تاريخ تطوّر بعض أبجاديَّات العالم


كيف نشأت الأبجديَّة حول العالم:

ترتبط اللغة الإنجليزيَّة المكتوبة، إلى جانب معظم اللغات الحديثة، ارتباطًا وثيقًا بأبجديتها لدرجة أننا قد نعتبر الاقتران أمرًا مفروغًا منه. ولكن قبل وقتً طويلٍ من بيوولف وحكايات كانتربري، كانت هناك بدائل.

في الواقع، على الرغم من أن أول دليل على الكتابة يأتي من الكتابة المسماريّة السومريّة الَّتي يعود تاريخها إلى 5000 عام، فقد استغرق البشر ألف عام أخرى للوصول إلى طريقة ترتيب اللّغة الَّتي يتعلمها معظمنا الآن وهم أطفال.

اللغة الَّتي تقرأها هنا هي لغة حديثة العهد، لها تراث طويل ولكن يمكن تتبعه. يبدو أن الأبجديَّة قد اخترعها عمال ساميون في مصر مرة واحدة منذ ما يقرب من 4000 عام. كان النصّ الَّذي ابتكروه، والمعروف بالنصّ البروتوسينيتي، محاولة لإعادة توظيف الهيروغليفية للغتهم الخاصّة.

استعاد علماء المصريات أول هذه النقوش في العقود الأولى من القرن العشرين، مشيرين إلى تأثيرها الهيروغليفي الواضح. تمّ العثور عليها في شبه جزيرة سيناء، لذلك افترض العلماء أن البدائيّة السينائيّة نشأت هناك، حوالي 1600 قبل الميلاد فقط من القرن الماضي، وجد عالم المصريات في جامعة ييل جون دارنيل وزوجته ديبورا دارنيل، سلفًا أكبر سنًا في الكتابة على الجدران في وادي الهول، أو "وادي الإرهاب"، موقع على طول نهر النيل في البر الرئيسي لمصر. تم تأريخ هذه إلى حوالي 1800 قبل الميلاد، النقوش لم تتمّ ترجمتها بالكامل بعد، لكن تمّ فكّ رموز بعض الحروف.

حتَّى أن البعض يظل مرئيًا بوضوح باللغة الإنجليزيَّة، دون الحاجة إلى ترجمة، بعد كل هذا الوقت. "م"، على سبيل المثال، يأتي إلينا دون الكثير من التعديل؛ يبدو أن الساميين قد استعاروا كلمة "ماء"، وهي عبارة عن خطٍ متموج، لتمثيل الصوت الأولي في كلمتهم الخاصة عن الماء،    "mem". بدأ الحرف "A" كرأس ثور، ولكن في اللّغات المتتالية سرعان ما تحوّل إلى شكل يمكن التعرّف عليه.

أبجديَّات القديمة:

يكمن الاختلاف الرئيسي بين أقدم أنظمة الكتابة -وتسمى أيضًا قواعد الإملاء- والحروف الأبجديَّة الحديثة في وحدات الكلام الَّتي تمثّلها. تشير الكتابة المسماريّة إلى كلمات أو مقاطع كاملة بأشكال إسفينية. حقّق المصريون والصينيون نفس الشيء مع مجموعة من الحروف الهيروغليفية والشخصيات. ولكن نظرًا لأن اللغات غالبًا ما تحتوي على عشرات الآلاف من الكلمات ومئات المقاطع الصوتيّة، فإن التمكّن الكامل لهذه المخططات غير العمليّة يتطلب تفانيًا لا يمكن إلا للكتبة المحترفين تحمله.

والأبجديَّة، من ناحية أخرى، والقسمة الكلمات والمقاطع إلى مزيد من الصوتيات -مجموعة من الأصوات الأساسيّة الَّتي تشكل اللبنات الأساسيّة للغة. في اللغة الإنجليزيّة، يصل هذا إلى 26 حرفًا يمكن التحكم فيه (على الرغم من أن اللغة تحتوي في الواقع على 44 صوتًا منفصلاً). يمكن بعد ذلك دمج هذه الصوتيات لتشكيل مورفيمات، وهي أصغر وحدات لغويّة ذات معنى.

على سبيل المثال، كل كلمة في الجملة التالية عبارة عن مركب مميّز: "المنزل يحترق". في لغة غير أبجديّة، سيتم تصوير بعضها أو جميعها برمز واحد، بدلاً من سلسلة من الأصوات.

من الناحية الفنيّة، لم تكن Proto-Sinaitic في الواقع أبجديّة حقيقيّة. بشكل أكثر ملاءمة، كان أبجد: نظام كتابة يهتم أولاً وقبل كل شيء بالحروف الساكنة، وعادة ما يترك للقارئ توفير أحرف العلة بناءً على السياق والفهم المسبق للمفردات والنطق. في بعض الأحيان، ولكن ليس دائمًا، يتم الإشارة إلى حروف العلة بعلامات التشكيل. (على الرغم من ندرة وجودهم في الوقت الحاضر، إلا أن الأبجديات الحديثة البارزة تشمل العربية والعبرية.)

الاستيلاء الأبجديّ:

التكرار التالي للأبجديَّة بعد Proto-Sinaitic، الفينيقي، حذف أيضًا أحرف العلة الخاصّة به، ولكن مع 22 رمزًا فقط كان سهل الاستخدام بحيث يمكن لمعظم الناس فهمها دون مشاكل تذكر. نمت شعبيتها، وانتشرت في النهاية غربًا على طول البحر الأبيض المتوسط. سرعان ما تبناها الإغريق، وأعطونا في نفس الوقت أول مثال كامل للأبجدية ومصطلح لها -"الأبجديَّة" مشتق من أول حرفين في اللغة، ألفا وبيتا.

ومع ذلك، كانت أكبر مساهمة لليونان هي إضافة حروف العلة. بمرور الوقت، تعلم الأتروسكان في شبه الجزيرة الإيطالية أن يفعلوا الشيء نفسه، ثم تركوا هذه الممارسة للإمبراطورية الرومانيّة الوليدة. وكانت النتيجة الأبجديَّة اللاتينيّة، الَّتي حقّقت هيمنة عالميّة على نطاق يتجاوز أعنف أحلام يوليوس قيصر. إنها أساس اللغة الإنجليزيّة والعديد من اللغات الأخرى بفضل الاستعمار الأوروبيّ.

لكن الأبجديَّة والأبجديَّة الهجينة المجاورة لها منتشرة في كل مكان تقريبًا حول العالم. الأبجديَّة السيريلية -المستخدمة في اللغة الروسية ولغات أخرى عبر أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى- تنحدر من اليونانيّة. الديفاناغاري -النصّ الهندي والنيبالي والسنسكريتية وانتشار اللهجات في جنوب آسيا - من المحتمل أنها جاءت من لغة سامية (ربما الآرامية، الَّتي تحدث بها يسوع). بمعنى ما، فإن أسلوب الاتصال المكتوب الَّذي يستخدمه مليارات الأشخاص اليوم هو مجرد تطوّر للكتابة الهيروغليفية الَّتي تزين قبر الملك توت.

بقلم الكاتب


حقوق عين شمس


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب