شهدت منطقة عسير عبر القرون تحولات سياسية ودينية متتابعة، جعلت منها مفصلًا مهمًا في تاريخ الجزيرة العربية والدولة السعودية، فقد كانت تتبع أحيانًا الحجاز وأحيانًا تُذكر بأسماء قراها أو أقاليمها الصغيرة، حتى جاء القرن الثامن عشر بدعوته الإصلاحية بقيادة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. آنذاك، برز دور عسير في دعم الدعوة السلفية، وتحوَّلت ولاءاتها السياسية والدينية جوهريًّا لمصلحة الدولة السعودية الأولى.
في هذا المقال نتتبع التحول التاريخي لعسير وانضمامها إلى الدولة السعودية من الشتات السياسي إلى الوحدة الفكرية.
منطقة عسير.. هوية تاريخية بين الحجاز واليمن
ظلت منطقة عسير وما حولها تُذكر في المراجع العربية القديمة بأسماء القرى والبلدان التي تشتمل عليها، وفي أحيانٍ أخرى تُذكر باسم «مخلاف كذا»، وتعني كلمة «مخلاف» أي منطقة أو إقليم، وكان بعض آخر يطلق على المنطقة الجبلية بسلسلتها المعروفة (الممتدة من الطائف حتى قرب صنعاء) أنها جزء من الحجاز أو السروات.

إن الجزيرة العربية ظلت، بما فيها نجد وجنوب المملكة والمنطقة الشرقية حتى الحجاز، كيانات صغيرة متعددة، متصارعة فيما بينها، تضم بعضها البعض، وتتسع وتضيق حسب قوة كل كيان.
الحجاز والتصارع بين حكم الأشراف والتبعية للقوى الكبرى
ظل الحجاز يشرف ويحكم السلسلة الجبلية من الطائف حتى قرب صنعاء بمجموعة متتالية من الأشراف، وكان الصراع محتدمًا بينهم، في الوقت الذي كان فيه الحجاز نفسه تابعًا للدولة الكبرى التي كانت تسيطر على مصر، ابتداءً من الدولة الفاطمية، فالأيوبية، فالمملوكية، فالعثمانية التي يُعد دخولها وسيطرتها على الشرق الإسلامي (العربي) بداية العصر الحديث في بلاد العرب.
ظهور الدعوة السلفية في الجزيرة وتلاشي الحدود السياسية
في جميع المراحل التاريخية، ولا سيما في العصر الحديث، انعدم وتلاشى ما يُسمى بالحدود؛ فلم تكن الحدود السياسية موجودة، بل كانت القبائل تنتقل من موضع إلى آخر تبعًا للتغيرات والظروف التي تحيط بكل منطقة، حتى ظهرت الدعوة السلفية في نجد، وآزرها السعوديون، وحملوا لواءها في النصف الثاني من القرن الثامن عشر.

بزوغ الدعوة الإصلاحية في عسير وتحول الولاء للدولة السعودية
حينئذٍ، أخذت منطقة عسير وما حولها تعلن ولاءها وتبعيتها واعتناقها للدعوة الإصلاحية الجديدة لابن عبد الوهاب، وانخرط رجالها في حملات وجيوش الدولة السعودية الأولى، وكان لهم دور بارز في حملات الحجاز حتى استطاع السعوديون السيطرة عليه، ونشر الفكر السلفي الصحيح.
الحملات السعودية في بيشة وشهران وتوسع نفوذ الدرعية
قد أدت تحركات الحملات السعودية في أثناء توحيدها لمنطقة نجد وما بعدها إلى انطلاق بعض هذه الحملات، ابتداءً من سنة 1211هـ حين انطلقت إلى شهران وغيرها، فقد أرسل قادة الدرعية جيشًا بقيادة ربيع بن زيد الدوسري في هذا العام إلى تلك البلاد الشهرانية.
وفي العام التالي، سنة 1212هـ، سار ربيع بجيشه إلى بيشة، فأعلن أهلها السمع والطاعة وتبعيتهم للدرعية، ما أثار حنق الشريف الذي قاد جيشه ليستولي على تلك المناطق من يد السعوديين، ولكنه هُزم في الخرمة.
عبد الوهاب أبو نقطة: زعيم عسير الذي بايع الدرعية
أدت انتصارات السعوديين على الشريف غالب وبروز قوتهم إلى اتجاه عدد من قبائل عسير للدخول في طاعة الدرعية، وعلى رأس من انضم لها من العسيريين عبد الوهاب أبو نقطة وأخوه محمد، فأخلصا لقادة الدرعية، وشاركا في حملاتهم على الحجاز حتى خلص لهم.

انتشار الدعوة في المخلاف السليماني
ابتداءً من سنة 1215هـ، بدأت الدعوة السلفية الإصلاحية تنتشر في المخلاف الإسلامي، بعد أن التقى بعض من أهل المخلاف بأتباع الدعوة في موسم حج سنة 1214هـ، ووفدوا إلى الدرعية طلبًا لمزيد من الاستنارة والاتصال بزعمائها، فعادوا إلى بلادهم كخير دعاة، حتى انتشرت الدعوة بين أهالي المخلاف.
في الختام، لم يكن انضمام عسير للدولة السعودية الأولى نتيجة لحملات عسكرية، بل كان تحولًا أيديولوجيًا وسياسيًا عميقًا، قاده زعماء محليون رأوا في الدعوة الجديدة ومشروعها السياسي ما يتوافق مع تطلعاتهم. لقد كوَّن هذا التحالف نقطة حاسمة في تاريخ شبه الجزيرة العربية، فأسهم في ترسيخ قوة الدولة السعودية الناشئة، وأثبت أن تأثيرها قد تجاوز حدود نجد، ليضع حجر الأساس في بناء كيان سياسي موحد سيغير وجه المنطقة في القرون اللاحقة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.