تاريخ العلوم الإبستيمولوجيا وأثر الحضارة الإسلامية على الغرب

في سياق تاريخ العلوم ونظرية المعرفة (Epistemology)، يبرز جدل كبير حول كيفية تطور العلم: هل هو نتاج التراكم المعرفي التدريجي، أم يحدث عبر القطيعة الإبستيمولوجية كما يرى غاستون باشلار؟

يتناول هذا المقال هذا الجدل ويطبقه على دور الحضارة الإسلامية، رافضًا فكرة أن العلم الحديث غربي بالكامل. بل يثبت بالدليل القاطع أن العلم في الحضارة الإسلامية لم يكن مجرد ناقل، بل كان حلقة وصل ومُصححاً ومُطوراً أسهم في بناء صرح النهضة الأوروبية الحديثة.

سنستكشف أبرز دور العلماء المسلمين في مجالات الطب والرياضيات والفلك، وكيف مهد تأثير الحضارة الإسلامية في الغرب لفتوحات الثورة العلمية، مؤكدين أن التراكم المعرفي هو جوهر تطور البشرية.

في تاريخ العلوم ونظرية المعرفة التي تُعرف باسم «الإبستيمولوجيا (Epistemology)»، وهي فرع من فروع الفلسفة يهتم بالمعرفة العلمية وأنساقها ومصادرها وشروط نشأتها وتطورها، توجد نظريتان لكل منهما استتباعاتها: نظرية التراكم ونظرية القطائع. أما التراكم فيعني أن العلم -أي علم- إنما يُبنى لبنة لبنة، يستفيد فيه اللاحق من السابق. وأما القول بالقطيعة فيعني أن العلم لا ينمو ولا يتطور إلا بالقطع مع إرثه وماضيه.

فيُشير مصطلح «الإبستيمولوجيا التراكم» عامة إلى تلك النظرة التي ترى أن العلم ينمو تدريجيًا عبر مراكمة معارف جديدة إلى معارف سابقة، وأنه يتطور بحلقات مترابطة، وهي وجهة نظر تعارضها نظرية «القطيعة الإبستيمولوجية» التي يمثل الفيلسوف الفرنسي «غاستون باشلار» أبرز روادها، وهي نظرية ترى أن تاريخ العلوم لا يحدث عبر التراكم، وإنما بقفزات نوعية في المعرفة العلمية تتجاوز بها الأفكار القديمة التي تعدها مكبلة لأي تطور.

واستنادًا إلى وجهات النظر هذه، تم التعامل مع تاريخ العلم الحديث، وهو ما حدا بكثير من الكتاب الأوروبيين إلى إنصاف الحضارات السابقة والتأكيد على دورها في بناء صرح العلم الحديث. في المقابل، تحامل آخرون على تلك الحضارات وبخسوها دورها، وكأن العلم عندهم هو سليل حضارة غربية حديثة بدأ التاريخ معها وقد ينتهي عندها في نوع من «التمركز على الذات» وإقصاء للآخر.

أما في المجال العربي الإسلامي، فقد اختلفت نظرتنا إلى العلم وإلى دور حضارتنا فيه بين رؤية قائمة على التمجيد يُضخم منجزاتنا حتى تغطي على ما سبقها، ويجعل للعلم العربي كل الفضل فيما وصل إليه عصرنا من تطور علمي وتقني. وثاني المواقف تحقيري يرى فيه مجرد «شبح» لما سبقه وامتدادًا للإرث الفارسي واليوناني في نوع من استنقاص للذات. إضافة إلى أن العلم ظل -على أهميته- على هامش الحضارة العربية الإسلامية.

وبعيدًا عن هذه المواقف المتباينة، سنحاول أن نبين كيف كان العلم في الحضارة الإسلامية حلقة رئيسة في تاريخ العلوم، ورافدًا مهمًا من روافد العلم الحديث، مسلطين الضوء على دور العلماء المسلمين.

الشك بين الجاحظ وديكارت: مقاربة نظرية المعرفة

يُعد الشك منهجًا علميًا يهدف إلى الوصول بصاحبه إلى الحقيقة، بعيدًا عن الريبية والجحود والعدمية من جهة، وبعيدًا عن الوثوقية والدوغمائية أيضًا. وقد احتفل الغرب بالفيلسوف الفرنسي «رونيه ديكارت» و«مقالته في المنهج» بعدِّه فيلسوف الشك الذي قابل الاعتقادات الراسخة والأوهام المعطلة بالتشكيك فيها لبناء المعرفة العلمية الصحيحة. غير أن الجاحظ قد سبق ديكارت بقرون في كتاب «الحيوان» عندما زين لنا الشك باعتباره طريقًا إلى اليقين في قوله: «وبعد هذا، فاعرفْ مواضع الشك لتعرف بها مواضع اليقين.. وتعلمْ الشك في المشكوك فيه تعلمًا».

