تاريخ الكتابة والطباعة والنشر من القلم إلى الواقع الافتراضي

منذ أن خط الإنسان الحرف الأول، انطلقت رحلة المعرفة البشرية التي كان الكتاب أعظم تجلياتها، هذا الابتكار الذي غيَّر وجه التاريخ لم يكن أداة لحفظ اللغات والحضارات فحسب، بل كان شرارة لصناعة عملاقة وصراع أبدي بين قطبين لا غنى لأحدهما عن الآخر: المبدع الذي ينسج الكلمات (الكاتب)، والوسيط الذي يحولها إلى سلعة (الناشر).

يستعرض هذا المقال رحلة الكتاب المذهلة، بدءًا من ثورة الطباعة على يد غوتنبرغ، مرورًا بالغوص في أعماق العلاقة الشائكة بين الكاتب والناشر في عالم يهيمن عليه منطق السوق، وصولًا إلى استشراف مستقبل القصة في عصر الواقع الافتراضي، لنسأل: هل لا يزال الكاتب هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة؟

من اللغة إلى الكتاب ولادة أخطر ابتكار بشري

كانت البدايـة حين ابتُكرت اللغة أوسع الخطوات التي خطتها الحياة والوعي، واللغة البشرية هي التي قادت إلى خلق جنس اسمه البشر، تلك التي أنجبت من رحمها ووظيفتها الجدلية والمحتوى الموضوعي النقدي والواعى، وهي بداية ما نسميه (المعرفة البشرية).

وكانت الخطوة التالية والحتمية هي اكتشاف الكتابة، ولقد كانت وما زالـت الكـتابة من أكـثر الوسائل تأثــيرًا فـي البشـر بشـتى بقـاع الأرض، فبفضلــها صُقلت اللغـات البشـرية، وتحـولت مـن محض رموز وشفرات ملغزة إلى أحرف لا تتطابق أبدًا فيما بينها، ولكل حرف مدلول وإيحاء واستخدام، وتمايزت الشعــوب والحضارات بلغاتها الكتابية، وأصبح ذلك الابتكار من أهم وسائل التواصل البشرية منذ مهدها وإلى الأن. 

اكتشاف الكتابة

لكن أخطر الابتكارات البشرية على وجه الإطلاق كان ابتكار الكتب، ويرجع تاريخ الكتب إلى أزمان موغلة في أغوار التاريخ منذ بداية الخلق، على عكس ما يروج له كثيرون أو يكرس بأن البداية كانت من الحضارة اليونانية – ملاحم هوميروس. فقد جاء في الحديث أن أول من خط بالقلم هو إدريس عليه السلام.

ثورة الطباعة من جوتنبرج إلى مطبعة بولاق

لقد عرف الكتاب ثورته الكبرى يوم خرج من مكبس أول مطبعة في نورمبرغ، بعدما مر بمراحل عصيبة عبر التاريخ. ولذلك سجل مأساوي طويل من الإبادة والحرق. ومما يذكر أن المخترع الألماني يوهان غوتنبرغ (Johannes Gutenberg) هو من ابتكر تقنية الطباعة عام 1447 م، وذلك بتطوير قوالب الحروف التي توضع بجوار بعضها بعضًا ثم يوضع فوقها الورق ثم يُضغط عليها فتكون المطبوعة، ويرجع الفضل لاختراع نظام الطباعة الأسطوانية لـ(ريتشارد هيو) عام 1846 م، فضلًا على آلة صناعة الورق التي اخترعها لويس روبرت عام 1799 م.

يوهان غوتنبرغ

ولم تعرف مصر الطباعة إلا مع الحملة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، حين نقلت الطباعة إلى مصر، وأُنشئت أول مطبعة مصرية في عهد محمد على، عرفت باسم مطبعة بولاق، لكن نتاج تلك المطبعة أول الأمر كان علميًا بحتًا، حتى كان عهد الخديوي إسماعيل، فأخذت في طباعة الكتب الأدبية القديمة.

ومرورًا بالمحطات السابقة وإلى يومنا هذا لم يعد لزحف الكتاب حدود، وكلما زادت المطابع عددًا، زِيدَ الكتاب قوة وجرأة وتأثيرًا، فما ابتكـر الإنسان ابتكارًا فرخ وتكاثر وتناسل مثل الكتاب، فعلى أرضنا هذه منه اليوم مئات أضعـاف ما عليها من البشر! والمطـابع تقـذف منه دون انقطــاع، وكل لحظـة هي في مزيد. 

