في المقال أدناه تجدون ترجمة لأحد عناصر ورقة بحثية صدرت عام 1996 بعنوان "وضع تاريخ وفلسفة العلوم في المناهج: نموذج لتطوير البيداغوجيا".
اقرأ أيضًا: أهمية وتأثير العلوم الاجتماعية في حياة الإنسان
قيمة علم تطور السلالات في تنشئة التفكير عند الأطفال
من السمات المتكررة في الأدبيات البنائية الاهتمام بالتوازي بين تنشئة التفكير العلمي لدى الأطفال وتطور السلالات للمفاهيم العلمية في الثقافة. أشار كثير من الباحثين إلى هذه التوافقات (Driver & Easley, 1978; McDermott, 1984; Viennot, 1979; Vosniadou & Brewer, 1987).
ومع ذلك، فإن الفكرة القائلة إن التنشئة تعيد تمثيل تطور السلالات لا تدعمها الأدلة المستخلصة من الفحص الدقيق للتطور التاريخي للمفاهيم العلمية.
دراسة ويسر وكاري (1983) لتطور مفهومي الحرارة ودرجة الحرارة، ووانديرسي (1985) لفهم الطلاب لعملية التمثيل الضوئي، ودراسة فوسنياودو وبروير (1987) لتطور مفهوم الأرض كونها جسمًا كرويًّا، فيكون "الأسفل" باتجاه مركز الأرض، جميعها تظهر وجود اختلافات مهمة بين تفكير الأطفال والأصول التطورية لهذه المفاهيم.
وقد أشار إلى هذه النقطة أيضًا ليثكوت (1983) وجولد (1991)، فقد لاحظ كلاهما الفروق الكبيرة في السياق. وبما أن "العوامل الميتافيزيقية والمعرفية والاجتماعية تؤدي دورًا مهمًّا في تكوين التمثيل" (Nersessian, 1989)، وبما أن الطفل اليوم يعيش في بيئة مادية واجتماعية ثقافية مختلفة جدًّا عن أسلافه، فهذا متوقع إلى حد ما.
اقرأ أيضًا: رواد تبسيط العلوم في مصر- الجزء الاول
المهم، على أي حال، هو أن هذه الدراسات وغيرها تظهر أن تفكير الأطفال أقرب إلى التفكير ما قبل النظري (preparadigmatic)، وأنهم غالبًا ما يحتفظون بمفاهيم خاطئة تشبه تشابهًا كبير الآراء التي كانت سائدة في وقت من الأوقات في التطور التاريخي للمفهوم العلمي. وبذلك يمكن استخدام تاريخ العلوم أداة إرشادية مفيدة لتوقع بعض الصعوبات المفاهيمية التي قد يواجهها الطلاب. (Wandersee, 1985).
أو كما عبَّر عن ذلك ماثيوز (1989): "فهم المواضع التي كانت العقول العظيمة تواجه فيها صعوبات، تنبِّه المعلم (والطفل) إلى المواضع التي قد تواجه العقول الأقل عظمة فيها صعوبة".
لذلك، من الواضح أن التصورات الفطرية للأطفال غالبًا ما تحتوي على ميزات ظهرت في مدة ما من الماضي. لذا، نتفق مع نيرسيان في القول إن طبيعة التغيرات النوعية، وليس التغيرات الفعلية التي تحتاج إلى إجرائها في إعادة هيكلة المفاهيم، وأنواع الاستدلالات، وليس الحجة الفعلية المشاركة في عملية بناء التمثيل العلمي، هي التي من المرجح أن تكون متشابهة بين العلماء وطلاب العلوم.
فعلى سبيل المثال، يتميز التفكير الأرسطي والتفكير العلمي المبكر بالتركيز على الإدراك والوصف وطبيعة جوهر الأشياء والمفاهيم الغائية للسببية، وهذا مشابه لتفكير الأطفال. بالمقابل، فإن السمات القوية للفكر العلمي الحديث تتمثل في استخدام الكيانات المتخيلة، والتمثيلات المجردة في البداية للطريقة التي قد يكون عليها العالم، والتمثيل الكمي والتلاعب به، والتفسيرات السببية التي تفحص التفاعلات بين هذه الكيانات، وهي ما أطلق عليه كوير "ترييض الطبيعة" (Koyré, 1978). لذا فإن كثيرًا من التفكير العلمي الحديث، الذي تم الوصول إليه عن طريق الاستدلال الرياضي المجرد، يمكن أن يبدو غالبًا غير طبيعي (Wolpert, 1992) ومخالفًا للبديهة (Cromer, 1993).
اقرأ أيضًا: الفكر التربوي وآداب المعلم والمتعلم عند ابن خلدون
إدخال جوانب من تاريخ العلوم في منهج العلوم يوفر للمتعلمين نوعين من الدعم
أولًا: من المريح أن نرى أن الآخرين قد فكروا بطريقة مماثلة أن امتلاك مثل هذه الأفكار ليس بالضرورة دليلًا على الغباء؛ ما يحرر المتعلم من الشعور بالذنب حيال ذلك. ففي نهاية المطاف، فكر رجال محترمون وذوو ذكاء عالٍ بطرائق مشابهة جدًّا في الماضي.
(يشير جولد (1991) إلى نقطة مهمة وهي أن هذا صحيح فقط على أعلى مستوى من التعميم. أي فحص للسجل التاريخي يكشف عن كثير من التفاصيل والتعقيد لدعم الفكرة الأساسية).
ثانيًا: بعد التوصُّل إلى هذه المماثلة، يصبح من الواضح أيضًا أن مثل هذه الأنماط من التفكير هي ببساطة تاريخية، من الماضي وليست من الحاضر، وأن التفكير الحالي يقدم تحسينات، فكرة أكثر قيمة من حيث النطاق والتفاصيل والفائدة والتنبؤات من أي فكرة قد يحملها الطالب حاليًا.
نعتقد أن الإدراك الذاتي للطبيعة التاريخية لتفكيرهم، سيحث الطلاب على الانتباه إلى قصور مفاهيمهم الخاصة وفحص الأفكار العلمية الحديثة. ومن هنا، فإننا نعتقد أن التعرف على أي تشابه بين تفكيرهم وأسلافهم التاريخيين يمنحهم دافعًا قويًّا لتعلم العلوم، وهو -أي الدافع لتعلم العلوم- الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لمعلم العلوم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.