تعد قضية «مجالس الحب» أو «فن الملاطفة» من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الأدب والاجتماع في القرن الثاني عشر. ورغم الجهود التي بذلها كبار الباحثين مثل جاستون باري وألفرد جوزوا، فإن المسألة لا تزال تفتقر إلى نصوص حاسمة تحدد طبيعة هذه المجالس وقياس أثرها الحقيقي على المجتمع.
هل كانت هذه المحاكم النسائية واقعاً مؤسسياً أم مجرد خيال أدبي؟ وهل امتلكت السيدات سلطة إصدار «توقيفات الحب»؟ يهدف هذا المقال إلى عرض ملخص تاريخي شامل للمسألة، ومناقشة أدلة المؤيدين والمعارضين، وتحليل النصوص التي استند إليها هذا المفهوم عبر العصور.
غياب المصطلح في نصوص العصر الوسيط
إن تعبير «مجلس الحب» «Cour d'Amour» لا يظهر في الواقع في أي نص أصيل من نصوص العصر الوسيط كدلالة على سلطة قضائية تصدر فيها النساء أحكاماً على الخصومات العاطفية. فعندما يرد هذا المصطلح في قصص الملك آرثر، فإنه يشير حصراً إلى مجالس السيدات والفرسان في بلاط «ملك الحب»، وهو وصف يشبه الطقوس الرفيعة في بلاط لويس الرابع عشر بفرساي، دون أن يحمل أي صفة قانونية أو مؤسسية للفصل في المنازعات.

جذور الوهم في القرن الخامس عشر
بدأت الأخبار المتداولة عن «مجالس الحب» تتبلور في نهاية القرن الخامس عشر عبر كتاب «توقيفات الحب» لمؤلفه مارتيال دوفيرني، الذي كان نائباً في البرلمان. لقد تلهى دوفيرني بتأليف محاكمات وهمية حول مسائل الغزل، متخذاً من الدعاوى القضائية التي يألفها نموذجاً ساخراً.
ومن أبرز هذه الأعمال «لعبة بازوشيان» التي كانت تهدف للهو الخالص، إلا أن نجاحها الكبير جعلها تُتخذ لاحقاً كمرجع تاريخي عن طريق الخطأ أو التزييف المتعمد.
تزييفات جوهان دي نوسترادام وأثرها
في القرن السادس عشر، قام جوهان دي نوسترادام، شقيق المنجّم المشهور، بنشر كتابه «حياة أشهر الشعراء البروفانسيين»، حيث أكد وجود مجالس نسائية في القرن الثالث عشر ببروفانس مهمتها الفصل في المسائل العاطفية التي يناقشها الشعراء في محاوراتهم «Tensons». وادعى نوسترادام أن الفرسان والسيدات كانوا يرسلون قضاياهم إلى سيدات شهيرات في أماكن مثل «سني» و«بيريفيه» لإصدار «توقيفات الحب»، مستنداً في ذلك إلى روايات مشكوك في صحتها.
محاكم الحب في روايات نوسترادام
يسرد نوسترادام في سيرته للشاعر برنارد دالامانو قصة عشقه لسيدة تدعى ستيفانيت دي رومانا، مدعياً أنها كانت تعقد «مجلس الحب» في قصرها. ويصف حضور السيدات أمام الهيئة القضائية للمرافعة في مسائل الحب المقترحة عليهن، في مشهد يمزج بين الأدب والادعاء القضائي.
ومن أجل إضفاء صبغة تاريخية، قام نوسترادام بسرد أسماء القاضيات اللواتي شاركن في هذه المجالس المزعومة في مناطق مختلفة.
إن مجالس الحب في سني وبيريفيه، وهما قريتان صغيرتان متجاورتان، وعلى نفس البعد تقريبًا من طولون وبرينول، كانت تحكم فيها كل من:
- ستيفانيت «Stephanette»، سيدة برولكس «Brulx»، وابنة كونت البروفانس.
- أدالاري «Adalarie»، زوجة فيكونت أفينيو.
- ألاتيت «Alatete»، سيدة أونجل «Ongle».
- هير ميسند «Hermissende»، سيدة بوسكير «Posquieres».
- بيرتران، سيدة أورجون «Urgon».
- مابيل «Mabille»، سيدة هيير «Hyeres».
- كونتيسة داي «Dye».
- روستانج «Rostangue»، سيدة بيريفيه.
- بيرتران، سيدة سني «Signe».
- جوسيراند «Jausserande»، سيدة كلوسترال.
وكان مجلس الحب في مقاطعة أفينيو يتشرف بحضوره كل من:
- جيهان «Jehanne»، سيدة بول «Baulx».
- هيجيت دي فور كالكيبه «Huguette de Forcalquier»، سيدة تريكت «Trects».