الشك عند ديكارت

وانطلاقًا من منهج الشك، نجح الجاحظ في تصحيح الكثير من الروايات والأخبار والمأثور «غير العقلي» في الثقافة العربية الإسلامية، كما رد على كثير من آراء فيلسوف اليونان الأول «أرسطو» حول الحيوان، وبين عدم دقتها.

فضل الطب العربي: من الشكوك على جالينوس إلى الدورة الدموية الصغرى

يمكن القول إن الطب العربي كان له الفضل والسبق قديمًا وإلى حدود النهضة الأوروبية الحديثة. فهذا أبو بكر الرازي الطبيب العربي المسلم، صاحب موسوعة «الحاوي في الطب» في القرن الهجري الثالث، يضع كتابًا في الرد على آراء أشهر أطباء العصور القديمة «جالينوس»، سماه «الشكوك على جالينوس»، اعترض فيه على كثير من النظريات والتجارب الطبية الخاطئة رغم شيوعها، وهو ما يعكس جرأة وثقة في النفس وتمكنًا معرفيًا كبيرًا.

بالإضافة إلى ذلك، صحح ابن الهيثم، عالم البصريات المسلم، تفسيرًا يونانيًا قديمًا لنظرية الإبصار، كان يُعتقد أن نورًا ينطلق من العين نحو الأشياء، والحال أن الإبصار يسير من الأشياء نحو العين، من خلال كتابه «الشكوك على بطليموس»، وهو كتاب طبي فيزيائي ألَّفه ابن الهيثم في القرن الخامس للهجرة، ينتقد فيه عددًا من آراء «بطليموس» اليوناني في البصريات، مُشيرًا إلى الكثير من المتناقضات التي وجدها في أعماله.

بينما أسهم ابن النفيس، مكتشف الدورة الدموية الصغرى، في الفتوحات الطبية اللاحقة، ومهد الطريق أمام التشريح لمعرفة أدق بالأجهزة الداخلية للكائنات الحية. ولا يخفى حتى على الغربيين أنفسهم ما لابن سينا، مؤلف موسوعة «القانون في الطب» وكتاب «الشفاء»، من تأثير الحضارة الإسلامية في الغرب، إذ ظل هذان الكتابان المرجع الطبي الوحيد حتى القرن الثامن عشر في جامعات أوروبا.

وبالتوازي مع تطور الطب، ازدهر رديفه علم الصيدلة، فقد أسَّس ابن الهيثم نفسه أول صيدلية للأدوية في بغداد، وبرع آخرون في هذا المجال، منهم ابن البيطار، صاحب أحد أشهر المصنفات في هذا المجال، عنوانه «الجامع لمفردات الأدوية والأغذية».

فقد استطاع الصيادلة العرب والمسلمون الأوائل تصنيف الأعشاب الطبية، واستخراج الكثير من الأدوية التي لم تكن معروفة قبلهم، بما في ذلك عقاقير تخدير المريض أثناء الجراحة.

ومع ازدهار الطب والصيدلة، نشأت المستشفيات التي كانت تُسمَّى «البيمارستانات»، وأشهرها «البيمارستان النوري» في مدينة دمشق، و«البيمارستان المنصوري» في القاهرة.

علم التشريح والجراحة: الزهراوي وابتكار أدوات الجراحة (Surgical Instruments)

أسهم التطور الطبي في تطوير «الصنائع»، إذ إن أدوات الجراحة التي نعرفها اليوم من مشارط ومباضع وملاقط ومناشير، أغلبها تعود إلى زمن أبي القاسم الزهراوي الطبيب الأندلسي في القرن الرابع الهجري الذي يعد أول من أجرى العمليات الجراحية الدقيقة باستعمال تلك الأدوات الخاصة كجراحة البطن والعيون وجبر الكسور، وهو أول من استخدم خيوط الجراحة من أمعاء الحيوان لأنها أكثر ملاءمة للجسم ولا تُسبب تعفنًا. وهذا كله مهد لابتكار خيوط الجراحة. إضافة إلى ذلك، وصف الزهراوي أدوات الجراحة وشرحها من خلال الصور والرسوم التي عجت بها مخطوطاته، وكانت منطلقًا في تصميم أدوات الجراحة الطبية الحديثة.

الخوارزمي ريادة الخوارزميات

كان دور العلماء المسلمين الأوائل في تطور علم الرياضيات كبيرًا، سواء بابتكارات كالجبر أو الخوارزميات، وهي فروع من الرياضيات ظلت حتى اليوم تتسمى باسم هؤلاء الرواد: فالجبر المسمى Algebra إنما هو مشتق من اسم العالم «جابر بن حيان»، وكذلك الخوارزميات Algorithms، فتنتسب إلى عالم الرياضيات، صاحب كتاب «الجبر والمقابلة» محمد بن موسى الخوارزمي، الذي عاش في القرن 3هـ بمدينة بغداد.

وهذه الكشوفات في الحساب والرياضيات، لولاها، لما تحدثنا اليوم عن تطور تقني في مجال الحاسوب والكمبيوتر، الذي يعتمد لغة رياضية ذات نظام عددي ثنائي (0/1)، ويترجم كل أوامره وبرمجياته إلى «سلاسل» خوارزمية. كما يتم استخدام هذه التسلسلات الثنائية الخوارزمية لتمثيل كل البيانات في الأجهزة الرقمية عمومًا، بما في ذلك الهواتف الذكية. وتعتمد تقنيات التشفير في بطاقات الائتمان مثلًا على الخوارزميات لحماية البيانات الشخصية. واليوم، نستخدم الخوارزميات لتدريب الذكاء الاصطناعي وتطوير أدائه.

القبة الفلكية: دور المراصد الإسلامية في تاريخ العلوم

انتشرت في العالم الإسلامي القديم المراصد الفلكية، وهي مؤسسات علمية تختص بدراسة الأجرام السماوية وحركة الكواكب، وأشهرها مرصد مَراغة (أذربيجان)، ونيسابور وأصفهان شرقًا إلى دمشق والقاهرة غربًا. وقد وصلنا مخطوط رسالة مهمة لعالم من القرن 7هـ يُدعى مؤيد الدين العرضي، تفصل كيفية صنع أدوات الرصد الفلكي، وفي مقدمتها الأسطرلاب.

وقد عمل العرضي في مرصد دمشق، ثم مرصد مراغة تحت إشراف عالم الفلك الكبير نصير الدين الطوسي، الذي أنقذه علمه من براثن هولاكو، ونجح في إنشاء مرصد فلكي متطور في مدينة مَراغة، وجعل منه أول أكاديمية علمية بالمعنى الحديث، إذ جمع فيها نحو 400 ألف مجلد، تحوي نفائس الكتب في مختلف العلوم، التي أنقذها من قبضة المغول وهربها من مكتبات بغداد. كما جمع في هذا المرصد عددًا كبيرًا من العلماء، فأصبح أهم «قبة فلكية» في العصر الوسيط، لما أنتجته من حسابات فلكية دقيقة، ولما قامت به من فتوحات علمية تتعلق بالخسوف والكسوف ومواقع النجوم وحركة الكواكب، مهَّدت للثورة الكوبرنيكية الحديثة في علم الفلك، خاصة أن أعماله وجدت طريقها إلى مكتبة الفاتيكان منذ منتصف القرن 15 الميلادي.

التراكم المعرفي وتأكيد أثر الحضارة الإسلامية

هذا العرض يؤكد أن تاريخ العلوم لا ينفصل عن مبدأ التراكم المعرفي، وأن العلم في الحضارة الإسلامية كان نقطة ارتكاز حاسمة في سلسلة التطور البشري. إن دور العلماء المسلمين كـ(ابن سينا و الخوارزمي) لم يكن صدى للحضارات السابقة فحسب، بل كان تطويرًا وتصحيحًا وابتكارًا لا يمكن للنهضة الأوروبية أن تتجاهله.

وهكذا، نتبيَّن بهذا العرض أن العلم العربي الإسلامي القديم -كما أخذ عن الأمم السابقة من هنود وفرس ويونان- فإنه أضاف إلى تاريخ العلوم إضافات نوعية تشهد عليها الكتب والآثار الماثلة إلى اليوم، وهو ما يجعلنا نقر بأن تاريخ العلوم إنما ينبني على التراكم والتواصل لا على القطائع.

وهو ما دفع بالمستشرقة الألمانية «زيغريد هونكه» إلى الإقرار في كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب» بفضل العرب والمسلمين الأوائل على الحضارة الإنسانية؛ لأنهم حموا الإرث العلمي والحضاري السابق بترجمته وشرحه وحفظه وتطويره، ومهدوا بتأثير الحضارة الإسلامية في الغرب وابتكاراتهم للثورة العلمية الحديثة وللنهضة الإنسانية المعاصرة.

يثبت دور العلماء المسلمين أن تاريخ العلوم هو قصة تراكم معرفي متصل، وليس سلسلة من "القطائع الإبستيمولوجية". من شكوك الرازي وابن الهيثم إلى خوارزميات الخوارزمي، لم يكن العلم في الحضارة الإسلامية مجرد ناقل، بل كان مُصححًا ومُطورًا ومُبتكرًا، وهو ما اعترفت به زيغريد هونكه، مؤكدةً أن شمس العرب سطعت على الغرب لتمهيد الطريق للنهضة الحديثة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.