تاريخ علم التشفير.. كيف أسس العرب علم التعمية قبل قرون؟

علم التشفير أو ما أطلق عليه العرب قديمًا «علم التعمية»، يُعد من العلوم الحديثة في شكله الحالي، ولكنه يمتلك جذورًا عميقة في التاريخ. ومن بين كثير من العلوم والمجالات التي برع فيها العرب وقدموا فيها إسهامات كبيرة استفادت منها البشرية في رحلة التطور الإنساني كان التشفير، فقد حوَّل العرب النصوص الواضحة إلى نصوص مشفرة، وأطلقوا عليه (علم التعمية) الذي أصبح الآن من أهم العلوم التي تدخل في كثير من المجالات ذات السرية الفائقة مثل الشؤون العسكرية والمجالات الدبلوماسية والأمنية، إضافة إلى الإعلام والاقتصاد والتجارة والمعاملات المصرفية.

في هذا المقال، نجيبك عن فما علم التشفير؟ نوضح لك تاريخ التشفير، ونكشف كيف كان للعرب والمسلمين السبق في تأسيس التشفير ووضع قواعده، وسنتعرف على أبرز رواد العرب في التشفير، من الخليل بن أحمد الفراهيدي إلى الكندي وتحليل التردد، مع استعراض الأدوات والأساليب التي استخدموها.

التعريف بعلم التشفير التعمية

يُعَدُّ علم التشفير من العلوم الحديثة، وأطلق عليه العرب قديمًا (علم التعمية)، ويُقصد به إخفاء المعلومات والبيانات بتحويل النصوص الواضحة إلى نصوص غير مفهومة، فلا يستطيع فهمها وقراءتها إلا مَن يمتلك الطريقة لفهم النص، وهو ما أُطلق عليه حديثًا (التشفير).

التعريف بعلم التشفير

ومع استخدام مصطلح التشفير، يأتي استخدام مصطلح آخر وهو فك التشفير أو فك الشفرة أو كما يُطلق عليه حديثًا (الترجمة)، وهو ما يعني استخدام الوسيلة المناسبة من أجل حل أو فك النص والتعرف على البيانات والمعلومات التي يحتويها، وهو ما أطلق عليه العرب (حل المعنى) أو (استخراج المعنى) الذي يعني تحويل النص المشفر إلى نص واضح، وتُعد هذه العملية عملية عكس لعملية التشفير.

تاريخ علم التشفير من الحضارات القديمة إلى العصر الرقمي

على الرغم من أن علم التشفير يُعد من العلوم الحديثة، فإن الفكرة نفسها كانت مستخدمة في الحضارات القديمة، فقد احتاجت معظم الدول والشعوب إلى تشفير بعض النصوص والخطابات والأسرار، وهو ما ظهر في الكتابات المصرية القديمة، وظهر أيضًا في حضارة بلاد ما بين النهرين التي عُثر فيها على كثير من الكتابات التي تحتوي الرموز المشفرة، وعُثر أيضًا في أحد المقابر الفرعونية على كتابات مشفرة يعود عمرها لنحو 3900 سنة.

ومع مرور الوقت بدأت الشعوب والحضارات تستخدم لغات التشفير المختلفة لحماية المعلومات العسكرية. فعلى سبيل المثال، شُفِّرت الرسائل في مدينة سبارتا اليونانية، وشُفرت الرسائل أيضًا في الهند من قبل الجواسيس في القرن الثاني قبل الميلاد، وكثير من النماذج الأخرى في الحضارة الرومانية، أشهرها (تشفير قيصر) الذي كان يقوم على تحويل الحروف إلى رسائل مشفرة بوضع إشارات معينة أسفل الحروف الأبجدية بنظام محدد يستطيع فقط المستلم فكَّه، وإلا لن تصبح الرسائل قابلة للقراءة.

أما علم التشفير فقد بدأت ملامحه تظهر على يد العرب في القرن الثامن الميلادي، وطوَّر الكندي الذي يُعد من أهم علماء الرياضيات في الحضارة الإسلامية ما عُرف بعد ذلك بتقنية (تحليل التردد) التي وضعت منهجية لفك رموز الرسائل المشفرة، وهو ما دفع علم التشفير إلى البحث عن بدائل جديدة والتطور أكثر فأكثر.

شهد تاريخ التشفير تطورًا كبيرًا في القرن الخامس عشر بوضع تقنية (الشفرة متعددة الأبعاد) التي تستخدم فيها اثنين من الحروف الهجائية، فتُكتب الرسالة المشفرة بحرف معين، وتُفك شفرتها بحرف آخر، وهو ما جعل فك التشفير أكثر صعوبة.

عبقرية الكندي.. وكيف يعمل تحليل التردد؟

يُعد تحليل التردد الإنجاز الذي نقل التشفير من مجرد فن إلى علم حقيقي. فكرته بسيطة وعبقرية: في أي لغة، هناك حروف تتكرر أكثر من غيرها (مثل حرف الألف واللام في العربية، وحرف E في الإنجليزية).

اكتشف الكندي أنه بمجرد عد الرموز الأكثر تكرارًا في رسالة مشفرة، يمكن مطابقته بالحرف الأكثر شيوعًا في اللغة، ثم الحرف الذي يليه، وهكذا. بهذه الطريقة المنهجية، يمكن كسر أي شفرة تعتمد على استبدال الحرف بحرف أو رمز آخر، وهو ما يُعرف بـ(شفرة الاستبدال). هذا الاكتشاف المذهل موثق في مخطوطته (رسالة في استخراج المعمى) التي تعود للقرن التاسع الميلادي.

ومع الوقت تقدم التشفير، حتى اخترع (عجلة التشفير) في القرن التاسع عشر التي تتكون من 36 حلقة من الحروف، وتستطيع تشفير الرسائل والمستندات بصورة معقدة، وهو استخدم في المجالات العسكرية في معظم الحروب التي شهدها النصف الأول من القرن العشرين.

وكان قيام الحرب العالمية الثانية سببًا كبيرًا في تطور علم التشفير. ولعل آلة (إنغما) التي صُنعت في أثناء الحرب مثالًا على تطور أدوات التشفير وفك التشفير، وكانت الآلة سببًا رئيسًا في انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، حتى اختراع الكمبيوتر الذي ساعد في كسر شفرة إنغما، ودخل معه علم التشفير إلى مرحلة جديدة.

آلة (إنغما)

وحديثًا أصبح علم التشفير الرقمي يعتمد على خوارزميات معقدة ترتبط باستخدام الحاسوب وتعتمد على فرضيات حسابية؛ ما زاد صعوبة فك الشفرات، وهو ما فتح المجال لاستخدام علم التشفير في كثير من الأمور الأمنية والعسكرية، حتى فيما يخص العملات الرقمية والاتصالات، ومنع التجسس، ومواجهة القرصنة الإلكترونية، وتأمين التجارة، وتبادل المعلومات، وطرق الدفع، حتى عملية التصويت الإلكتروني أصبح تأمينها بالتشفير.

إسهامات العرب في علم التشفير

في كتابه الشهير (مستخرجو الرموز)، يقول المؤرخ الأمريكي لعلم التشفير (ديفيد كاهن) إن علم التشفير أو علم التعمية هو علم عربي في الأساس، فقد اكتشف العرب أول طرق التشفير والتعمية، وكانوا أول من وضعوا مبادئ استخراج المعمى الذي يساوي فك التشفير، لكن كثيرًا من المعلومات والمؤلفات والجهود التي بذلها العرب في ذلك العلم قد تقلصت وغابت مع أفول الحضارة الإسلامية.

كيف أسس المسلمون علم استخراج المعمى؟

يشير المؤرخ ديفيد كاهن إلى (ابن الدريهم) بأنه أول من كتب علم التشفير بعنوان (مفتاح الكنوز في إيضاح المرموز) التي سبق بها الإيطالي (ليون باتيستا البيرتي) الذي يُلقب في الغرب بـ«أبو علم التشفير الحديث» ويُنسب إليه تأسيس علم التشفير في القرن الخامس عشر، ووضع كثيرًا من قواعد علم التشفير.

ابن الدريهم

ويشير المؤرخ ديفيد كاهن إلى بعض الأسماء العربية التي يقول إنها قد شاركت في تأسيس علم التشفير، مثل (القلقشندي) الذي كتب مقالة بحثية عن الكتابة السرية، أشار فيها إلى ابن الدريهم وإلى مخطوطته، وهو ما يدل على أن العرب هم أول من أسسوا علم التشفير من وجهة نظر المؤرخ الأمريكي.

من ناحية أخرى فإن كثيرًا من المصادر الأخرى العربية وغير العربية تشير إلى أن علم التشفير أو علم التعمية يعود إلى كثير من العلماء والباحثين العرب وعلى رأسهم الكندي الذي كان له رسالة شهيرة بعنوان (رسالة الكندي في استخراج المعنى) وهو ما يدل على تأسيس العرب لعلم التعمية قبل خمسة قرون في الأقل من رسالة ابن الدريهم الذي عاش في القرن الثامن الهجري، في حين عاش الكندي في القرن الثالث الهجري.

أسباب تقدم العرب في علم التشفير

أسهمت كثير من العوامل في ظهور علم التشفير وتقدمه في زمن النهضة الإسلامية والعربية. ولعل أبرز هذه العوامل هي حركة الترجمة الكبيرة التي ساعدت العرب في الاطلاع على منجزات الحضارات السابقة، إضافة إلى عناية العرب باللغة وعلومها؛ وذلك لأسباب علمية تتعلق بدراسة اللغة ذاتها، ولأسباب دينية تتعلق بكونها لغة القرآن.

من ناحية أخرى، فإن تقدم العرب في الرياضيات، وتحقيقهم كثير من الاكتشافات، وظهور علماء كبار في ذلك المجال ساعد في تقدم علم التشفير واستخراج المعلومات الذي يعتمد في الأساس على الرياضيات والحساب.

أما الحاجة التي دفعتهم إلى تأسيس علم التشفير وتطويره مع الوقت فهي الحاجة الإدارية والتنظيمية والأمنية التي ظهرت مع امتداد الدولة الإسلامية وتشعب المجالات الإدارية والعسكرية، لذا ظهرت أهمية تشفير الرسائل والمكاتبات والأوراق السرية والوصايا، وكثير من النصوص التي كانت تتمتع بأهمية وخطورة كبيرة.

أشهر رواد علم التشفير العرب

شهد علم التشفير أو التعمية جهودًا كبيرة لكثير من الأسماء التي برزت في علوم أخرى بجانب علم التشفير، ولعل أبرز هذه الأسماء هو اللغوي الكبير الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي كان أول من وضع (علم التعمية)، ووضع كثيرًا من القواعد التي تساعد في تعمية الرسائل، ووضع أيضًا القواعد التي تساعد في فك تلك التعمية، وذلك في القرن الثاني الهجري.

أيضًا كان جابر بن حيان الذي يُعد أحد أهم علماء المسلمين في الكيمياء الذي عاش في القرن الثاني الهجري، من أهم الأسماء التي كان لها جهود كبيرة في علم التعمية. وله كتاب رائع في ذلك العلم بعنوان (حل الرموز ومفاتيح الكنوز)، قبل أن يأتي ثوبان بن إبراهيم، المشهور باسم (ذي النون المصري) ويضع كتابه في علم التعمية بعنوان (حل الرموز وبرء الأسقام من أصول اللغات والأقلام).

كتاب حل الرموز ومفاتيح الكنوز

ومن أشهر الأسماء العربية والإسلامية التي نشطت في علم التشفير كان يعقوب بن إسحاق الكندي الذي كان له رسالة مهمة بعنوان (استخراج المعنى) تُرجمت إلى اللغة اللاتينية، وتم تداولها بعد ذلك في أوروبا في القرون الوسطى.

هذا وقد نشطت أسماء كثيرة في علم التعمية، لكن بحوثهم وكتاباتهم لم تصل إلى مرحلة الانتشار والترجمة، لكن أُشير إليها في بحوث وكتابات أخرى مثل سهل بن محمد السجستاني، وأحمد بن علي بن وحشية الذي كان له كتاب بعنوان (شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام)، إضافة إلى محمد بن أحمد بن طباطبا الذي كان له مخطوطة بعنوان (رسالة في استخراج علم المعنى).

طرق التشفير والتعمية عند العرب

وصل العرب في نشاطهم في علم التشفير إلى استخدام نحو 34 طريقة من أجل تشفير الكتب والرسائل والنصوص واستخراجها بعد ذلك، لكن أهم طريقتين في التشفير هما طريقة (تعمية المعاني بالتورية)، وطريقة (معالجة الحروف).

في طريقة تعمية المعاني بالتورية يعتمد الأمر على ذكاء وفطنة المتراسلين، حيث تقوم عملية التشفير على تغيير المعاني وإبعاد الجمل عن معانيها الأصلية، ويُعتمد على ذكاء الشخص الآخر في فك هذه المعاني وإعادتها إلى أصلها وحالتها الأولى.

أما طريقة التعمية بمعالجة الحروف فهي تعتمد على أساليب عدة كلها تصب في التلاعب بالحروف وتغيير مواقعها واستخدام رموز بدلًا من الحروف. ويمكن في هذه الطريقة أيضًا زيادة الحروف أو تقليلها أو استخدام حرف واحد يُزاد في كل الكلمات، وتُفَكُ الشفرة باكتشاف هذا الحرف وإزالته.

ومن الأمثلة التي يمكن أن نذكرها لتوضيح طريقة استخدام التعمية بالحروف هي جملة «الحديث يا خيل الله اركبي» التي تم تشفيرها لتصبح «اثلا ليار حالك دخلت ييهي»، ويعتمد فك الشفرة في هذه الطريقة على استخراج الحرف الخامس، والعودة مرة أخرى بعد نهاية السطر، فنستخدم الحرف الخامس لنصل في النهاية إلى الحروف التي تكوِّن الجملة.

وهكذا فإن العرب كان لهم السبق في تأسيس علم التعمية الذي سُمي بعد ذلك علم التشفير، لكن العرب مع تراجعهم الثقافي والحضاري أهملوا كثيرًا من العلوم، ومنها علم التشفير الذي أفردت له الدول إمكانات كبيرة؛ بعدِّه أحد المقومات الأمنية، ليس فقط على المستوى العسكري، وإنما في كل المجالات. إن هذا الإرث يثبت أن التشفير في الحضارة الإسلامية كان علمًا متقدمًا، وقد وضع رواد العرب في التشفير الأسس التي مهدت الطريق للتطورات الهائلة التي نراها اليوم في عالم التشفير الرقمي.

في نهاية هذا المقال الذي تناول تاريخ علم التشفير وأهم الأسماء العربية التي نشطت وأسست علم التعمية، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.