- بريان داجو «Briand d'Agout»، كونتيسة لالون «La Lune».
- مابيل «Mabille» دي فيل نيف «Villeneuve»، سيدة فينس.
- بياتريكس داجو «Beatrix»، سيدة سول.
- إسورد دي روكيفيي «Ysoarde de Roquefieilh»، سيدة آنسوا «Ansoys».
- آن، زوجة فيكونت دي تالار «Tallard».
- بلانش دي فلاسان، المدعوة بلانكا فلور «Blankafleur».
- دولس دي موستر بيبه «Moustriers»، سيدة كليرمان.
- أنتونيت دي كاديل «Cadeult»، سيدة لامبسك «Lambesc».
- ماجدالين دي سالون، سيدة مرموقة.
- ريكساند دي بيفارد «Rixende de Puyvard»، سيدة تران «Trans».
نقد الأخطاء التاريخية في قوائم نوسترادام
يرى النقاد المحدثون أن أدلة نوسترادام مليئة بالأخطاء التي تضعف قيمتها التاريخية. فالمجالس التي تحدث عنها يُزعم أنها وجدت في منتصف القرن الرابع عشر، وهو عصر الانحطاط للفروسية البطولية وشعر التروبادور، بعيداً عن العصر الذهبي للقرن الثاني عشر. كما أن دراسات «بول ماير» كشفت أن السيدات المذكورات في القوائم عشن في عصور متباعدة، مما يجعل اجتماعهن في هيئة قضائية واحدة أمراً مستحيلاً تاريخياً.

تفسير المحاورات الشعرية «Tensons»
إن الاستناد إلى المحاورات الشعرية كدليل على وجود المحاكم لم يعد مقبولاً؛ فتعيين سيدة كمحكّمة في قصيدة لا يعني وجود مؤسسة قضائية. فمعظم السيدات اللواتي ذكرهن الشعراء لا يظهرن في قوائم نوسترادام، وكثير منهن كنّ طرفاً في اضطرابات عاطفية تمنعهن من القضاء. والأهم من ذلك، أن نصوص هذه المحاورات تخلو تماماً من تعبير «مجلس الحب»، وتستخدم بدلاً منه تعبيرات مثل «مجلس التعليم» أو «ميدان التأديب».
دلالة كلمة «Cour» في سياقها الأدبي
تشير كلمة «Cour» في قصائد التروبادور إلى فضاء تربوي أو مدرسة للخصال الحميدة والتربية الرفيعة، وليس إلى محكمة قضائية. فالسيدة «المتعلمة جيداً» هي السيدة المؤدبة التي تتقن فنون الملاطفة. وبالتالي، فإن تحويل هذه الأنشطة الأدبية إلى مؤسسات قضائية هو محض وهم لم تؤيده النصوص الأصلية، وإنما روج له نوسترادام ومن تبعه في القرنين السابع والثامن عشر كحقيقة مستقرة.
خيالات القرن الثامن عشر ولوجراند دوسي
في القرن الثامن عشر، نشر لوجراند دوسي مجموعة «الفابليو»، وضمنها قصصاً مثل «هيلين وإجلانتين» التي تعرض منافسات بين فتيات حول مزايا عشاقهن، حيث يلجأن لـ«مجلس الحب» للفصل بينهن. وقد أرفق دوسي بحثاً خيالياً يزعم فيه أن هذه المجالس كانت قوانين غريبة أدركتها الروح الإنسانية، وادعى أنها كانت تهدف لتقرير إجابات للمسائل العاطفية العالقة في «مجادلات اللهو»، وأن النساء استحوذن على هذه المحاكم تماماً.

مبالغات دوسي حول السلطة القضائية للمجالس
تمادى لوجراند دوسي في وصف سلطة هذه المجالس، زاعماً أنها كانت تدعو المذنبين من المحاربين الأشرساء للمثول أمامها، وأنهم كانوا يطيعون أحكامها دون تذمر. ووصف «توقيفات الحب» بأنها كانت بمثابة قوانين رسمية في فرنسا لفترة طويلة. لكن هذه الاستنتاجات تفتقر لأي برهان حقيقي، حيث اعتمدت على مبالغات نوسترادام وعلى الهوى الشخصي لمارتيال دوفيرن الذي لم تكن كتاباته سوى سخرية أدبية.
اكتشاف وثيقة أندريه لوشابيلان وتأثيرها
تغير مسار القضية في القرن التاسع عشر باكتشاف مخطوط «فن الحب» «De Arte Amandi» لأندريه لوشابيلان، الذي يعود للقرن الرابع عشر ولكنه يسرد محاكمات من القرن الثاني عشر. ادعى هذا المخطوط وجود أحكام صادرة عن سيدات عظيمات مثل ألينور داكيتانيا وماري دي شامباني. وقد استغل عالم اللغات رينوارد هذا الاكتشاف عام 1817 ليمنح الرواية سنداً تاريخياً مباشراً في كتابه «مختارات من شعر التروبادور».
