قبيلة ثقيف إحدى القبائل العربية المشهورة والمعروفة، وينتسب إليها القائد محمد بن القاسم الثقفي فاتح بلاد السند، وكانت تنزل الطائف، وهذه القبيلة أسهمت بدور فعال في مجرى الأحداث التاريخية في العصرين الجاهلي والإسلامي. وجدير بالأهمية أن نسلط الضوء على مكانة هذه القبيلة ونتعرف على مكانها في الأنساب العربية؛ لأن هذه الأنساب تمثل إلى حد كبير الركيزة القوية للتاريخ العربي الإسلامي، ولا يتسنى للباحث فهم وقائع هذا التاريخ إلا بدراسة علم الأنساب عند العرب؛ نظرًا لارتباطه الوثيق برجالاته وصانعي أحداثه.
ونجد أن العرب اهتموا بأنسابهم وبنوا عليها عصبتهم وأصبحوا في كل مكان يصلون إليه ينقسمون فرقًا وطوائف حسبما اعتقدوا في نسبهم؛ وهذا بالتالي يسهل عملية الوقوف على أحداثهم؛ لأنهم دائمًا يتكتلون ويتعاطف القريب منهم نحو قريبيه كلما جدَّ البُعد.
وعندما يرغب الباحث في استقصاء وتحقيق شخصية من رجال التاريخ سيجد أغلب معلوماته عن هذه الشخصية قد احتواها تاريخ قبيلته. فمثلًا محمد بن القاسم الثقفي قائد ظهر على مسرح الأحداث اعتبارًا من عام 84 هـ. وللاطلاع على شخصيته لم تمدنا المصادر بالمعلومات الوافية، وأخيرًا أمام هذا الغموض الذي يكتنف شخصيته ويحيط بأطوار حياته لجأت إلى إعطاء صورة معبرة عن قبيلته، وبذلك يمكن أن نستشف الجوانب الشخصية لهذا القائد من تاريخ ثقيف، ومدى تأثر هذه القبيلة بالأحداث، ومدى تأثيرها أيضًا في مجرى الأحداث، سواء في الجاهلية أو في صدر الإسلام أو في عهد دولة بني أمية التي ظهر فيها هذا القائد على المسرح السياسي.
ويختلف النسابون العرب في نسب قبيلة ثقيف، وفي تحديد أصل هذه القبيلة. ولهم في ذلك أربعة آراء.

فمنهم من ينسبها إلى قيس عيلان، وآخرون ينسبونها إلى إياد، وبالتالي فهذان النسبان يلتقيان عند جد واحد هو معد بن عدنان. أما الفريق الثالث فقد شطح بعيدًا وأخرج ثقيفًا من العرب العاربة والمستعربة وألحقها بثمود وهي إحدى قبائل العرب البائدة.
وأما الفريق الرابع من النسابة فيرى أن ثقيفًا كان عبدًا للنبي صالح عليه السلام، وأنه هرب منه واستوطن الحرم، وقيل إنه كان رجلًا عشَّارًا وجائرًا في الزمن الأول، وقيل أيضًا إنه دليل للأحباش حين توجهوا لهدم الكعبة في الطريق، إلى غير ذلك من الأقوال.
ولتوضيح ذلك نقول: إن أصحاب القول الأول ينسبون ثقيفًا إلى قسي بن منبه بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن حصفة بن قيس عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ويمثل هذا الرأي عدد من النسابة والمؤرخين العرب بينهم ابن هشام وابن عبد البر وابن حزم والسمعاني وابن خلدون.
أما الفريق الثاني وهم الذين ينسبون ثقيفًا إلى إياد فيقولون: إن ثقيفًا هو قسي بن النبيت بن منبه بن منصور بن يقدم بن أفصى بن دعمي بن نزار بن معد بن عدنان. ويعترف بهذا النسب عدد آخر من النسابة والمؤرخين بينهم هشام بن محمد الكلبي وابن إسحاق واليعقوبي والبكري وابن خلكان.
وبعض يرى أن ثقيفًا كان أصلها يرجع إلى إياد، إلا إنها عادت وانتسبت إلى قيس عيلان في ظروف غامضة.
أما الذين ذهبوا إلى نسبة ثقيف إلى ثمود فقد احتجوا بأحاديث نسبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بروايات مختلفة بينها حديث يقول: «كل العرب من ولد إسماعيل إلا جرهم فإنهم من عاد، وثقيف فإنهم من ثمود، وقبائل أخرى من حمير فإنهم من تبع». ورُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: جرهم من بقايا عاد، وثقيف من بقية ثمود، وأصبح من حمير في تبع.
ومن الملاحظ أن المحدث الأندلسي المشهور ابن عبد البر قد شك في تلك الأحاديث التي تنسب ثقيفًا إلى ثمود وقال عنها: وهي آثار كلها ضعيفة الأسانيد لا يقوم بشيء منها حجة، والله أعلم بصحة ذلك.
والذي يهمنا أن ثقيفًا عند ظهور الإسلام كانت تنسب إلى هوازن وقيس عيلان، ويتمسك معظم بنيها بهذا النسب، وعليه عصبتهم ومفاخرتهم.
بطون ثقيف
وبعد أن ألقينا الضوء على نسب ثقيف يجدر بنا أن نبين بطون ثقيف وأفخاذها ونوضح المشاهير من كل فخذ من أفخاذ ثقيف. وقبل تبيان بطون ثقيف يمكن أن نقول إن ثقيفًا نزلت الطائف في زمن غير محدد، وما لبثت أن غلبت على منطقتها، وأصبحت القبيلة ذات البأس فيها، وتكاثرت وأدى ذلك التكاثر إلى انقسامها إلى بطنين كبيرين هما: عوف، وجشم.
أما عوف فقد تحالفت مع غاضرة -وهي بطن من جشم- ضد بني مالك بن حطيط بن جشم فسموا بذلك الأحلاف، ونتيجة لهذا التحالف تشكَّلت جبهتان داخليتان ضد بعضهما من ثقيف وحدثت بينهما حروب طاحنة. وكان سبب تلك الحروب هو أن الأحلاف أثروا وكثرت خيلهم فحموا لها حمى من أرض بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن يقال له جلذان؛ فغضب لذلك بنو نصر وقاتلوهم عليه، ولجت الحرب بينهم، وكان اللقاء بين الأحلاف بقيادة سعود بن معتب وبني نصر بقيادة عُفيف بن عوف بن عُباد النصري ثم اليربوعي، ولهذا الحديث اغتنم بنو مالك الفرصة وأعلن قائدهم جندب بن عوف بن الحارث بن مالك بن حطيط بن جشم محالفته لبني يربوع.
ولقد برز من كلا البطنين رجال مشهورون، وأنجبت ثقيف كثيرًا من الشخصيات البارزة على مدى العصرين الجاهلي والإسلامي، ومن الملاحظ أن نسبة هذه الشخصيات في الأحلاف أكثر منها في بني مالك.

فمن الأحلاف نجد القائد محمد بن القاسم الثقفي، ووالده، وابن عمه الحجاج بن يوسف الثقفي والي العراق في عهد عبد الملك بن مروان وابنه الوليد، وهو الشخصية البارزة في ذلك العصر والرجل الذي ثبَّت دعائم الأمن والاستقرار للدولة الأموية وشارك في عملية البناء والإصلاح وخطط لفتوحات المشرق التي من بينها فتح بلاد السند، وساعد على نجاح تلك الفتوحات إذ كان يمثل هيئة أركان الحرب لفتوحات المشرق. وبرز أيضًا من الأحلاف أخوه محمد بن يوسف الذي ولي اليمن، ومنهم كان معتب بن مالك بن كعب الذي بعثه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قومه داعية إلى الإسلام فقتلوه.
ومنهم المغيرة بن شعبة الذي ولي الكوفة، والداهية المشهور يوسف بن عمرو والي العراق، وغيلان بن سلمة صاحب الوفادة المعروفة على كسرى، والحارث بن كلدة طبيب العرب المشهور، وأمية بن أبي الصلت الشاعر المعروف.
ويُنسب إلى الأحلاف أيضًا: أبو عبيد بن مسعود الذي استشهد يوم الجسر، وأبو محجن بن حبيب بن عمرو الذي حُدَّ في الخمر وأبلى البلاء المشهود في معركة القادسية، والمختار بن أبي عبيد صاحب الفتنة المعروفة باسمه في العراق.
أما بنو مالك فقد ظهر منهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة صاحب لواء المشركين في حنين وقتل يومئذٍ كافرًا، ومن ولد عثمان عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان وهو الذي يقال له ابن أم الحكم بنت أبي سفيان أخت معاوية، وقد ولي عبد الرحمن هذا الكوفة وله عقب بدمشق، وابنه كان الحر بن عبد الرحمن أمير الأندلس لسليمان بن عبد الملك وإليه ينسب بلاط المعر بشرقي قرطبة، ومنهم عثمان بن أبي العاص وهو من خيار الصحابة ولَّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الطائف وغزا فارس وثلاثة من بلاد الهند وله فتوح وإليه ينسب شط عثمان بالبصرة، ومنهم إخوان عثمان المذكور وهم الحكم والمغيرة وحفص، وجدهم بشر بن عبد بن دهمان بن عبد الله بن همام بن أبان بن سيَّار بن مالك بن حطيط بن جشم بن قسيّ، وهؤلاء أعقابهم بالبصرة ولهم شرف وعدد بها.
وبعد هذه الإلمامة اليسيرة لبيان بعض المشاهير من ثقيف نستطيع أن نقرر بأن هذه القبيلة أنجبت كثيرًا من الشخصيات والقادة الذين أسهموا بدور مرموق وعايشوا الأحداث التي اشتركت فيها جميع القبائل العربية، واستطاعوا أن يسهموا في بروز الدولة الأموية وخاصة في عصر عبد الملك بن مروان وابنه الوليد؛ لما كان يتمتع به المشاهير منهم كالحجاج وغيره من الثقفيين من الحظوة لدى الخليفة، ومن بعده ابنه الوليد الذي تلقى وصية خاصة من والده باحترام الحجاج وآل بيته.
وقد يطول بنا الحديث ويضيق مجال البحث لو استقصينا وتتبعنا حياة كل نابه وذي شأن من هذه القبيلة التي برز منها القائد والمحدث والعالم النحوي والطبيب. وليس أدل على ذلك من بروز محمد بن القاسم البطل القائد وغيره من بني ثقيف.
موطن ثقيف
استوطنت ثقيف مدينة الطائف، وهي تقع على مرحلتين من مكة، وهي مدينة جاهلية قديمة تنسب إلى وج بن عبد الحي من العماليق، وسُميت باسمه (وج)، ونُسب إليها واديها فقيل: وادي وج، إلى أن بنت ثقيف حولها سورًا يطوف بها يمنعها من غارات المغيرين؛ ومن ذلك الحين سُميت الطائف. فقال أبو طالب:
منعنا أرضنا من كل حيٍّ *** كما امتنعت بطائفها ثقيف
أتاهم معشرٌ كيْ يسلبوهم *** فحالت دون ذلكم السيوف
وكانت في العصر الجاهلي قريتان فقط، إحداهما تُدعى طائف ثقيف وهي مما يلي الطائف، والأخرى على الجانب الآخر ناحية الوهط، والوادي يمر بين القريتين. وعلى الرغم من جودة محاصيل الطائف الزراعية وجودة فاكهتها وكثرة أعنابها وتفوق أهلها في عمل الدباغ وصناعة المنجنيق وتعاطيهم كل أسباب التجارة، فإن الطائف إذ ذاك كانت على حالة سيئة: بيوتها لاطئة حرجة، وبقايا مياه الوادي تجري عليها، ومياه المدابغ التي يدبغ فيها الأديم تصرع الطيور رائحتها إذا مرت بها.
قال ياقوت الحموي: وهي طيبة الهواء شمالية، ربما جمد فيها الماء في الشتاء، وفواكه أهل مكة منها، والجبل الذي هي عليه يقال له غزوان.
ويذهب الأخباريون إلى أن اسمها (وج) نسبة إلى (وج) أخي (أجا) الذي سُمي به جبل طيء وهما من العماليق، وإنما سميت الطائف بحائطها المطيف بها الذي أقامه رجل دعوه (الدمون) حتى لا يصل إليهم أحد من العرب كما مر آنفًا، لكنهم بعد ذلك حاولوا إعطاء المدينة صفة مقدسة، ربما بتأثير من بني ثقيف سكان الطائف فزعموا بأنها من دعوات إبراهيم الخليل، وأنها أرض ذات شجر كانت حول الكعبة، ثم انتقلت من مكانها بدعوة إبراهيم، فطافت حول البيت ثم استقرت في مكانها، فسُميت الطائف، وزعم آخرون أن جبريل قد اقتطفها من فلسطين وسار بها إلى مكة وطاف بها حول البيت ثم أنزلها حول الطائف.
ولكن هذه الآراء واضحة البطلان؛ لأن السر في جمال الطائف وجودة جوها هو وجودها في مكان مرتفع عن سطح البحر إلى درجة كبيرة، حتى إن بعض السحب تصطدم ببيوتها، وقد ساعد هذا الجو على وجود البساتين بها. فهي ترتفع على ظهر جبل غزوان وترتفع عن سطح البحر بنحو خمسة آلاف وأربعمائة قدم، وتمتاز بخصوبة تربتها وجودة مناخها، وكان من أثر ارتفاعها عن سطح البحر وكثرة المزارع والنخيل بها أن اتخذها أشراف مكة مصيفًا لهم، حيث كانوا يتمتعون بالراحة مدة الصيف في قصورهم التي أنشأوها هناك.
أما أول من نزل الطائف فهناك من يزعم أن أول من سكنها العماليق، ثم غلبهم عليها بنو عدوان من قيس عيلان، ثم بنو عامر بن صعصعة، ثم أخذتها منهم ثقيف.
وهنالك آخرون زعموا أن الذين سكنوا الطائف بعد العماليق إنما هم قوم ثمود قبل ارتحالهم إلى وادي القرى، ومن ثم فقد ربط أصحاب هذه الرواية نسب ثقيف بالثموديين الذين نسبوهم إلى جد أعلى هو (قسي بن منبه) الذي يجعله بعضهم من (إياد)، في حين يجعله البعض الآخر من هوازن.
استيلاء ثقيف على الطائف
كانت أرض الطائف قديمًا لعدوان بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر، فلما كثر بنو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان غلبوهم على الطائف بعد قتال شديد.
وكان بنو عامر يصيفون بالطائف ويشتون بأرضهم من نجد، وكانت مساكن ثقيف حول الطائف، فرأت ثقيف البلاد فأعجبهم نباتها وطيب ثمرها فقالوا لبني عامر: إن هذه الأرض لا تصلح للزرع، وإنما هي أرض ضرع، ونراكم آثرتم الماشية على الغراس، ونحن ليس لنا مواشٍ، فهل لكم أن تجمعوا الزرع والضرع بغير مؤونة. نحن نكفيكم المؤونة والعمل، فإذا كان وقت إدراك الثمر كان لكم النصف كاملًا ولنا النصف بما عملنا. فرغب بنو عامر في ذلك وأسلموا إليهم الأرض فنزلت ثقيف الطائف واقتسموا البلاد وعملوا الأرض وزرعوها من الأعناب والثمار ووفوا بما شرطوا لبني عامر حينًا من الدهر، وكان بنو عامر يمنعون ثقيفًا ممن أرادهم من العرب.

وهكذا استطاعت ثقيف أن تبني لنفسها قوة، وبوسائلها السابقة استطاعت الحصول على الأرض من بني عامر، واهتمت ثقيف بهذا الاتفاق الذي أبرمته مع بني عامر. ولكن عندما كثرت وشرفت حصَّنت بلادها وبنوا سورًا على الطائف وحصَّنوه ونقضوا الاتفاق مع بني عامر ومنعوهم مما كانوا يحملونه إليهم عن نصف الثمار.
ونظرًا لهذا الموقف المتشدد من ثقيف أراد بنو عامر أن يستعيدوا الطائف منهم أو على الأقل الحصول على ما اتفقوا عليه فلم يقدروا عليه فقاتلوهم فلم يظفروا. وهكذا استأثرت ثقيف بالطائف وأصبحت ذات النفوذ الكامل فيه، واستطاعت ثقيف أن تجني ثمرة جهدها المتواصل وتكاتفها مع بعضها وشعورهم بالخطر الذي يحيط بهم، وطمع من حولهم من العرب بغزوهم؛ فأخذوا للأمر عدته.
ولا غرابة؛ فشعورهم بالخطر جعل نساءهم يشاركنهم في بناء الحصن، حيث كن يلبن اللبن والرجال يبنون الحائط. ومن شدة حرصهم على تحصين مدينتهم جعلوا لها بابين؛ أحدهما لبني يسار وسمي صعبًا، والآخر لبني عوف وسمي ساحرًا.
ومن الملاحظ أن عدم وفاء ثقيف بالشرط المبرم مع بني عامر كان سببه يعود إلى أن العرب الذين هم حول ثقيف غزوهم فاستغاثوا ببني عامر فلم يغيثوهم؛ فقررت ثقيف بناء الحائط ومن ثم مقاطعة بني عامر، وجرت بينهم حرب انتصرت فيها ثقيف وتفردت بملك الطائف، فضربتهم العرب مثلًا: فقال أبو طالب:
منعنا أرضنا من كل حيٍّ *** كما امتنعت بطائفها ثقيف
أتاهم معشرٌ كيْ يسلبوهم *** فحالت دون ذلكم السيوف
وقال بعض الأنصار:
فكونوا دون بيضكم كقوم *** حموا أعنابهم من كل عادي
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.