يُعد تاريخ طب العيون عند العرب علامة فارقة في الحضارة الإنسانية، فقدم العلماء العرب والمسلمين ومساهماتهم في تاريخ طب العيون أساسًا متينًا لما نعرفه اليوم. من كتاب المناظر لابن الهيثم إلى ابتكار أدوات جراحة العيون قديمًا، نستعرض في هذا المقال كيف تحول علم الكحالة على أيديهم إلى علم تجريبي دقيق.
في هذا المقال نأخذك في جولة سريعة لنكتشف أهم إسهامات العرب والمسلمين في علم الكحالة، وتاريخ طب العيون في السطور التالية.
طب العيون عند العرب وعلم الكحالة
يُعد طب العيون من العلوم التي برع فيها العرب والمسلمون قديمًا، ونقل الأوروبيون عنهم كثيرًا من الكتب والمؤلفات والمخطوطات والتجارب والنتائج والمصطلحات التي تأسس عليها بعد ذلك علم طب العيون الحديث، وكان العرب يطلقون عليه اسم (علم الكحالة).
وكان العرب أول من مزج المعرفة النظرية والتجارب العملية فيما يخص طب العيون، وعالجوا أمراض العين باستعمال الأدوية والأغذية والجراحة، مع معرفة تامة بتشريح العين، ووصفوا كثيرًا من الحالات الطبية المتعلقة بالعين، إضافة إلى ابتكار كثير من الأدوات المستخدمة في العمليات الجراحية وعمليات الفحص التي نقلها عنهم الأوروبيون بعد ذلك على مدار مئات السنين.
مراحل تطور طب العيون
مثل كل فروع الطب، بدأ تاريخ طب العيون منذ بداية الحضارات، فقد ظهر كثير من الأطباء الذين عالجوا حالات وأمراضًا ظهرت بطرق مختلفة. ولعل الجراح الهندي (شاشرواتا) كان من أوائل الأطباء المشاهير في الحضارة الهندية، وكتب عن تجربته في علاج نحو 76 مرضًا بصريًا، وأجرى كثيرًا من العمليات، واستخدم كثيرًا من التقنيات الجراحية، وذلك قبل نحو 800 سنة قبل الميلاد.
وكان الأطباء قبل عصر (أبو قراط) يعتمدون على تخمينات نظرية أكثر مما يعتمدون على البحث العلمي القائم على التجربة، وكان عندهم كثير من المعتقدات الخاطئة عن العين وعلاقتها بالمخ، حتى انتقل طب العيون إلى مرحلة التجارب العملية التي قام بها أرسطو بتشريح عيون الحيوانات، واكتشاف طبقات وسوائل العين، ومعرفة الأنابيب التي توصل المخ بالعين، وهي المعلومات التي نُشرت ليتعرف عليها الأطباء من جميع أنحاء العالم بعد ذلك.
تطور جراحة العيون عبر العصور
أما الطفرة الكبيرة في علم طب العيون فقد صنعها العلماء العرب والمسلمون في القرون الوسطى، فقد جمعوا بين النظرية والتطبيق، واستخدموا كثيرًا من الأدوات الحرفية الدقيقة، واستفادوا من تقدمهم في العلوم المساعدة مثل علم التشريح وعلم البصريات، وصنعوا الأدوية ورصدوا الحالات الطبية، وتركوا إنتاجًا ضخمًا من الأبحاث والأوراق العلمية والمخطوطات التي تصف الأمراض وتصف العلاجات وتصف طرق التشريح وإجراء العمليات، وهو المجهود الذي بنى عليه الأوروبيون علم طب العيون الحديث.
ومع ظهور العدسة المكبرة والمجهر المكبر، تعرف العلماء على العين أكثر، وأصبح التعامل معها أسهل، فكثفوا الدراسات حول القرنية والشبكية وبؤبؤ العين، للتعرف على الطبيعة الفسيولوجية لشبكية العين على نحو كبير.
حتى ظهر أول منصب جراح عيون في بريطانيا في القرن الثامن عشر، وظهر أول مستشفى متخصص في العيون في بداية القرن التاسع عشر في لندن، وتبعه تأسيس أكبر مستشفى للعيون في العالم، وتكوين رابطة لأطباء وعلماء أبحاث العيون.
ومع الوقت استفاد طب العيون من كل التقنيات التكنولوجية التي ظهرت تباعًا، حتى أصبح طب العيون يستخدم تقنيات الليزر والتشخيص الحاسوبي. ومؤخرًا أصبح الذكاء الاصطناعي يقوم بأدوار عدة في تشخيص وتشريح وإجراء العمليات الصعبة في طب العيون، الذي لا يتوقف عن التطور يومًا بعد يوم.

إسهامات العرب في طب العيون
كيف أسهم العرب في طب العيون؟ لا شك أن إسهامات العرب في طب العيون كانت هي حجر الأساس خلال عصور طويلة، اعتمد فيها الأطباء في أوروبا على إنجازات العرب من معلومات عن أمراض العيون، وأدوية لعلاج هذه الأمراض، وأدوات وتقنيات للتشخيص والجراحة وإجراء العمليات المختلفة، وهو ما يبرز دور إسهامات علماء المسلمين في طب العيون.
تأسيس منهج البحث العلمي في طب العيون
من هم أشهر أطباء العيون العرب؟ من بين أشهر أطباء العرب يأتي (علي بن عيسى الكحال) الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي، وكان له السبق في كثير من الأمور التي تخص طب العيون، وأطلق عليه العرب علم الكحالة.
ومن أهم مؤلفاته ما عُرف بعد ذلك (بتذكرة الكحالين)، وهو المرجع الذي استفاد منه الأوروبيون كثيرًا في القرون الوسطى، حتى إن المستشرقين اعتبروا علي بن عيسى الكحال هو مؤسس طب العيون بوصفه منهجًا جديدًا بالبحث العلمي، وأطلقوا عليه أكبر طبيب للعيون في العصور الوسطى.
وقد تُرجمت أعماله إلى اللغة اللاتينية وإلى اللغة العبرية، ونُقل عنه ثلاث مقالات يتحدث فيها عن العين وتشريحها وعضلاتها وأعصابها ورطوبتها، ويتحدث أيضًا عن أمراض العين وأسبابها وعلاماتها وطرق علاجها، ويتحدث أيضًا عن الأمراض الخفية التي تظهر من خلال مجموعة من العلامات، وكتب عن الأدوية المناسبة لكل حالة من هذه الحالات.
بلغت أعمال علي بن عيسى الكحال 32 كتابًا في طب العيون، وبفضل جهوده على مدار سنوات، استطاع أن يصف 130 مرضًا تخص العين. فكان أول من وصف التهاب الشريان الصدغي، واضطراب الرؤية في مرض الشقيقة، وهو ما يدل على أن هذا العالم العربي سبق علماء أوروبا وأمريكا بقرون عدة في مجال طب وجراحة العيون.
حنين بن إسحاق وأقدم موسوعة علمية في طب العيون
من الإسهامات الكبيرة للعرب والمسلمين في مجال علم طب العيون هو تقديمهم أول موسوعة علمية كبيرة في طب العيون التي ألَّفها الطبيب (حنين بن إسحاق) في القرن التاسع الميلادي، وذلك بعد تشجيع خلفاء الدولة العباسية لحركة الترجمة، وتعرُّف العرب والمسلمين على إنتاج الحضارات الأخرى.
فقد كتب حنين بن إسحاق موسوعته (كتاب العشر مقالات في العين)، واستُخدمت هذه الموسوعة في مدارس الطب بعد ذلك في معظم أنحاء العالم. ويتناول كتاب (عشر مقالات في العين) مجموعة من الفروع المهمة عن طبيعة العين وتركيبها، وطبيعة الدماغ والبصر، والاضطرابات التي تصيب العين، وعلامات الأمراض التي يمكن من خلالها تشخيص الإصابات، إضافة إلى الأدوية وأجناسها وطريقة استعمال كل منها، وطرائق تركيب الأدوية والنسب الصحيحة، وكتب عن آراء الأطباء القدماء في هذه الأمراض بما جمعه من كل المصادر المترجمة.
أهم المراجع العلمية في تشريح العين
كان للعرب والمسلمين السبق في تأليف أول المراجع العلمية في تشريح العين عن طريق (أبو جعفر محمد بن قسوم بن أسلم الغافقي) الذي عاش في القرن الثاني عشر الميلادي في الأندلس، وكان أحد أشهر أطباء العيون في ذلك الوقت، وكتب كثيرًا من المصادر والمراجع حول طب العيون، لكن أهم هذه المراجع هو كتاب (المرشد في الكحل) الذي يعد من أهم المصادر والمراجع في تاريخ علم طب العيون، وما زالت المخطوطة الأصلية موجودة حتى الآن في متحف الإسكوريال الشهير.
وكان العالم الفرنسي الشهير لوسيان لوكلير -صاحب كتاب (تاريخ الطب العربي)- قد أشار إلى الغافقي باعتباره أحد العلامات في تاريخ طب العيون، وأشار أيضًا إلى مخطوطته (المرشد في الكحل) بعدِّها من أهم المصادر والمراجع التي اعتمد عليها الأطباء في القرون الوسطى التي ساعدت كثيرًا في تطور طب العيون الحديث.
يشمل كتاب المرشد في الكحل ستة أقسام وعددًا من المقالات والفصول على طريقة الدروس الصغيرة، يشرح فيها الغافقي تشريح العين وخصائصها، ويربط العين بالجغرافيا والمناخ، ويتحدث عن أسباب انعدام الرؤية وضعف البصر، ويشرح كثيرًا من الأمراض وطرق علاجها مثل بياض العين والقرحة والرمد.
ومن الأقسام المهمة في الكتاب قسم العمليات، فقد كان الغافقي بارعًا في عمليات إزالة المياه البيضاء، وغيرها من العمليات التي شرحها في الكتاب الذي ترجمته واستخدمته أوروبا قرونًا طويلة.
