يمتد عمر العراق الحضاري الموثق إلى أكثر من 7000 عام، بدءًا من استقرار القرى الزراعية الأولى في شمال البلاد وتحولها تدريجيًا إلى مراكز مدنية؛ حيث تشير المكتشفات الحجرية في موقع «برده بلكه» والكهوف الشمالية إلى أن جذور الاستيطان البشري المنظم تعود إلى مئات آلاف السنين، ليتوج هذا المسار بريادة العراق التاريخية للعالم في إرساء اللبنات الأولى للتدوين البشري والكتابة الصورية.
لقد مر العراق القديم خلال مسيرته الحضارية بعصور ما قبل التاريخ وبكل فتراتها التي أسهمت في تكوينه والتمهيد لحضارته ووحدته، وإن كانت معظم البقايا والمخلفات الأثرية التي تم العثور عليها وتعود إلى هذه العصور منتشرة بين طبقات الكهوف المنتشرة على حافة جبال زاجروس في شمال شرقي العراق.
ويقودنا الحديث عن هذه البدايات إلى سؤال يتردد كثيرًا في الأوساط التاريخية: ما هو عمر العراق الحقيقي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تأخذنا إلى أعماق الزمن؛ حيث يمتد عمر العراق الحضاري الموثق إلى أكثر من 7000 عام، وتحديدًا منذ استقرار القرى الزراعية الأولى في شمال البلاد وتحولها تدريجيًا إلى فجر المدنية البهية.
هذا العصر الممتد جعل الباحثين يتساءلون دومًا: من هي أقدم حضارة العراق أم مصر؟
وفي الواقع، يرى علماء الآثار أن الحضارتين نشأتا في فترات متقاربة للغاية؛ فبينما تميزت مصر بوحدة سياسية مبكرة واستقرار حول وادي النيل، كان العراق يسبق العالم في إرساء اللبنات الأولى للتدوين البشري والكتابة الصورية في مراكزه الحضارية المتعددة، ما يجعلهما معًا التوأم الحضاري الذي أنار الدرب للبشرية جمعاء.
إن دراسة تاريخ الإنسانية سواء أكان غير مسجل (عصور ما قبل التاريخ) أو مسجلًا (عصوره التاريخية) يعتمد أساسًا على ما خلفه وما تركه الإنسان من أدوات وأسلحة وأوانٍ مختلفة، وأبقاه لنا الزمن من أطلال وبقايا مقابر ومنازل وما شابه ذلك.
تقسيمات العصور الحجرية القديمة في بلاد الرافدين
تنقسم عصور ما قبل التاريخ إلى ثلاثة عصور تنتسب إلى كلمة من أصل إغريقي هي كلمة ليتك (Lithic) بمعنى حجري، إشارة إلى تغلب الأدوات الحجرية فيها، وهي:
- العصر الحجري القديم (باليوليتك).
- العصر الحجري الوسيط (ميزوليثك).
- العصر الحجري الحديث (نيوليتك).
- العصر الحجري النحاسي (كالكوليتك)، أو ما يعرف بعصر البرونز اصطلاحًا وينتهي نحو 3000 ق.م.
أولًا: العصر الحجري القديم (Paleolithic)
ويمتاز العصر الحجري القديم بأن الإنسان كان يجمع قوته ولم ينتجه بيده، أي كان يعيش على الجمع والالتقاط، ولم تكن الزراعة قد عُرفت بعد ولا تدجين وتربية الحيوانات، فكان جُل اعتماده على النباتات البرية والحشائش وجذور النباتات، ومارس حرفة صيد الحيوانات بآلات بدائية ساذجة محدودة، لذا سُمي بمرحلة جمع القوت والحياة البدائية.
وقد التجأ إنسان العصر الحجري القديم إلى الكهوف والمأوى الصخرية ليحتمي بها من قسوة الطبيعة، وقد استعمل الإنسان الأحجار الطبيعية أولًا ثم أخذ يصنع الأدوات البسيطة.
وقسم هذا العصر الطويل الذي استمر مدة طويلة من عمر الإنسان إلى أدوار ومراحل اعتمادًا على ما قام به من صنع أدواته وآلاته:
1. العصر الحجري القديم الأسفل
وتسمى بحضارة الفأس اليدوية؛ لأن هذه الفأس هي أهم الآلات الحجرية في ذلك العصر، وقد عرف الإنسان خلالها طريقة استخدام النار، وعرف استخدام أدوات من الحجر منحوتة نحتًا بسيطًا وجعل لها حدًا قاطعًا أو نصلًا مدببًا. وتشتمل حضارة العصر الحجري القديم الأسفل على قسمين:
- الحضارة الشيلية أو الأبفيلية: نسبة إلى مكان يسمى شيلية (Chelles) بالقرب من باريس، والأبفيلية (Abbeville) مكان في شمال فرنسا.