ومن تبعات ابتكار الطباعة أن أصبحت عملية إنتاج الكـتاب تتوزع بين طرفين هما (الكاتب والناشر) عماد تلك الصناعة، وبينهما سجـال طويل قديم بقـدم تـلك التقنية وتحـولاتها.

قلب الصناعة.. الصراع الأزلي بين الكاتب والناشر

إن الناشـر والكـاتب لا يمكـن لأحـدهما أن يستغني عن الآخـر، فهما يكوِّنان شراكة منوطة بالنهاية بإنتاج الكـتاب، وهذه البداهـة تفــرض أن يكــون قانــون المسـاواة هـو مـا ينظـم شراكتـهما، غير أن الواقع يحدثنا بشيء آخر، فالناشر غالبًا ما يهيمن على الكاتب لاعتماده على مجتمع يعاني من تفسخ القيم ومن داء الربح بأي ثمن، برغم أنه من مصلحة الناشر الشخصية أن يرد التوازن إلى نصابه؛ حرصًا على تماسك تلك الشراكة، يقول أندريه ماريسيل: «مهما يكن نفوذ الناشر فإن اسمه أقل قيمة من موهبة المؤلف». 

وأهمية الناشر الظاهرة في مجتمعاتنا على حساب الكاتب إنما ناتجة من عملية تسويق الكتاب نفسه، على الرغم من قدرة الكاتب على تحقيق ذلك منفردًا إن أراد، فقد استطاع بعض الناشرين أن يتحولوا إلى شركات تجارية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فقد أصبح اسم كل منهم علامة تجارية يعلو (كعبها) على اسم الكاتب وعلى جودة الكتاب نفسه وقيمته، ولأن مجتمعاتنا استهلاكية لأبعد حد يمكن تصوره، فلا يمكـن للكـاتب أن يُعرَف وأن تشتهر أعمالـه -للأسف- دون رخصــة (الناشـر - الشـركة).

تجارة النشر

يقول جاك ماري لافون: «يكتسب توقيع الناشر أهمية بالغة في وعي الناس، فهو يشبه كثيرًا تلك البصمة أو الدمغة التي يمهر بها صناع العطور أو النظارات أو الساعات اليدوية منتجاتهم، والتي تعد علامة تجارية على جودة غير مؤكد ولا متأكد منها دائمًا».

حتى بات النـاشر دينامـو يضمـن انتشار الكتـاب بـين النـاس، غـير أن هـذه الضمـانة لا تؤكد على نحو مـوثوق به أنها ستؤثر بشكل حاسـم في مقـروئية العمل، وذلك أن الناشر ما هـو إلا محـض وسـيط ضمـن وسطــاء عدة، وأن تعاضــد الكـاتب والقــارئ وحــده هو العامــل الحاسـم في وجــود العمــل وتداولـه، فالناشر لا يستطـيع إقنــاع الناس حتمـيًا بشـراء الكتــاب إلا إذا خفـض ثمـن بيعه أو وزعه بالمجان في المكتبات ومعارض الكتـب، وهـذا ما لا يمكن الحلــم به حتـى، بينما في حال معـرفة القـراء المسبقة بالكاتب وجودة قلمه يسهل هذا الإقنـاع بشكل كبير، وحينئذ يتضح المعيار الحقيقي للأمر، ووزن الناشر دون مقاييس مادية أو اعتبارات سوق النشر الاستهلاكية. 

ولقد أسهم بعض النقاد في تفاقم تلك الأزمة بين قيمة (اسم الكاتب واسم الناشر) بطريقة أو بأخرى، وذلك بإعلاء قيمة وقامة الناشر ضمنيًا على حساب الكاتب وقيمته وأصالة ما يكتب، فكثير من القراءات النقدية اليوم تجد فيها اسم الناشر يسبق اسم الكاتب في تلويحة خبيثة بأفضلية أحدهما على الآخر، وهو ما أضر بالكاتب كثيرًا، وبتراكم ذلك الأمر لم تعد دور النشر -وخاصة الكبرى منها- تبحث عن الكُتاب كما كانت تفعل في السابق، بل بات الكاتب يقدم قائمة طويلة من التنازلات لتقبل دار النشر أن تتلقى عمله، على الرغم من أن هذا لا يعني بالضرورة أنه بالنهـاية سَيُنشر.

يقول غاستون كرييل: «من السخف إيلاء الأهمية إلى اسم الناشر، فالذي يهم هو العمل الأدبى، وليس اسم الناشر، بل ولا اسم المؤلف نفسه».  

لذا نجد أن دور النشر الكبيرة لا تنشر بسهولة للكُتاب الجدد، وقد راج مؤخرًا أنه ليتمكن كاتب جديد -غير معروف- من النشر في تلك الدور، عليه أن يبحث أولًا عن تزكية من (واسطة) ذات قدرة مادية أو نفوذ، مع الوضع في الحسبان أن ديباجات الاعتذار دومًا ما تكون معلبة وجاهزة للاستخدام، في حـين لا تنشر تلك الدور سـوى للكـتاب العظـام القـدامى، أو ذائعي الصيت والشهرة الحاليين.

أما عن الناشرين الصغار أو أنماط النشر المحدودة، ففي حالهم الكثير ما يمكن أن يقال، فبمسح عشوائي لتلك الدور الفاعلة في سوق النشر سنجد أنها تنقسم إلى ثلاثة أنواع أو أنماط، هي:

1- دور النشر (على نفقة المؤلف): وهي أجهزة للاختلاس المكشوف بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ.

2- دور النشر (على نفقة الدار): وهي الأكثر خطرًا من النوع الأول، إذ إن خطوة النشر على حساب الدار إنما تعني ضمنيًا أن الكاتب سيُسلب كل حقوقه المادية والقانونية وربما الأدبية، وهذا ما يحدث علانية على مرأى ومسمع من المعنيين بالأمر.

يقول هوبير جوان: «الحديث عن الناشرين لا يخـــلو من شجن، إنهم أكثر من لصوص، لوبيات ومافيات جشعة تمتص دماء الكُتاب والشعراء، ولا رقيب ولا رادع!». 

3- المبادرات الجريئة: وتلك التي تتخـذها بعـض الجماعات ذات التأثير الحقيقي والأصـيل في مجـالات الكتابة والفن عمـومًا، وهم قلائل حد الندرة، وغالبًا ما تتعرض تلك المبادرات بالنهاية لاحتواء الناشرين الكبار.

يقول ستيليوس دو ميدسيس: «المؤلف يبدع عملًا والناشر ينتج سلعة، أليس طبيعيًا في مجتمعنا البرجوازي والمادي والجشع أن تكون الخسة أسمى من الرفعة؟».

وفضلًا على أن دور النشر ليست بضمانة موثوقة لانتشار العمل ورواجه، فإن النشر ذاته ليس بالضمانة الكافية لحفظ الأعمال من الضياع والاندثار -كما يظن كثيرون- فكم من الأعمال التي دمرتها الحروب والهجمات الاستعمارية، فلقد دمرت الحرب العالمية الأولى والثانية -على سبيل المثال- صناعة النشر في الدول التي اندلعت بها، وألقت بأطنان من الكتابات في مهب الريح أمثال أعمال الكاتب الفرنسي مارسيل بروست وغيره كثيرون، ولولا أن الكُتاب المثابرين أمثاله أعادوا إنتاج كتاباتهم في صبر وعناد، ما عادت هذه الأعمال لعالمنا تارة أخرى.

أهمية عملية النشر

أي إن الكُتاب أنفسهم هم من قاموا بإعادة إحيائها وليست دور النشر، كما لم يصمد النشر ذاته في سبيل إبقائها، وكم من الأعمال الرائعة التي اختفت نسخها بعد طبعها لأكثر من طبعة، وما عاد لها من أثر الآن، والأمثلة كثيرة، ولهذا لا يمكن الاتكاء بالكلية على أن النشر هو الحافظ لتلك الأعمال؛ الأمر الذي يولي الناشر والنشر أهمية تفوق قدرهما الطبيعي ووظيفتهما المحددة والمحدودة.

والغريب في الأمر أن اسم الناشر من وجهة النظر الاجتماعية أهم من اسم المؤلف، فالقارئ حين لا يعرف اسم المؤلف يشتري كتاب الناشر الذي يثق به، كما أنه لا يثق إلا في المؤلف الذي تتحدث عنه الصحافة والنقاد، وهما نوعان إما مؤلف ذو قلم يعتد به، وهذا لا يعني عدم وجود من هو أفضل منه بين الكُتاب الجدد أو القدامى، أو ذلك الذي يملك من المال ما يشتري به النقد والدعاية.

وبفضل عـدم مبالاة القـراء والنقاد لتلك السلطـة الجـائرة التي يعطيـها الناشرون لأنفسهم، استفحلت رقعة سيطرتهم على سوق الكتاب، وفي ذلك لا نبرئ ساحة الكُتاب، فمنهم كثيرون ممن يذلون أنفسهم أيما إذلال حين يرضخون بإذعان شديد لشروط دور النشر المجحفة، دون أن يعي أي منهم أنه بذلك يسيء إلى إبداعه حين يعتقد أن اسم الناشر على أغلفة كتبه يعد تأشيرة مرور إلى الشهرة والتكريس وحصد الجوائز.

ولا يدرك أحدهم الطامة الكبرى التي أذهب بيده إنتاجه في طياتها إلا بعد فوات الأوان، عندما يصبح الكتاب بين قياد الناشر يجني ثماره وحده، ولا طائل للكـاتب في أن يسترد حقـه الذي سُلب، وتجـارب الكُتاب في ذلك لا حصـر لها، يكاد يكون لكل كاتب تجربة ومعاناة على أقل تقدير.

ديستوفسكي وعقد (المقامر) المجحف

يعرف المهتمون بالأدب الروسي واقعة كتابة ديستوفسكي لروايته الشهيرة (المقامر)، فقد كتبها في أقل من شهر واحد، وتحديدًا في ستة وعشرين يومًا، وكان في أثناء كتابتها يكتب رواية أخــرى هائلة هي (الجـريمة والعقاب)، وينشـرهـا مسلسلة فــي جريدة (البشير الروسـي)، فقـد كـان الكاتب العظـيم في أزمة مالـية طاحـنة، واضطـر إلى قبـول عقد نشر مجحف، تعهد فيه أن يسلم الناشـر رواية جـديدة في موعد محـدد، وإذا لم يفعل فإنه يحـق للناشر أن يحتكر نشـر إنتـاج ديستوفسكي الجديد مــدة تسع سنوات بلا مقابل.

دستويفسكي ورواية المقامر

وكـان كلما اقترب موعد تنفــيذ العقــد تزايد قلــق الـروائي الكبـير وقلق أصدقائه عليه، واقترح عليه أصدقاؤه أن يجلس معهم ليشـرح لهم فكرة رواية جديدة، وتصوره لها، ولشخصياتها، ثم يكتب كل منهم عددًا من الصفحات ويقدمونها إليه لينقحها ويعدلها، ولكنه رفض هذا الاقتراح قائلًا: إنه لا يضع اسمه على عمل لم يكتبه.

وأخيرًا لم يجد أمامه سوى أن يكتب الرواية بطريقة مبتكرة، فقد أملاها على كاتبة اختزال، وقسَّم يومه بطريقة عجيبة، كان يملي عليها من الثانية عشرة ظهرًا إلى الرابعة عصرًا جزءًا من روايته (المقامر)، وبعد ذلك تتفرغ هي لكتابة ما اختزله، ويعكف هو على كتابة فصل جديد في (الجريمة والعقاب)، ثم يسهر الليل لإعداد الجزء الذي سيمليه في غده من (المقامر)، وفي الصباح الباكر ينقح ما كتبته في اليوم السابق كاتبة الاختزال، ويعيش في جو روايته، ليبدأ الإملاء في منتصف النهار.

وفي آخر يوم من آيام العقد وفي العاشرة مساء بحث ديستوفسكي عبثًا عن الناشـر، ولم يجده، فقـد غــادر المدينة، فذهب الروائـي إلى مركــز الشرطة الذي يتبعه بيت الناشر وأثبت في مذكرة رسمية عدم وجود الناشر بمنزله، وسلم الروايـة، واستلم إيصالًا بالوقت والتاريخ.

تاريخ الرواية من الشفاهية إلى الواقع الافتراضي.. مراحل القصة عند الشاروني

لقد قسم الكاتب الكبير يوسف الشاروني تاريخ القصة إلى أربعة مراحل: العصر الشفاهي، ثم عصر المطبعة، ثم عصر وسائل الاتصال الجماهيرية، ثم مرحلة الشريط السمعي والشريط البصرى. وقد تطورت القصة في كل مرحلة بما يلائم طريقة توصيلها.

1- في العصر الشفاهي كان المؤلف مجهولًا؛ لأن كل رواية كان يضيف ويحذف من القصــة حتى يشــوق جمهور المستمعين، وكان السجع وتضمين أبيات الشعــر مطلــوبًا؛ حتى يسهل على الرَّاوية حفظ القصة ويكون لروايته وقع جميل على آذان المستمعين، ولأنه يخاطب الآذان فقد كان هذا الأدب مثل السير الشعبية ممتلئًا بالأحـداث، ولا مجال فيه للتأمل أو التوقف عند المشاعر.

2- وفي عصر المطبعة صار المؤلف معروفًا، وكان من الضروري أن يتخلى عن السجـع وتضمين أبيات الشعــر، وأصبح بطــل القصة فردًا عاديًا بعد أن كان نبيلًا أو حاكمًا أو بطلًا شعبيًا مثل عنترة أو الظاهر بيبرس، وصار من الممكن أن تقــرأ رواية عن 24 ساعة في حياة شخص كما فعلت الأديبة فرجينيا وولف، وظهرت أساليب في القصة مثل تيار الوعي والمونولوج الداخلي.

3- وعندما انتشرت وسائل الاتصال الجماهيرية كالإذاعة والتلفزيون عدنا إلى عصر الشفاهية متضمنة عصر المطبعة، لم يعد المؤلف وحده صاحب الدراما الإذاعية والتلفزيونية، وإنما صار كاتب السيناريو والمخرج والمؤدي يشاركون في تقديم القصة، فعدنا أدراجنا إلى جماعية التأليف، وعادت الآذان تتلقى في حالة الدراما الإذاعية، والآذان والأعين في حالة الدراما التلفزيونية، وبذلك جمعنا بين عصر المطبعة والعصر الشفاهي، وصار من الممكن أن يكون جمهور القصة جمهورًا غير قارئ، كما كان الحال في العصر الشفاهي.

4- ثم جاءت مرحلة اختراع الشريط السمعي والشريط البصري، فرجعنا إلى عصر الكتاب مضافًا إليه ما اكتسبناه في مرحلة الإذاعة والتلفزيون، وأصبح في إمكاننا اختيار الوقت الذي نسمع فيه أو نرى ونسمع الشريط كما كان الحال في عصر الكتاب، وأيضًا نسترجع ما فاتنا من الشريط، كما كنا نقلب في صفحات الكتاب. 

وقد علق الشاروني على مستقبل القصة المطبوعة بقوله: «القصة المطبوعة سوف تبقى، ولكن ليس في النطاق الجماهيري، قد تقتصر قراءتها على الهواة الذين يريدون كتابة أفكار قصصية لوسائل الاتصال الجماهيرية، حيث العائد المادي والأدبي، أما الجمهور العريض فسوف يقبل على الدراما الإذاعية والتلفزيونية حتى يظهر اختراع علمي جديد يؤدي إلى تطور جديد في وسائل الاتصال، قد تظهر «دراما في برشامة» والأفضل أن نترك هذه التصورات لأدباء الخيال العلمي دون أن يزعجنا التطور».

ولعل كاتبنا يوسف الشاروني في تصنيفه هذا لم يكن قد ناهز تكنولوجيات عصر الإنترنت وثورة الاتصالات وتقنياتها ومؤثراتها المبهرة التي جمعت بين أشتات الطرق السابقة مضيفة إليها المؤثرات البصرية والسمعية وتقنيات 3D ، 7D، وثورة الواقع الافتراضي Virtual Reality، والذي يدخل الجمهور في بيئة العمل وكأنه مع شخوص القصة، يراهم ويتفاعل معهم ويشعر بهم ويتأثر بحراكهم بشكل مذهل، أي إن المتلقي يسمع ويرى ويشعر ويتفاعل بنفسه؛ ما يؤدي في حالات كثيرة إلى الإصابة بالاضطرابات العصبية؛ نتيجة التعايش الكامل مع الشخصيات في الزمان والمكان والأحداث.

في نهاية المطاف، يتضح أن الكتاب ليس صفحات مصفوفة، بل هو ساحة معقدة للتفاعل بين الإبداع والتجارة، وبين سلطة المؤلف وسلطة الناشر. وكما بيّن تاريخ الصناعة، من العقد المجحف الذي وقّعه دوستويفسكي إلى هيمنة دور النشر الكبرى اليوم، فإن هذا الصراع على القيمة سيظل قائمًا. لكن مع تطور الوسائط الرقمية والواقع الافتراضي كما تنبأ الشاروني، قد تتغير أدوات الصراع وتتحول موازين القوى. ويبقى السؤال الأهم: هل ستمنح التكنولوجيا الجديدة المؤلف استقلالية أكبر، أم أنها ستخلق أنماطًا جديدة من الوسطاء والناشرين، ليبدأ الصراع من جديد في ثوب مختلف؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.