أدوات جراحة العيون قديمًا وعملية المياه البيضاء عند العرب
وعلى مستوى الأدوات والتقنيات المستخدمة في طب وجراحة العيون، كان للعرب إسهامات كبيرة تشهد على ريادتهم في تاريخ جراحة العيون، ومنها ما قدمه طبيب العيون الشهير (عمار بن علي أبو القاسم الموصلي) الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي، واخترع كثيرًا من الأدوات مثل المقدح المجوف المصنوع من المعدن، والأنبوب الزجاجي الدقيق الذي كان يستخدمه في مقدمة العين لتفتيت العدسة المعتمة وامتصاص العدسة بعد تفتيتها، وهي التقنية الأولى لـ(عملية المياه البيضاء عند العرب)، وهو ما يشبه كثيرًا العمليات الحديثة.
وإلى جانب الأدوات التي اخترعها الموصلي، فقد كان له مرجع طبي مشهور وهو كتاب (المنتخب في علم العين وعللها ومداواتها بالأدوية والحديد) وهو الكتاب الذي شرح فيه استخدام الآلات الجراحية والطرق العلمية والتجارب الذي عُدَّ مرجعًا علميًا مهمًا في تاريخ تطور علم طب وجراحة العيون.

العرب واكتشاف مرض السيل القرني
من بين الأطباء العرب الذين اشتهروا في طب العيون كان الطبيب (أبو زكريا يحيى بن ماسويه) الذي عاش في القرن التاسع الميلادي، وكان رئيسًا لأكاديمية العلوم في عهد الخليفة المأمون التي عُرفت باسم (بيت الحكمة)، وكان أول من اكتشف مرض السيل القرني، وأدرك طبيعته الالتهابية وطرق التعامل معه بمراقبته للصورة السريرية للمرض، وهو ما يوضح كيف كان العرب يتعاملون مع أمراض العيون بطريقة تجريبية وعلمية.
إضافة إلى اكتشافه كثيرًا من أمراض العيون، ترك الطبيب ابن ماسويه عدة مؤلفات مهمة مثل (النوادر الطبية) وكتاب (الأزمنة) وكتاب (الحميات) وكتاب (معرفة محنة الكحالين) وهو الذي كتبه على طريقة الأسئلة والأجوبة ليسهِّل المعلومات حول أمراض العيون وطرق علاجها ووصف الأدوية المرتبطة بكل حالة، وهي الكتب التي تُرجمت وطُبعت في أوروبا واستُخدمت في مدارس الطب في القرون الوسطى.
الحسن بن الهيثم وكتاب المناظر لابن الهيثم
عند الحديث عن إسهامات العرب في علم الكحالة (طب العيون)، فإن اسم العالم الكبير (الحسن بن الهيثم) الذي عاش في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين، يُعد من أبرز من أسهموا في تطور علم طب العيون بفضل جهوده في علم البصريات التي أبرَزَتها الموسوعة البريطانية، فقد قالت إن كتب ابن الهيثم في تشريح العين وفي وظيفتها كانت من أهم الجهود العلمية التي ساعدت في معرفة كثير من الحقائق، وعلى رأسها أن الأشعة تسير من الجسم المرئي إلى العينين، وكيف ننظر إلى الأشياء بعينين في آنٍ واحد، وكيف تقع صورتان على الشبكية في محلين متماثلين.
ويُعد كتاب (المناظر) للحسن بن الهيثم ثورة هائلة في علم البصريات وطب العيون، إضافة إلى أبحاثه في قوة تكبير العدسات التي ساعدت على صناعة أول نظارة في العالم، وساعدت كذلك على إصلاح عيوب الإبصار في العين وتعديلها.
وكان الحسن بن الهيثم هو أول من درس عدسة العين وأقسامها وتشريحها، إضافة إلى رسمها، وهي الجهود التي تُرجمت إلى لغات عدة واستفاد منها الأطباء والباحثون على مدار مئات السنين؛ ما كان له تأثير كبير في تطور عدة مجالات علمية، من بينها طب وجراحة العيون.

وهكذا يظهر جليًا تأثير العرب والمسلمين في مجال علم الكحالة الذي نعرفه حديثًا باسم طب العيون، وكيف كان لهم السبق في كثير من الأمور التي ساعدت على تأسيس هذا العلم ووصوله إلى المرحلة التي نعرفها الآن، وبروز أسماء عربية كثيرة في تاريخ طب العيون وكتب المستشرقين والعلماء الغربيين على مدار قرون عدة.
في الختام، يمثل تاريخ طب العيون عند العرب نموذجًا ساطعًا لإسهامات المسلمين في الطب، فأثبت العلماء العرب والمسلمون ومساهماتهم في تاريخ طب العيون أن العلم لا يعرف الحدود، وأن ابتكاراتهم في علم الكحالة وتطوير أدوات جراحة العيون قديمًا كانت الأساس الذي بُني عليه الطب الحديث.
وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن جولة سريعة في تطور طب العيون وإسهامات العرب في علم الكحالة، نرجو أن نكون قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.