديثة أن حكومة ثيودوريك، على سبيل المثال، كانت تعتمد على مفاهيم رومانية في الإدارة والفضاء السياسي، وأن الفصل بين «القوطي» و«الروماني» كان عمليًا وسياسيًا أكثر منه حدًا ثابتًا في حياة السكان.

وفي إسبانيا نشأت نتيجة مشابهة: أخذ القوط يتداخلون شيئًا فشيئًا مع المجتمع الهسبانو-روماني، حتى أصبحت المملكة بحلول القرن السابع دولة إيبيرية ذات هوية سياسية ودينية مشتركة إلى حد كبير.

وعلى هذا الأساس يمكن القول إن القوط كانوا جزءًا من عملية ولادة أوروبا الوسيطة، لا مجرد عامل في سقوط روما. فقد أخذوا بعض عناصر العالم الروماني، وحافظوا على بعضها، وعدّلوا بعضها، ثم أضافوا إليها مؤسسات وتقاليد سياسية جديدة.

إن تاريخ مملكة القوط الغربيين ومملكة القوط الشرقيين ليس هامشًا صغيرًا في قصة سقوط الإمبراطورية الرومانية، بل هو أحد مفاتيح فهم المرحلة التي ولدت فيها أوروبا الوسيطة.

فالقوط لم يأتوا إلى الغرب وهم يحملون عالمًا مغلقًا يرفض كل ما سبقه، كما أنهم لم يذوبوا تمامًا في الرومانية. كانوا يقفون بين العالمين؛ يحملون إرث الجماعة العسكرية، ويعيشون في مدن رومانية، ويحكمون بقوانين تستند إلى التراث الإمبراطوري، ويتجادلون حول المسيحية، ويبحثون عن شرعية سياسية لا تنفصل عن هيبة روما.

وفي مملكة القوط الغربيين أصبحت طليطلة قلب دولة إيبيرية واسعة، وتحولت المجالس الكنسية والقوانين واللغة اللاتينية إلى أدوات لبناء الوحدة. أما في مملكة القوط الشرقيين فقد حاول ثيودوريك العظيم أن يصنع توازنًا بين القوط والرومان، وبين الجيش والإدارة، وبين قوة الواقع وهيبة الماضي. غير أن هذا التوازن ظل هشًا؛ فسقطت المملكة الشرقية أمام الحرب البيزنطية، في حين استمرت المملكة الغربية حتى سنة 711م، قبل أن تتفكك سلطتها المركزية أمام الغزو والصراع الداخلي.

لكن التاريخ لا يترك المدن فارغة، ولا يمحو الشعوب بضربة واحدة. بعد سقوط العروش بقيت الطرق، والحقول، والكنائس، واللغات، والأسواق، والذكريات. بقيت طليطلة، وبقيت إسبانيا، وبقيت عناصر من القانون القوطي والروماني، ثم دخلت جميعها في عالم جديد صنعته الحضارة الإسلامية في الأندلس، والبيزنطيون في الشرق، والفرنجة في الشمال، واللومبارد في إيطاليا.

ولهذا تبدو قصة القوط أقرب إلى جسر منها إلى جدار. لم تكن نهاية روما عندهم انطفاءً كاملًا، بل كانت انتقالًا للتراث إلى أيدٍ جديدة. ومن بين حجارة المدن القديمة، ومن بين سجلات الكتبة، ومجالس الأساقفة، وخوذات المقاتلين، بدأت ملامح أوروبا الوسيطة تتشكل ببطء.

وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئًا من تجربة القوط، فهو أن الحضارات لا تختفي في اللحظة التي يسقط فيها العرش، وأن الدول لا تُختصر في أسماء ملوكها، وأن الماضي لا يموت حين تتغير السلطة. إنه يعود في صورة قانون، أو لغة، أو مدينة، أو كنيسة، أو ذاكرة، ثم يواصل سيره في زمن آخر.

وهنا تكمن المفارقة الأخيرة: القوط الذين ارتبط اسمهم في الذاكرة الشعبية بنهاية روما، كانوا في الوقت نفسه من الذين حملوا بعض عناصر روما إلى العصر الذي جاء بعدها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة