تاريخ مرض الزهري من الرصاصة المسحورة إلى ثورة البنسلين

مرض الزهري (Syphilis) من أخطر الأمراض التي اجتاحت العالم منذ نهاية القرن الخامس عشر، وأثار ظهوره المفاجئ رعبًا في القارة الأوروبية التي لم تكن تعرف مثيلًا له، بين نظرية «الخطيئة الكبرى» وتبادل العدوى عبر الحروب والتوسع الاستعماري، أصبح الزهري قرينًا للمدن ومرافقًا للجنود. وبعد قرون من العجز والعلاجات العشوائية، جاء الاكتشاف العلمي ليمنح الأمل في النجاة. هذا المقال يستعرض تطور فهم البشرية لهذا الداء، من الأساطير إلى الرصاصة السحرية والبنسلين.

الوباء القادم من العالم الجديد.. كيف انتشر الزهري؟

لم يعرف الزهري أجسام سكان العالم القديم (آسيا وإفريقيا وأوروبا) إلا بعد اكتشاف أمريكا. وفاتحو القارة الجديدة هم الذين نقلوا هذا الوباء -جزاء الخطيئة الكبرى- إلى سكان أوروبا. وقد ساعد وقتذاك على انتشاره بسرعة، ترامي الغواني في أحضان الأبطال الفاتحين، واضطرام الحروب بين فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، إذ كانت العادة تقضي أن تسبي الأمة الغالبة نساء الأمة المغلوبة. وما إلا سنوات حتى أصبح هذا الداء في أوروبا خدينًا لكل قرية، وقرينًا لكل مدينة.

لم يعرف الزهري أجسام سكان العالم القديم إلا بعد اكتشاف أمريكا ونقل فاتحو القارة الجديدة هذا الوباء إلى سكان أوروبا

يضاف إلى ذلك أن جرثوم المرض الذي كان يصاحب الهنود استشرى حينما وجد في نساء أوروبا مرتعًا خصبًا، ومربعًا فسيحًا في وسط جهل، غير محصن ولا منيع. ثم كان أن نقل الأوروبيون هذا المرض معهم إلى الشرق. ولما أُجلوا عن البلاد ونفروا إلى أوطانهم، خلَّفوا وراءهم هدية خبيئة من هذا الوباء ما تزال نار جحيمها تضطرم حتى اليوم.

علاجات العصور المظلمة.. صهاريج الزئبق القاتلة

كان هذا المرض الدخيل غريبًا على العرب وعلى أطباء العرب، فخُيل إلى الناس أنه مسٌّ من الجن لا يُصد ولا يُرد، إلا بضرب المصاب فوق مواضع خاصة من جسمه. وقبل انتشار العلم الحديث كان بعضهم يعتقد أن أبخرة الزئبق تشفيه، فصاروا يسوقون المرضى إلى صهاريج كبيرة يحبسونهم فيها، ليطلقوا عليهم أبخرة الزئبق السامة بعد أن يدثروهم بالأردية الغليظة، ويلفوهم بالأردية الكثيفة، ويحولوا بينهم وبين الهواء! وتتحسن حالة بعضهم بعد أن يدفع الثمن سقوط أسنانه؛ لأن أبخرة الزئبق ذهبت بها، ويبقى بعضهم الآخر متورمًا منتفخًا؛ لأن الزئبق نهش كليتيه!

بول إرليخ وبحثه عن (الرصاصة المسحورة)

إلى أن جاء الألماني (إرليخ) فاكتشف رصاصته المسحورة ضد هذا المرض الخبيث. ولم يكن اكتشافه هذا عفويًا أو بمحض الصدفة، بل كانت تهاويل أحلامه تصور له اكتشافًا علميًا يظهر على يديه منذ كان شابًا يشق طريقه نحو المجد. كان يشرب مع خادم مخبره كوب الجعة (البيرة) على ملأ من الناس ويقول: «يجب أن نتعلم صيد الميكروب برصاص من عبقر (وادي الجن)».. وكان له مزاج الكيميائيين القدماء الذين يحيلون الرصاص إلى فضة، ويستخرجون الذهب من خسيس المعادن، فهيمنت على ذهنه فكرة اكتشاف رصاصة من عبقر، تمضي بهذا المرض إلى أودية الفناء.

في عام 1910وقع (إرليخ) على علاج الزهري  في تجربته رقم 606 ووجد بعد تجربته إياه أنه علاج مأمون الضرر محقق النفع

ودلفت من عمره أعوام ثمانية قضاها في البحث تائهًا في مهامه على غير هدى أو بصيرة... أعوام ثمانية عاش خلالها بين الكتب والمعمل وحيوانات المخبر، وأُغرم بالأصباغ شأن بني جنسه الألمان، فجرب في حيواناته -الفئران والأرانب- 500 صبغة، وكان يكتب تفاصيل التجارب، ويرقم نتائجها على صحيفة من ورق كبير، ثبتها داخل باب مكتبه حتى غطت الصحيفة باطن الباب، فكان كلما طلب شيئًا في أسفل الصحيفة تقاصر وانحنى حتى يكاد يلامس بهامته الأرض، وكلما طلب شيئًا في أعلاها تطاول على أصابع رجليه أو ارتقى إليه بمرقاة. وفي كلتا الحالتين، كان يركز بصره تركيزًا ليقرأ مبهم سطورها، ومُشكل خطوطها.

فلما وصل التجربة الخامسة بعد الستمائة، وشاهد نتائجها الشافية على الفئران المصابة صاح: «قضى هذا الصباغ الجديد على ميكروب الزهري، وشفى الحيوانات المؤوفة (المصابة)!» ولكنه ما لبث أن لاحظ أن هذه الفئران ظلت ترقص، بعد شفائها، رقصًا متصلًا. ما رقصت هنيهة ثم سكنت، بل جعلها الدواء تدور وتدور، وتقفز طول حياتها. لقد أذاقها بعد شفائها عذابًا مريرًا ما كان يخطر على بال الشيطان لو أراده وتقصَّده!

تجربة 606.. ولادة أول علاج فعال (السالفارسان)

وفي نهاية ثمانية الأعوام -أي سنة 1910- وقع (إرليخ) على العلاج الشافي في تجربته ذات الرقم 606، ووجد بعد تجربته إياه أنه علاج مأمون الضرر محقق النفع. عندها صاح في الملأ كما صاح (أرخميدس) من قبل: «وجدتها.. وجدتها.. إنها لرصاصة مأمونة، فهي للداء سم زعاف، وللحي بلسم الشفاء». وكانت هذه التجربة فيما بعد، أساس إنتاج العلاج المسمى (نيوسالفارسان) لا يجتث الداء اجتثاثًا، إلا إذا عولج المصاب به ثلاث سنوات متتابعات بفواصل زمنية موقوتة؛ لأن الجرثوم حينما يواجه هذه الرصاصة المحقونة في الدم يهرب منها ليهجع في الأحشاء وقتًا قصيرًا! ثم يدب من جديد في جسم فريسته مستعيدًا نشاطه باثًا سمومه.

اكتشف الدكتور فلمنغ (البنسلين) فجربه على جميع الجراثيم وينجح  في القضاء على كثير منها وعلى رأسها جرثومة الزهري

ثورة البنسلين.. اكتشاف فلمنغ الذي غير كل شيء

ثم يأتي الحظ ليخدم الدكتور (فلمنغ) فيكتشف صدفة (البنسلين) فيجربه على جميع الجراثيم، فيخفق في بعضها وينجح في القضاء على بعضها الآخر، وكان جرثوم الزهري من القسم الأخير. وتأتينا الأرقام مبشرة بشفاء مرضى السفليس بالبنسلين ولكن بشرط إعطائه وحقنه بمقادير عالية جدًا. يقول الدكتور (ماهوني) مدير مستشفى الأمراض الزهرية الأمريكية: إن حقنة واحدة من البنسلين البطيء الامتصاص الممزوج (بمونوستيرات الألومنيوم) كافية للقضاء على هذا الوباء في ثلاثة أيام.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة