إسهامات علماء المسلمين العرب في علم الصيدلة وتاريخها في الحضارة الإسلامية

هل تعلم أن أول صيدلية في التاريخ شُيدت في بغداد؟ إن تاريخ علم الصيدلة عند العرب ليس صفحات من الماضي، بل هو حجر الأساس للطب الحديث.

في هذا المقال، نكشف لك عن أسرار نشأة علم الصيدلة وكيف قاد علماء الصيدلة المسلمين ثورة علمية؟ واضعين أول دساتير للأدوية ومبتكرين حلولًا علاجية غيرت وجه البشرية للأبد.

نتيجة التقدم الكبير الذي أحرزه علماء العرب والمسلمين في مجالات عدة وعلوم مختلفة، انطلق العرب في دراسة علم الأدوية بمصادرها المعدنية والنباتية والحيوانية، وكتبوا كثيرًا من الرسائل والمؤلفات والموسوعات التي تعبر عن هذا المجهود الكبير وتظهر فيها الاكتشافات وإسهامات العلماء العرب والمسلمين في تطور الطب والصيدلة الكبيرة للحضارة العربية والإسلامية في تاريخ علم الصيدلة.

كان العرب والمسلمون هم أول من وضعوا دساتير للأدوية، وأول من صنعوا أقراص الدواء، وأول من صنفوا السموم، إضافة إلى تنظيم مهنة الصيدلة بوصفها مجالًا منفردًا عن الطب والجراحة وعلم النبات.

نصحبك في جولة سريعة في تاريخ الصيدلة عند العرب، وإسهامات الحضارة العربية والإسلامية في ذلك العلم الذي ارتبط بعلوم كثيرة، لكي يصل إلى ما هو عليه من الجهود والاكتشافات والبحوث والترجمات.

نشأة وتاريخ علم الصيدلة

ربما بدأ تاريخ علم الصيدلة مع بداية الإنسان على الأرض. فقد مارس الإنسان الأول مجموعة من الإجراءات البدائية لمعالجة الحروق والجروح والآلام، فبدأ الأمر بمراقبة الحيوانات التي كانت تتجه إلى أعشاب ونباتات معينة من أجل التداوي، مثل الكلاب التي كانت تأكل أعشابًا محددة عندما تشعر بالمرض، والقطط التي كانت تبحث عن نبات النعناع ليساعدها في طرد الغازات.

ومع الوقت، بدأت الصيدلة ترتبط بتوليف الأدوية ومعرفة خواص النباتات المختلفة وتركيب المواد من أجل الوصول إلى الأدوية المناسبة للأمراض الشائعة، وهو ما جعل مهنة الصيدلة مهنة خاصة تحتاج كثيرًا من المعرفة والخبرة لينتقل الطب من العلاج بالتعاويذ الدينية إلى استخدام الأدوية والمواد الكيميائية، وهذا يوضح كيف نشأ علم الصيدلة وتطور عبر الزمن.

وقد ظهرت حضارات كان لها جهود كبيرة في صناعة الأدوية، مثل الطب الصيني التقليدي (Traditional Chinese Medicine) والحضارة الصينية التي كانت تستخدم الأعشاب والنباتات الطبية.

فكانوا أول من عرفوا علوم الصيدلة وتجريب الأدوية في القرن الثاني والعشرين قبل الميلاد، بل ظهرت بعض المؤلفات التي تحتوي على أصناف النباتات وأخلاطها وتأثيرها في بعض الأمراض. أيضًا كانت مهنة الصيدلة تمارس في مصر القديمة على يد الكهنة الذين كانوا يحتكرون الطب والصيدلة.

وفي القرن 30 قبل الميلاد، سجَّل المصريون كثيرًا من خبراتهم عن الأدوية على جدران المعابد وأوراق البردي، وتوجد بردية إيبرس (Ebers Papyrus) الشهيرة التي تعود إلى القرن 16 قبل الميلاد التي تتحدث عن مجموعة من النباتات الطبية التي تنمو في مصر والسودان والصومال والشام، والتي تستخدم في تحنيط جثث الموتى.

بعد ذلك كانت الحضارة الإغريقية من أكثر الحضارات التي استطاعت الاستفادة من تراث الحضارة المصرية والحضارة الصينية فيما يخص التداوي بالأدوية. فقد نشطت مهنة العشابين، وهم من كانوا يجمعون النباتات ويستحضرون العقاقير الطبية، ويصنعون الأدوية التي انتشرت وذاعت شهرتها في كل أنحاء العالم. وكان لديهم أشهر علماء الأدوية، وهو أبقراط الذي أُطلق عليه (أبو الطب).

هذا المجهود البشري الكبير استفاد منه علماء الحضارة الرومانية الذين درَّسوا علوم الطب والصيدلة، واشتهر من بينهم كثير من الأطباء الذين يعالجون بالعقاقير ووضعوا كتب الأعشاب وكيفية الاستفادة منها في تحضير الأدوية، وكان لهم السبق في علاج الجروح والتقرحات والأورام، من خلال صناعة التراكيب التي تعتمد على الأعشاب والمواد المخدرة مثل الأفيون وشجرة الخشخاش.

أما القرون الوسطى فقد شهدت تفوق العرب في مهنتي الطب والصيدلة، ومعرفتهم بكثير من الأمور التي تخص علم الكيمياء وعلم النبات، وهو ما أدى إلى ابتكارهم الأدوية والوصول إلى الحلول للأمراض والحالات الطبية.

لماذا برع العرب في علم الصيدلة؟

والسبب يعود لاهتمامهم بترجمة علوم السابقين وتوافر المواد الخام في البيئة العربية. وظهرت الصيدليات في أوروبا في تلك الفترة، وجرى الفصل بين مهنة الطب ومهنة الصيدلة. وتُرجمت الكتب التي تخص الحضارات الأخرى؛ وهو ما ساعد في تطور علم الصيدلة على نحو كبير.

ومع التطور التكنولوجي الكبير الذي نعيشه الآن، أصبحت الصيدلة من أكثر العلوم تعقيدًا وارتباطًا بالتكنولوجيا وبالعلوم الأخرى، وأصبح لها كثير من المعاهد التعليمية والمنشآت الصناعية. وانقسمت الصيدلة إلى علوم عدة، منها علم الصيدلانيات، وعلم الكيمياء الصيدلانية، وعلم العقاقير الطبية.

إسهامات العرب في الصيدلة

كانت الحضارة العربية والإسلامية في عصورها الذهبية تشارك بفاعلية كبيرة في تطور العلوم، وتمنح الإنسانية ما يوازي هذا التطور. وقد كانت الصيدلة في الحضارة الإسلامية (Islamic Pharmacy) من العلوم والمجالات التي شهدت إسهامات كبيرة من العرب والمسلمين، وبرزت كثير من الأسماء التي شاركت بفاعلية في تطور علم الصيدلة

من أشهر علماء المسلمين في علم الصيدلة؟

من أشهر علماء العرب في علم الصيدلة:

  • ابن سهيلة الطبري: طبيب الخليفة المعتصم الذي كان من أوائل من كتبوا في العقاقير.
  • سابور بن سهل: الذي كان له كثير من الكتب المتداولة في الدولة الإسلامية التي انتشرت في دكاكين الصيدلة وفي المستشفيات فيما يخص الصيدلة، فقد كتب عن تركيب الأدوية وكيفية إعدادها وتجهيزها، وتقسيمه للأدوية لأقراص وحبوب ومعجنات وأشربة.
  • (داود الأنطاكي): من الأسماء اللامعة في علماء الصيدلة المسلمين الذي بزغ نجمه في القرن السادس عشر الميلادي، فكان له كتاب عن العقاقير والنباتات الطبية والعطرية، تحدث فيه عن 1792 صنفًا من الأدوية، وتحدث أيضًا عن الأمراض المتعلقة بهذه الأدوية.

والغريب أنه وصف الأمراض بدقة شديدة وتحدث عن أسبابها العضوية والنفسية والعصبية، ووصف العقاقير، وقسَّمها، وأشار إلى الأنواع المنشطة، والأنواع المهدئة، والأنواع المخدرة. وتحدث باستفاضة عن الجرعة الصحيحة حسب الحاجة، وحذَّر من التعود على بعض العقاقير، وتكلم أيضًا عن الآثار الجانبية لبعض الأدوية.

ولعل (تذكرة داود الأنطاكي) ما زالت تحتفظ بشهرتها حتى الآن، إضافة إلى قيمتها البحثية والعلمية في تاريخ علم الصيدلة، فقد اتبع في كتابتها أسلوبًا علميًّا ومنهجيًّا في البحث والتسجيل، فكان يذكر أسماء العقاقير والنباتات بلغات عدة، وكان يصنِّف الأدوية حسب جودتها ومدى تأثيرها، معتمدًا على الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة.

وتحدث بطريقة علمية عن تأثير الدواء في سائر أعضاء الجسم، وتحدث أيضًا عن مدة صلاحية كل دواء؛ وهذا ما جعل كتاب الانطاكي يتخطى حدود الدولة الإسلامية، ويُترجم إلى لغات أوروبية عدة، ويُدرَّس في معظم المعاهد والأمكنة العلمية المتخصصة في الطب والصيدلة في القرون الوسطى.

العرب ودساتير الأدوية

على الرغم من أن العرب لم يكونوا أول الشعوب التي عرفت الطب والصيدلة؛ فإنهم كانوا أول من وضع دساتير للأدوية، وهي من أبرز ما إسهامات العرب في علم الصيدلة، وذلك على يد ابن سينا الذي كان له أحد أشهر الكتب الموسوعية في الطب على مدى قرون طويلة، وهو كتاب (القانون في الطب) الذي خصص الجزء الثاني منه لأسماء النباتات وخواصها وكيفية استعمالها في كل مرض، وهو ما ضم نحو 1000 نبتة وعشبة.

ومن الجدير بالذكر أن أول دستور طبي ضم الأدوية ظهر بعد كتاب ابن سينا، جاء بعد نحو خمسة قرون عندما صدر دستور الأدوية في ألمانيا، ثم إنجلترا، وعلى الرغم من ذلك، فقد ظل كتاب القانون في الطب لابن سينا مقررًا في كثير من الكليات في فرنسا وألمانيا وإنجلترا حتى عام 1650 ميلادية.

العرب وصناعة أقراص الدواء

كان للعرب والمسلمين إسهامات كبيرة فيما يخص تصنيف كتب الصيدلة واكتشاف كثير من العقاقير الجديدة، إضافة إلى العقاقير الموجودة في الأساس. فقد رتَّب المؤلفون والعلماء العرب الأدوية والنباتات، وهو ما ظهر مثلاً في كتاب (الحاوي) لأبي بكر الرازي، وكتاب (الصيدلة في الطب) للبيروني، وكتاب (كامل الصناعة) لعلي بن عباس، وكتاب (القانون) لابن سينا.

أما الإنجاز الأكبر في ذلك المسار فقد كان صناعة أقراص الدواء من قبل أبي القاسم الزهراوي (Al-Zahrawi) الذي وصف بالتفصيل كيف صنع الحبوب بعمل القوالب وصب الأقراص وطباعة الأسماء عليها باستخدام ألواح الأبنوس أو العاج، وكيف حدَّد حجم الأقراص، واستخدم وسائل عدة تمنع غش الأدوية من أجل ممارسة الرقابة الطبية عليها.

لذا الزهراوي يُعد المؤسس والرائد الأول في صناعة أقراص الدواء، لكن علماء أوروبا لم يعترفوا بذلك الحق، ولم ينسبوا اختراع أقراص الدواء إلى الزهراوي، على الرغم من أن صناعة أقراص وحبوب الدواء في أوروبا قامت على كتاب الزهراوي وكتاب ابن سينا.

العرب وتصنيف السموم.. وما اسم العالم العربي الملقب بمؤسس علم الصيدلة؟

ولأن الصيدلة قد ارتبطت بكثير من العلوم الأخرى، وعلى رأسها علم الكيمياء فيما يخص تحضير المواد الكيميائية وصناعة الأدوية، فقد ظهر اسم جابر بن حيان -أحد كبار علماء المسلمين في الكيمياء الذي يلقبه المؤرخون بمؤسس الكيمياء الصيدلانية نظرًا لإسهاماته- بوصفه أحد الذين شاركوا في تطور علم الصيدلة.

فقد كان ابن حيان أول من صنف السموم، وألَّف كتابًا سُمي (السموم ودفع مضارها)، قسَّمه إلى خمسة فصول، تحدث فيها عن أنواع السموم وأسمائها وتأثيراتها المختلفة في الإنسان والحيوان.

لم يكتفِ جابر بن حيان بذلك، وإنما أشار إلى العلامات التي يمكن من خلالها معرفة التسمم، وكيفية التصرف مع كل حالات التسمم، وكيف يمكن الاحتراس من السموم.

أيضًا قسَّم جابر بن حيان السموم وفصل بينها، مثل سموم الأفاعي وسموم العقارب، بالإضافة إلى السموم النباتية مثل الأفيون والحنظل، والسموم الحجرية مثل الزرنيخ والزئبق. وهو ما عُدَّ موسوعة طبية ترجمتها واستخدمتها أوروبا بكثافة في القرون الوسطى.

العرب وتنظيم مهنة الصيدلة.. كيف تطور علم الصيدلة عند العرب؟

في الوقت الذي كانت فيه معظم بلدان العالم تتعامل مع الصيدلة والطب بعدِّهما مجالًا وعلمًا واحدًا، كان أطباء العالم العربي والإسلامي يفصلون علم الصيدلة عن الطب، وذلك توازيًا مع كثير من الأمور التنظيمية مثل مراقبة الأدوية ونقل مهنة الصيدلة من كونها تجارة حرة إلى مهنة خاصة تخضع لرقابة الدولة.

وكان الخليفة المأمون قد أمر بعقد امتحان للصيادلة والأشخاص الذين يمارسون مهنة الصيدلة في البلاد، قبل السماح لهم بممارسة تلك المهنة. وأمر الخليفة المعتصم بعد ذلك بمنح شهادات خاصة للأشخاص الذين تثبت جدارتهم في مهنة الصيدلة. وأصبح لكل مدينة كبيرة (عميد للصيادلة) يطوِّر مهنة الصيدلة، ويراقب العاملين فيها. وكان ابن البيطار (Ibn al-Baitar) في القاهرة هو أشهر عميد للصيادلة.

وظهر في عهد الدولة الإسلامية (قسم الأطباء والصيادلة)، فقد كان الطبيب والصيدلي يقسمان على أن لا يعطوا أحدًا دواءً مرًّا، ولا يركبوا له سمًّا، ولا يذكروا للرجال الدواء الذي يقطع النسل، ولا يذكروا للنساء الأدوية التي تسقط الأجنة، إضافة إلى الغض عن المحارم وعدم إفشاء الأسرار، وهو ما يثبت تنظيم العرب لمهنة الصيدلة قبل أن ينتقل هذا النظام إلى أوروبا في عهد الملك فريدريك الثاني في القرن الثالث عشر.

من أشهر علماء المسلمين في علم الصيدلة؟

من أشهرهم: ابن سينا (صاحب القانون)، والزهراوي (مخترع الأقراص)، وابن البيطار (أشهر عشاب)، وجابر بن حيان (مصنف السموم)، والرازي.

ما اسم العالم العربي الملقب بمؤسس علم الصيدلة؟

لا يوجد اسم واحد، ولكن جابر بن حيان يُعد مؤسس الكيمياء الصيدلانية، وابن البيطار يُعد أعظم عالم نباتي وصيدلي في العصور الوسطى، والزهراوي رائد الصيدلة الصناعية.

ما إسهامات العرب في علم الصيدلة؟

فصلوا الصيدلة عن الطب كونها مهنة مستقلة، اخترعوا أشكالًا دوائية جديدة (الأقراص، الشراب)، وضعوا دساتير الأدوية (الأقرباذين)، ونظموا المهنة بالامتحانات والتراخيص.

في الختام، لا يسعنا إلا أن نقف احترامًا أمام عظمة الصيدلة في الحضارة الإسلامية التي حولت العطارة إلى علم دقيق يحكمه القانون والأخلاق. إن إرث علماء الصيدلة العرب ليس تاريخ يُروى، بل هو دعوة لنا جميعًا لاستلهام روح الابتكار والريادة لنعيد بناء مجدنا العلمي من جديد، ونستكمل مسيرة أجدادنا في خدمة الإنسانية.

وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن إسهامات العرب والمسلمين في علم الصيدلة، ونرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة