بين أروقة مكتبة الإسكندرية القديمة، اجتمعت حكمة العالم ومخطوطات الحضارات لتمثل أول عقلٍ عالمي عرفته البشرية، قبل أن تتحول تلك المنارة الساطعة إلى رمادٍ وتصبح ذكرى مؤلمة. إن تاريخ مكتبة الإسكندرية ليس سردًا لبناءٍ وهدم، بل هو ملحمة مجدٍ ومأساة ضياع أعظم صرح معرفي خلّفه القدماء، ولغزٌ لا يزال يحير المؤرخين.
هل تتساءل ما قصة مكتبة الإسكندرية؟ ولماذا تعد أعظم صرح معرفي في التاريخ؟ في هذا المقال نكشف لك عن تاريخ مكتبة الإسكندرية، ونحقق في اللغز الكبير: من حرق مكتبة الإسكندرية؟ وهل حقًا دمر المسلمون مكتبة الإسكندرية؟
منذ أن وطئت أقدام ملوك البطالمة أرض مدينة الإسكندرية، تحوَّلت المدينة من بقعة جغرافية على خريطة مصر إلى عروسٍ متوجة على عرش ساحل البحر المتوسط. فقد قرر البطالمة تزيين جمال تلك العروس بتاج الحكمة والمعرفة، لتتوافر لديها كل مقومات الكمال، فسارعوا إلى إضاءة شعلة العلم بتشييد صرحٍ عظيم ظلَّ قلعةً ومنهالًا لكل متعطشٍ لشتى العلوم، بدايةً من تاريخ الأرض، وصولًا إلى علوم الفلك والفضاء الخارجي.
وتُعد مكتبة الإسكندرية القديمة الحاضنةَ العلميةَ الأولى التي سعت إلى جمع كتب العالم ووثائقه من شتَّى بقاع الأرض، فأنارت طريق المعرفة، ورسَّخت مناهج البحث العلمي، وأزالت غبار الجهل عن عقولٍ استوطنها الظلام، ولم تكن مكتبة فحسب، بل مركزًا فكريًا عالميًا ظلَّ من أهم منارات الفكر الإنساني قرونًا عدة.
وقد خصَّص الملوك البطالمة لها أموالًا طائلة وميزانية خاصة، لتكون منارة علمية لا يُضاهيها مكان آخر في العالم القديم من حيث الاتساع والرحابة في ساحة المعرفة.
من مؤسس مكتبة الإسكندرية وأين تقع؟
اختلفت الروايات التاريخية في تاريخ مكتبة الإسكندرية وهوية مؤسسها، لكن الثابت تاريخيًّا أن الإسكندر الأكبر، على الرغم من كونه صاحب فكرة تخطيط مدينة الإسكندرية، قد توفي قبل اكتمالها، ولا توجد مصادر تاريخية موثوقة تشير إلى أنه أمر ببناء المكتبة ذاتها.
من مؤسس مكتبة الإسكندرية؟
تعود فكرة إنشاء المكتبة والمتحف العلمي إلى الفيلسوف ديمتريوس الفاليري الذي عرض مشروعها على بطلميوس الأول «سوتير» مؤسس دولة البطالمة الذي حكم مصر خلال المدة (323 - 285 ق.م).
أما التنفيذ الفعلي للمشروع فقد تم في عهد ابنه بطلميوس الثاني «فيلادلفوس» (285 - 246 ق.م) الذي جعل الإسكندرية مركزًا للثقافة الهيلينية في العالم القديم.
أين تقع مكتبة الإسكندرية القديمة؟
تقع مكتبة الإسكندرية القديمة في الحي الملكي المعروف بـ«البروكيوم» المطل على الميناء الشرقي، فكانت جزءًا من مجمع القصور الملكية؛ ما يؤكد اهتمام الملوك المباشر بها.
كيف كان يبدو التصميم الداخلي لذلك الصرح العظيم؟
كانت مكتبة الإسكندرية القديمة مقسَّمة إلى قسمين رئيسين: القسم الأكبر داخل القصر الملكي في حي البروكيوم (المعروف بـ المكتبة الملكية)، أما القسم الأصغر فكان ملحقًا بـ معبد السيرابيوم (Serapeum)، الإله التوفيقي الذي جمع بين الصفات المصرية واليونانية، بكونه إله الإسكندرية الرسمي وإله العالم السفلي والخصوبة، إلى جانب ارتباطه بالشفاء متأثرًا بإمحوتب وأسكليبيوس.

كنوز المعرفة: كم عدد كتب مكتبة الإسكندرية؟
ولم تكن كتب المكتبة على هيئة مجلدات كما نعرفها اليوم، بل كانت لفائف من ورق البردي بلغ عددها مئات الآلاف، فتشير بعض المصادر إلى أنها وصلت إلى نحو 400 ألف لفافة، وتذكر مصادر أخرى أرقامًا تتجاوز 500 ألف لفافة، وهناك من بالغ وذكر 700 ألف لفافة من مخطوطات نادرة لا تقدر بثمن. وكان طول اللفافة الواحدة يقارب عشرين قدمًا، وتُكتب غالبًا على وجه واحد؛ ما يعكس حجم الجهد المعرفي الهائل الذي احتوته المكتبة.
كان الملوك يتبعون سياسة صارمة لجمع الكتب، تُعرف بـ (صندوق السفن). فكانت أي سفينة ترسو في ميناء الإسكندرية تُفتش بحثًا عن الكتب، فإذا وُجد فيها كتاب، يُؤخذ للمكتبة ليقوم النساخ بنسخه، ثم يُعاد النسخ لأصحاب السفينة وتحتفظ المكتبة بالأصل!

علماء الإسكندرية: عقول أنارت العالم
تولى إدارة مكتبة الإسكندرية عبر تاريخها نخبة من أعظم علماء الإسكندرية في العصر الهلنستي. وكان في مقدمتهم ديمتريوس الفاليري الذي وضع الأسس الفكرية والتنظيمية لهذا المشروع المعرفي الفريد، ثم جاء زينودوتس الأفسسي، أول رئيس فعلي للمكتبة، والذي أسهم في ضبط النصوص وتنقيحها.
وبرز بعده كاليماخوس الذي لم يتولَّ منصب رئيس المكتبة، لكنه كان أحد أعظم علمائها وببليوجرافييها، إذ أدرك مبكرًا أن التوسع الهائل في عدد المخطوطات يُصعِّب الوصول إلى المعرفة، فابتكر نظامًا ثوريًا لتنظيم العلوم، تمثَّل في وضع أول فهرس شامل لمحتويات المكتبة عُرف باسم «البيناكس»، صُنِّفت فيه المؤلفات حسب الموضوعات، في خطوة تُعد حجر الأساس لعلم الفهرسة الحديث.
ومن بعد زينودوتس، تولَّى أبولونيوس الرودسي رئاسة المكتبة، ثم جاء إراتوستينس العالم الموسوعي الذي جمع بين الرياضيات والفلك والجغرافيا، ليمنح المكتبة بُعدًا علميًا غير مسبوق.
من أعظم إنجازات إراتوستينس التي تمت داخل جدران المكتبة، قيامه بحساب محيط الكرة الأرضية بدقة مذهلة، مستخدمًا زوايا سقوط الشمس والمسافة بين الإسكندرية وأسوان، ليثبت كروية الأرض قبل قرون من الرحلات الاستكشافية.
واختُتمت هذه السلسلة اللامعة بأريستوفان البيزنطي الذي يُنسب إليه الفضل في إدخال علامات الترقيم والفواصل إلى النصوص اليونانية؛ ما أحدث تحولًا جذريًا في تاريخ القراءة والكتابة.

ما قصة حريق مكتبة الإسكندرية؟ النهاية المأساوية
أما عن حريق مكتبة الإسكندرية واندثارها، فإن نهايتها لم تكن حدثًا واحدًا، بل سلسلة من الكوارث المتعاقبة. ففي عام 48 ق.م، وخلال الصراع بين يوليوس قيصر وبطلميوس الثالث عشر، اندلع حريق كبير حين أمر قيصر بإحراق السفن الراسية في الميناء لقطع الإمدادات عن خصومه.
ويرجِّح معظم المؤرخين المعاصرين أن النيران التهمت مخازن الكتب الموجودة قرب الميناء التي كانت مخصصة للتصدير، وليس مبنى المكتبة الملكية بالكامل، بدليل استمرار النشاط العلمي للمكتبة بعد تلك الواقعة لعدة قرون، بل وتزويدها لاحقًا بمخطوطات من مكتبة برغاموم في عهد كليوباترا ومارك أنطونيو.
ما الذي حدث لمكتبة الإسكندرية القديمة بعد ذلك؟
الضربة القاضية جاءت في أواخر القرن الرابع الميلادي، حين انتقل مركز المعرفة إلى ملحق معبد السيرابيوم الذي صار الحصن الأخير للتراث العلمي السكندري.
وفي عام 391م صدر القرار بتدمير المعبد بالكامل بأمر من الإمبراطور الروماني ثيودوسيوس الأول، ونُفِّذ على يد بطريرك الإسكندرية ثيوفيلس، في إطار سياسة القضاء على المعابد الوثنية. ولم يكن الهدم إزالة معمارية، بل طمسًا متعمدًا لذاكرة معرفية كاملة، فأُحرقت الكتب ودُمِّرت المخطوطات بعدِّها بقايا من الماضي.
هل أحرق المسلمون مكتبة الإسكندرية؟
يتردد سؤال شائك: هل أحرق المسلمون مكتبة الإسكندرية؟ وهل أمر عمرو بن العاص بحرق الكتب لتسخين مياه الحمامات؟
حقيقة تدمير مكتبة الإسكندرية تبرئ المسلمين تمامًا من هذه التهمة، وذلك لأسباب تاريخية ومنطقية عدة:
- المكتبة لم تكن موجودة: كما ذكرنا سابقًا، دُمرت المكتبة الملكية ومكتبة السيرابيوم قبل الفتح الإسلامي لمصر بقرون (على يد الرومان والمسيحيين الأوائل). عندما دخل العرب الإسكندرية عام 642م، لم يكن للمكتبة الكبرى أي أثر.
- غياب المصادر المعاصرة: لم يذكر أي مؤرخ معاصر للفتح الإسلامي (مثل يوحنا النقيوسي الذي أرخ الأحداث بدقة) واقعة الحرق.
- أسطورة متأخرة: ظهرت قصة الحرق المنسوبة لعمرو بن العاص أول مرة في القرن الثالث عشر (أي بعد الفتح بـ 600 عام!) في كتابات عبد اللطيف البغدادي وابن القفطي، وهو ما يؤكد أنها رواية مختلقة لا أساس لها من الصحة، وقد فندها كبار المستشرقين والمؤرخين مثل ألفرد بتلر.
وهكذا، تتضح الإجابة عن سؤال من حرق مكتبة الإسكندرية؟ هم القادة الرومان والتعصب الديني في القرون الأولى، وليس الفتح الإسلامي.

إن قصة مكتبة الإسكندرية القديمة ليست مرثية لصرحٍ اندثر تحت وطأة النيران والتعصب، بل هي درسٌ أبدي في أن الحضارة تُبنى بالكتب لا بالحجارة، وأن الأفكار أقوى من أن تلتهمها ألسنة اللهب.
وعلى الرغم من أننا فقدنا آلاف المخطوطات التي كانت ستغير وجه التاريخ، فإن شعلة العلم التي أوقدها علماء الإسكندرية لم تنطفئ، بل انتقلت عبر الزمن لتنير دروب النهضة الحديثة. واليوم، تقف مكتبة الإسكندرية الحديثة كطائر الفينيق الذي نهض من الرماد، لتؤكد للعالم أن حقيقة تدمير مكتبة الإسكندرية لم تكن نهاية المعرفة، بل كانت بداية لرحلة إنسانية لا تتوقف نحو البحث عن الحقيقة.
وهكذا أُسدل الستار على واحدة من أعظم مؤسسات المعرفة في تاريخ الإنسانية، لتبقى مكتبة الإسكندرية رمزًا خالدًا لما خسره العالم حين احترق العقل قبل أن يحترق الورق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.