تاريخ صناعة النقود بالمغرب وأسباب تدهورها في القرن 19

تعد الصناعة النقدية المغربية من أعرق الصناعات السيادية في تاريخ العالم الإسلامي، إذ ارتبطت منذ نشأتها المبكرة بالسلطة السياسية وشرعيتها. وقد عرفت هذه الصناعة تطورًا مهمًا منذ ما قبل الميلاد، وبلغت ذروتها التنظيمية خلال العصور الإسلامية، لاسيما في القرن التاسع عشر، لكن هذه الحقبة نفسها شهدت بدايات التدهور النقدي بسبب عوامل داخلية وخارجية، أبرزها التدخل الأجنبي وأزمة المعادن.

في هذا المقال، نستعرض تفاصيل دور السكة المغربية، أنواع النقود المتداولة، وأسباب الانحدار النقدي.

أهمية السكة في التاريخ المغربي والسيادة السلطانية

تتميز الصناعة النقدية بالمغرب بعتاقتها، بحيث ترقى إلى ما قبل الميلاد، وكان الاعتبار القانوني يجعل السكة من أهم شارات الدولة، فإن السلطان وحده هو الذي يملك حق إصدار السكة، ويضع عليها خاتمه، ويتعهد أسعارها وصفاء معادنها، وقد دأب ملوك المغرب على تأسيس دور السكة ورعايتها.

بداية الصناعة النقدية بالمغرب

إن المعلومات عن هذه المؤسسات ما تزال في تفاصيلها ناقصة حتى بالنسبة للقرن الماضي، لضياع كثير من الوثائق والسجلات المتعلقة بها من جهة، لأنها تحاط بسرية تامة من جهة أخرى.

لكن القطع النقدية نفسها كوَّنت لدينا وثائق غنية، إضافة إلى الرسائل والوثائق المخزنية ومختلف الإشارات، ويمكنننا تتبع نشاط هذه المؤسسات بهدف الوقوف على وضعية النقود بها خلال هذا القرن.

دور السكة بالمغرب خلال القرن التاسع عشر

إن دور السكة في القرن التاسع عشر تُعد امتدادًا للدور القائمة في القرن الثامن عشر وقبله، ولهذا دلالة على عراقة هذه الصناعة بالمغرب.

وكانت الدور المشتغلة في القرن التاسع عشر موجودة في كل من فاس ومراكش ومكناس والرباط وتطوان والصويرة؛ وكانت عمليات السك والإصدار تتوالى معتمدة على الطريقتين المتبعتين في أغلب دور السكة في العالم الإسلامي، وهما: طريقة الختم، وطريقة الإفراغ.

سك النقود بالمغرب

  • الطريقة الأولى: يقوم النقاش بتهييء الأختام الحديدية المستعملة في «ضرب» نقود الذهب والفضة.
  • الطريقة الثانية: إعداد قوالب «لإفراغ» فلوس النحاس.

وكلتا الطريقتين تحتاج إلى جهد وعناء وعمليات متعاقبة، من تصميم هندسة النقود، ووضع كتابتها، ونقش أختامها، وعمليات الصهر والإفراغ والتطريق والتقطيع والوزن والختم، وعمليات أخرى على المعادن مثل التشحير والتشبيب... إلخ.

أنواع النقود المغربية الذهبية والفضية والنحاسية من الدينار إلى الفلوس

إن القطع النقدية التي تصدرها دور السكة تعد محدودة الكم. وإذا كانت الوثائق لا تسعفنا بتحديد الكميات النقدية في مختلف عمليات الإصدار، فإن الرسائل السلطانية تفصح عن الأمر بالاستعجال في شأن ضرب السكة لخلو بيت المال من النقود، وهذا يؤكد سمة «القلة».

أما أنواع النقود المغربية التي كانت تصدرها هذه الدور، فتشمل القطع الذهبية، ومنها: الدينار الذهبي الذي يزن 4.25 غرام، وأجزاؤه. وقد كان يُضرب باسم «البندقي» منذ عهد السلطان مولاي سليمان، واختفى في عهد السلطان محمد بن عبد الرحمن.