رؤية رينوارد لتطور مجالس الحب
استخلص رينوارد من مخطوط لوشابيلان عدة استنتاجات حول وجود هذه المجالس:
1. وجود مجالس الحب
إن تلك المجالس كانت، دون شك، موجودة سابقًا في القرن الحادي عشر، وقبل كل شيء في جنوبي فرنسا. وكان ذلك على كل حال موجودًا في نهاية القرن الثاني عشر، إذ إن مخطوط لوشابيلان يذكر ذلك، بحسب قراءة رينوارد له.
- من سيدات جاسكوني «Gascogne»: محاكمة واحدة.
- من إيرمنجارد «Ermengarde»، زوجة فيكونت دي ناربون: خمس محاكمات.
- من كونتيسة فلاندر «Flandres»: محاكمتان.
2. كيفية تكوين تلك المجالس
كان يوجد «عدد كبير من السيدات» يُدعَين عمومًا من قِبل السيدة الرئيسة إلى هذه المجالس. وكان مُعيَّنًا، من أجل عقد واحد من الاجتماعات في أثناء ذلك أن تدعو كونتيسة دي شامباني «ستين سيدة للاجتماع». وكان ذلك يتعلق بالحكم على مُحب «كاتم سر» كان قد قَبِل من صديق له دور الوسيط لدى سيدة ما، وطلب من ثم حبها، ونال مراده في حب السيدة المذكورة! وهو مثال يُبرز الطابع الأخلاقي والاجتماعي لهذه القضايا.
3. شكل المحاكمات المقضي بها
يقول رينوارد: كان الخصوم، منذ مدة وجيزة، يمثلون أمام المحكمة بدعوة من السلطة، ويرفعون دعواهم، ومنذ مدة وجيزة أيضًا كانت السيدات يتناقشن ويصدرن حكمهن على المسائل البسيطة التي كانوا يطرحونها. وكان يوجد «قانون حب»، كانت المادة الواحدة والثلاثون فيه تُستخدم قاعدةً للمناقشات، وتلتقي النتائجُ عندها.
ولم يكن يوجد، حتى تأليف الكتاب نفسه، أحكام مخالفة لتلك التي كانت في المحاكمات القضائية في العصر نفسه، وهو ما يوحي بوجود نظام متماسك ذي قواعد محددة.
4. المواد المتناولة
ذلك هو موضوع المحاكمات العشر التي كوَّنت فصلًا كاملًا في المخطوط، وسننقله ونشرحه ونعلِّق عليه فيما بعد. إن «مجالس الحب»، بالنسبة لرينوارد، كانت كثيرًا ما محاكمات نسائية، مثلما كانت لدى أسلافه تمامًا، أو على الأقل كان يظن أن باستطاعته إقامة بحثه على دليل شرعي أكيد. وسنرى فيما بعد، وعند دراسة هذا الدليل عن قرب، ما إذا كانت كل نتائج رينوارد قادرة على أن تكون تأييدًا له، أم أن الدليل ذاته يظل قابلًا للنقاش.
ستندال ومحاولة مأسسة مجالس الحب
اعتمد الكاتب ستندال عام 1822 على أفكار رينوارد في كتابه «عن الحب»، مؤكداً وجود هذه المجالس في فرنسا بين عامي 1150 و1200م. وحاول ستندال إيجاد مقاربة تاريخية لهذه الظاهرة بربطها بمجلس مارشالات فرنسا الذي أنشأه لويس الرابع عشر، معتبراً أن مجالس الحب كانت تهدف للتشريف المعتمد على الفكر، وأن السيدات كنّ يصدرن أحكاماً في مسائل الحقوق العاطفية، مثل مدى مشروعية الحب بين المتزوجين.
في الختام، يظهر أن قضية «مجالس الحب» تتأرجح بين كونها نشاطاً أدبياً راقياً يهدف لتهذيب الأخلاق في العصر الذهبي للفروسية، وبين محاولات لاحقة في القرون التالية لتحويلها إلى مؤسسات قضائية صلبة.
ورغم أن الأدلة التاريخية المعاصرة تميل إلى اعتبار هذه المحاكم نوعاً من «التخييل الاجتماعي» أو «الألعاب الأدبية» التي ازدهرت في أوساط النخبة، فإن تأثيرها على تشكيل مفهوم الغزل وأدب الملاطفة يظل حقيقة لا يمكن إنكارها، مما يجعلها نافذة فريدة لفهم الوجدان الإنساني في العصور الوسطى.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.