تمتلك الكرك تاريخًا غنيًا وجغرافيا متنوعة، جعلتها مركزًا استراتيجيًا على مر العصور، من مملكة مؤاب القديمة إلى العهد العثماني، كانت المدينة شاهدة على أحداث سياسية واجتماعية أثرت في شكلها الحالي. في هذا المقال، نستعرض تاريخ الكرك، جغرافيتها، حياتها الاجتماعية، والموروث الثقافي الذي تميزت به عبر الأجيال.
مؤاب التاريخية وحلم العاصمة في مبتدأ الدولة الناشئة
جغرافيًّا، شملت مؤاب التاريخية، إلى جانب الكرك، مناطق من مأدبا والبحر الميت وذيبان وعمان وماعين، ويجمعها عشائر الحمايدة، كما تشمل هضاب شرق البحر الميت، الحسا والموجب والوالة وزرقاء ماعين.
وكان الصحفي العربي، نجيب نصار، العام 1925م، يأمل أن تصبح الكرك، عاصمة الدولة الأردنية الناشئة حينها، كونها تربط مصر وسورية الطبيعية، فيما منحت الكرك، أهمية لدى الملوك العظام، أمثال ميشع وصلاح الدين والظاهر بيبرس.
جغرافيا الكرك.. الامتداد الجغرافي والتضاريس المتنوعة
ومع أنَّ الطريق الصحراوي، هو الذي يربط الكرك بالعاصمة الأردنية عمان، فإن الطريق الملوكي، الذي بناه الرومان، إبان عهد الإمبراطور تراجان، يمثل حلقة الربط بين حوران والبحر الأحمر، فيما كانت تسلكه قوافل التجارة تاريخيًّا، ويعرف بطريق الموجب أيضًا.

ويتصل الطريق الملوكي، بمناطق الربة، ومؤتة والمزار الجنوبي وذات راس، إلى جانب القصر وجبل شيحان، فيما يقع وادي بن حماد، الذي يتغذى بالمياه من سهول أدر وبتير وصرفا والياروت، وهنالك الثنية.
وتمتد جبال الكرك، من وادي الموجب وحتى الحسا، أكثرها علوًا هو جبل الضباب، فيما تعد منطقة عين سارة أخفض مناطق الكرك، والواقعة في الوادي الشهير باسم المنطقة «وادي الكرك»، ومن المرج يمكنك مشاهدة المدينة التاريخية.
والكرك خشم العقاب، محاطة بأودية الست والإفرنج والكرك، فيما تتسيد المدينة المشهد على جبل ضخم، تتضمن قلعة حصينة متصلة بالمدينة في أحد أطرافها.
الكرك في السياسة والتاريخ.. من الحكم العشائري إلى الانتفاضات الشعبية
سياسيًا، كانت الكرك تحكمها عشائرها، وسط تفاهمات مع الدولة العثمانية، من أجل تأمين طريق الحج الشامي، التي لم تتدخل في حكم شرق الأردن، ما جعل المنطقة ذات خلفية نصف بدوية نصف فلاحية، كما يرى ناهض حتر وأحمد أبو خليل، في «المعزب رباح».
ولكن حملة إبراهيم باشا، تسببت بتشريد أهالي الكرك، على الرغْم من محاولة أهالي المنطقة الدفاع عن منطقتهم، خلال المدة 1840م، ما دفع العثمانيين للاهتمام بالمنطقة، لا سيما اعتبارًا من العام 1893م.
وبعد العام 1893م، ابتنت الحكومة العثمانية، المدرسة الرشدية والجامع الحميدي والعمري، وسرايا المدينة ومستشفى، لكن محاولة فرض التجنيد، كان دافعًا للانتفاضة الشعبية، الشهيرة بـ «هية الكرك»، العام 1910م، إذ قمعتها السلطات العثمانية بقسوة حينها.
الحياة الاجتماعية والاقتصادية.. الزراعة والتجارة في الكرك
وتشكلت القرى، من عشائر المدينة، إذ كانت تستزرع تلك القرى، ضمن علاقات اجتماعية متماسكة فيما بينها، فيما مثلت الكرك منطقة حصينة تستقطب السكان، وتبثهم في محيطها.

وفيما عدا المدينة، فإن محيط الكرك عرف الترحال، إذ كانت الأبنية تستخدم لحفظ الحبوب، وتأمين المسكن للرعاة، وكانت تتسم بالمنازل المؤقتة، فيما كان مركز الكرك، مكتظًا بحوانيت التجار والمطاحن.
ومارس أهالي الكرك، زراعة القمح والشعير والذرة والكرسنة والعدس، فيما يبدأ الحصاد شهر مايو من كل عام، وتتم عملية الدراس والحصاد، بواسطة البهائم، فيما زُرِعَت البندورة والخيار والفقوس، والزيتون على نحو محدود، إذ كانت الكرك تستورد الزيتون من فلسطين.
وكان الفلسطينيون والشوام، هم أكثر تجار الكرك، فيما كانت الكرك تستورد بضاعتها من فلسطين وسورية، إلى جانب تحول بعض الفلاحين الكركيين إلى مهنة التجارة.
وكانت بلدة حمود، مركز تجمع عشيرة الهلسة المسيحية، تحتفظ بالمساكن القديمة، إلى جانب المساكن الحديثة، على الرغْم من أن أهلها هجروها إلى عمان ومناطق أخرى.
المطبخ الكركي.. أطباق تقليدية تظهر الثقافة المحلية
وعرف الكركية، خبز العويص، وأنتجوا الشراك، وقرص النار -خبز المجللة- والغلاسي، واللزاقى، والطابون.
كما لجأ الكركية، إلى أنواع من الوقود، تمثلت في: الحطب والزبل والحرز واللطاطيع والعقدة.

ومارس أهالي الكرك، الرعي للماشية، فيما ارتبط بذلك، مجموعة من العادات والقيم الكركية المماثلة لتلك التي عرفت بها عشائر المنطقة، منها المنايح، إذ يمنح الفقراء بعض المواشي للاستفادة من منتجاتها.
ومن المنتجات المرتبطة بالحلب في الكرك، السمن والجميد والجبن.
ومن أشهر أصناف الغذاء في الكرك: المنسف، والمشوطة، وشوربة النفسا، والمطابق، والرشوف، والمعدسية، والبكيلة، والحثيمة، والمجدرة، والخميعة.
ومن اللافت، أن وجبة العشاء لا الغداء كانت الرئيسة في ثقافة الكرك، كحال حياة الفلاحين، فيما عرفت الكرك، نوعين من الضيوف: ضيوف اللحم، وهم الأكثر أهمية، وتتم عملية الذبح على المناسف لهم، وضيوف الفطيرة، وهم الأناس العاديون.
عادات وتقاليد الكرك.. التكافل الاجتماعي في الفرح والترح
تظهر قيم التكافل الاجتماعي، في منطقة الكرك، عبر صور الفرح والترح، إلى جانب عادات التعامل مع الأعياد الدينية -الفطر والأضحى- إذ تتميز تلك المناسبات بأصناف مخصوصة من الغذاء، إلى جانب النقوط للعريس.
وأما في الوفاة، عرف الكركية، ذبائح الونيسة من المجبرين -أهالي الميت- للغرباء، وفعاليات لا تخلو من الذبائح في أيام الجمعة الأولى، ورمضان الأول، وعيدي الفطر والأضحى الأول بعد المتوفى.
وخلال شهر رمضان المبارك، كان أهالي الكرك، خصوصًا الرجال، يجتمعون عند كبيرهم، ويعملون على جلب سكبات مما طُبخ في المنازل، في عملية كانت تسمى «المقادحة»، فيما يكثر الكركية من صناعة الشوربات خلال الشهر الفضيل.
تظل الكرك واحدة من المدن الأردنية التي تحمل إرثًا تاريخيًا غنيًا، فتتشابك الجغرافيا بالتاريخ والثقافة بالحياة الاجتماعية، من طرقها التجارية القديمة إلى عاداتها المتوارثة، تستمر الكرك في كونها نموذجًا حيًا للتاريخ الأردني العريق.
أجدت تقريب صورة مدينتك الى مخيلتنا واحسنت وصف خصائصها الطبيعية والاجتماعية وتاريخها.
شكرا على على هذا المقال المفيد
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.