أما القطع الفضية فلم تضرب منها في القرن التاسع عشر سوى قطع فضية صغيرة، منها: الدرهم الذي يزن 2.911 غرام، ونصفه وربعه، ويسمى هذا الأخير «الموزونة».

العملة الفضية بالمغرب

أما القطعة الكبيرة «المثقال» التي تزن 29.116 غرام، فقد اختفت من التداول منذ نهاية عهد السلطان محمد بن عبد الله في القرن الثامن عشر.

وكانت النقود النحاسية «الفلوس» تصدر في ثلاثة أحجام، وهي الكبير الذي يصرف بـ «أربعة أفلس»، والمتوسط بـ «فلسين»، والصغير بـ «فلس واحد».

النقود الأجنبية وأثرها في التداول المحلي

هذه القطع قد أثبتت كفاءتها إلى منتصف القرن التاسع عشر، فكثر التداول التجاري وتصاعدت عملياته، ولم تعد كمية النقود تلبي حاجيات الرواج، وقد دخلت إلى المغرب أعداد هائلة من القطع النقدية الأجنبية، خاصة منها الإسبانية والفرنسية؛ فمن القطع الإسبانية: الدبلون الذهبي، والريال بأنواعه (بومدفع وزابيل وكارلوس وفونصو)، وأجزاؤه خاصة البسيطة. ومن القطع الفرنسية: قطعة اللويز الذهبية التي تزن 6.4 غرام، والريال الفضي الذي يزن 25 غرامًا، وأجزاؤها ومنها الفرنك الفرنسي.

أسباب تدهور الوضعية النقدية في المغرب

وقد عاشت النقود المغربية منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وضعية متدهورة. ويمكن أن نذكر عوامل هذا التدهور كالتالي:

  • التدخل الأجنبي: استنزف التدخل الأجنبي طاقات البلاد، وحطم أغلب مؤسساته على الصعيد الاقتصادي، وأصبحت مؤسسة دار السكة غير قادرة على مواجهة الوضعية النقدية الجديدة.
  • أزمة المعادن في دور السكة: منذ بداية القرن التاسع عشر قلَّت مردودية المناجم المغربية لأسباب لا تذكرها الوثائق؛ ونظرًا لضآلة هذه المردودية، عاشت دور السكة أزمة معدنية خانقة، اضطرت معها هذه المؤسسات إلى الالتجاء إلى مختلف الوسائل للحصول على المعادن النقدية، فاستعملت نحاس الناعورات وبقايا بعض المدافع الفاسدة وشظايا الفضة، وقطع الحلي، وجُلب النحاس من سوس عن طريق الصويرة ومراكش.
  • عدم كفاءة التصنيع في دور السكة: إن طرق الصنع العتيقة تمثل عائقًا في توفير الكميات المطلوبة من النقود، وإن القطع المصنوعة تعاني تأخرًا صناعيًا سواء في كتابتها أو في أشكالها الهندسية، خاصة منها القطع النحاسية التي تعد مشوهة. 
  • تزوير النقود وتهريبها: مارس التجار الأوروبيون عمليات تهريب النقود المغربية خارج البلاد، وذلك رغبة في الاستفادة من الفرق بين وزن المثقال وهو 29.116 غرام ووزن الريال وهو 25 غرامًا، فكانوا يحصلون على فارق 4.11 غرام من الفضة في كل مثقال، فاستفحل هذا التهريب، وأصبحت له أسواق سوداء.

مثّلت النقود المغربية في القرن التاسع عشر مرآة للوضع الاقتصادي والسياسي العام، حيث تداخلت العوامل التقنية والتجارية والسيادية لتمثل مشهدًا نقديًا معقدًا، ومع تعدد دور السكة وتنوع النقود، لم تستطع الصناعة النقدية الوطنية مقاومة التحديات المتلاحقة، من تراجع مخزون المعادن إلى تزايد تغلغل العملات الأجنبية والتزوير والتهريب، إن دراسة هذا التاريخ ليست فقط غوصًا في ماضٍ مالي، بل تأمل في تجربة سيادية تقاوم الانهيار إلى آخر لحظة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.