يمثل السبيل عنصرًا معماريًا واجتماعيًا أساسيًا في الحضارة الإسلامية، وهو منشأة لتوفير مياه الشرب للمارة بصفته عملًا خيريًّا (وقف). في هذا المقال، نستعرض توثيقًا حيًا لثقافة (السُبُل) التقليدية التي كانت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية في المدينة المنورة ومحيط المسجد النبوي الشريف، مع تفاصيل دقيقة عن الأدوات المستخدمة، ومواقعها، والأشخاص الذين قاموا عليها، قبل أن تحل محلها منظومة توزيع مياه زمزم الحديثة.
(سبيلنا سبيلكم، سبيل الله يا عطشان)، هذه ترنيمة جميلة يرددها الأطفال في مناسبات الأعياد والأفراح، ويرجع أصلها إلى تلك السبل التي كانت منتشرة في المدينة المنورة، ابتغاء الأجر والثواب من الله عز وجل، حرصًا من أهلها على توفير ماء الشرب للناس من المصلين والمتسوقين والعاملين وغيرهم.
كانت السبل في المسجد النبوي الشريف دوارق من الفخار، توضع في طاولات خشبية مصفحة بالشينكو حماية لأرض المسجد النبوي الشريف والمفارش من البلل.
وهذه الدوارق تملأ بالماء العذب من عين حارة الأغوات، ثم تبخر بالمستكة، أو يضاف إلى الماء قليل من ماء الكادي أو ماء الورد أو ماء الزهر، حتى يعطي الماء طعمًا ومذاقًا جميلًا، أو تقدم الدوارق دون أي إضافات.

ومواقع هذه السبل عادة ما تكون شرق المسجد النبوي الشريف في حارة الأغوات وباب الجمعة، وتملأ الدوارق وتوضع في أمكنة يتخللها الهواء، وبعدما تبرد تحمل في الأيدي وبين الأصابع، فبعضهم يحمل من أربعة دوارق إلى ستة في اليد الواحدة، حسب مهارته في ذلك، ويترددون إلى المسجد النبوي الشريف لوضع دوارقهم في الأمكنة المخصصة لكل معلم، فتوضع الطاولات بين الأساطين، حتى تكون منتشرة في أرجاء المسجد النبوي الشريف.
وبعض أصحاب هذه السبل يحملون على أكتافهم ما يسمى (جحلة)، وهي دورق كبير لفت رقبته بطوق نحاسي، ووضعت ليفة على فوهته حتى يصب منها الماء بصورة فنية عجيبة تروق للإنسان، وعادة ما يكون ماء هذه الجحال مبخر ذو طعم مميز، ويصب الماء في طاسات مفلطحة من الكولندي مكتوب داخلها آية الكرسي أو البسملة أو سورة الصمد، ويتجول أصحابها بين صفوف المصلين في أوقاتٍ قبيل الإقامة، لا سيما في ليالي العيدين، وينفحهم الشاربون بما تجود به أنفسهم.
أما أصحاب الدوارق فهم يتقاضون ثمنًا متفقًا عليه مسبقًا مع من يريد السبيل مقابل عدد الدوارق التي يرغبها، وعدد الأيام أو على مدار الشهر أو السنة، كل ذلك بحساب خاص، والدورق يكفي لإطفاء لهب الرجل وظمئه.
وقد اختفت هذه الدوارق بعد ما وفرت الدولة -حفظها الله- سقيا المسجد النبوي الشريف من ماء زمزم، فيجلب إلى المدينة المنورة يوميًا، ويوضع في برادات كبيرة، وبعدها يوضع في ترامس أو ثلاجات توزع على أرجاء المسجد النبوي الشريف، وتوضع الترامس في أحواض جيدة، تحمل الكاسات النظيفة من البلاستيك، والكاسات المستعملة توضع في الجانب الآخر بأسلوب نظيف وحضاري.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.