- الحضارة الأشولية: نسبة إلى سانت أشويل (Saint Acheul) في شمال فرنسا.
وفي هاتين الحضارتين استخدم الإنسان الأول الفأس اليدوية، كما استخدم كذلك آلات مختلفة مصنوعة من الشظايا. وقد عُثر على بقايا أدوات هذا العصر في القسم الشمالي من العراق، في موقع «برده بلكه» الذي يبعد عن بلدة جمجمال بنحو ثلاثة كيلومترات بين كركوك والسليمانية؛ حيث وُجدت بقايا الدور الشيلي وربما الأشولي أيضًا، وكانت الآلات عبارة عن فؤوس حجرية يدوية بهيئة القلب وبعضها لوزية الشكل، ويتراوح زمنها ما بين 100,000 إلى 600,000 سنة مضت، وتعتبر من أقدم الآلات الحجرية المكتشفة في العراق لحد الآن.

وهنا يبرز التساؤل الملح لدى المهتمين بالآثار: متى تأسست العراق القديم ككيان بشري؟
إن بذور التأسيس الأولى بدأت منذ ذلك التاريخ السحيق؛ حيث تشير هذه المكتشفات الحجرية في «برده بلكه» والكهوف الشمالية إلى أن جذور الاستيطان البشري المنظم والوعي بالأرض قد بدأت تتبلور في العراق منذ مئات آلاف السنين قبل الميلاد، صعودًا إلى فجر التدوين.
2. العصر الحجري القديم الأوسط
ويمتاز هذا العصر بتنوع الآلات الحجرية وبدء صنع الآلات من الشظايا الدقيقة المشذبة الصنع، وفي هذه المرحلة عُثر على بعض آثار للمواقد والمقابر، ويتميز المناخ في هذا العصر بهبوط درجة الحرارة على الأرض وبشدة البرودة بالمقارنة مع المرحلة السابقة.
ويعرف هذا العصر باسم الحضارة الموستيرية (Mousterian) نسبة إلى كهف موستير (Moustier) بفرنسا، ويطلق عليه بعض العلماء اسم الحضارة اللفوازية (Levalloisien) نسبة إلى لفلويز (Levallois) بالقرب من باريس. أما إنسان هذا العصر فهو المعروف بين علماء السلالات باسم إنسان نياندرتال (Neanderthal).
ومن المواقع المرتبطة بهذا العصر في العراق والتي عُثر فيها على أدوات هذا العصر، كهف «هزار مرد» الذي يقع على بعد ثمانية عشر كيلومترًا جنوب غرب السليمانية شمال العراق، وتم العثور على أدوات هذا العصر أيضًا في كهف «بابخال» وفي أسفل طبقات كهف «شانيدر» (Shanider) المطل على نهر الزاب الأكبر، ويتراوح تاريخ أدوات هذا العصر بين 60,000 إلى 45,000 سنة مضت.
3. العصر الحجري القديم الأعلى
أهم ما يميزه بعامة هو ظهور ما يعرف بالإنسان العاقل أو الحديث (Homo Sapiens)، ويتميز إنتاجه بالدقة للأدوات الحجرية؛ حيث تمكن الإنسان من أدوات صناعته وتقنيتها، بل استخدم أيضًا مواد أخرى غير الحجر وخاصة العظام.
وأشهر المواقع التي تم العثور فيها على أدوات هذا العصر كانت في شمال العراق، وفي كهوف شانيدر، وزرزي، وهزار مرد، وبالي كورا؛ حيث عُثر بتلك الكهوف والمواقع على أدوات وأسلحة لقتل الجياد البرية والغزلان والماعز والخنازير، ويتراوح زمن هذه الأدوات بين 15,000 إلى 9,000 سنة مضت.
ثانيًا: العصر الحجري الوسيط (Mesolithic)
تميز بشيوع الأدوات القزمية -ميكروليتيك (Microlithic)- على إنتاجه من مناجل ومدقات وهاونات ورحى الطحن، وحدث الانتقال في ذلك العصر تدريجيًا من الصيد والجمع والعيش في الكهوف إلى الزراعة والرعي والسكن في القرى عبر ذلك العصر الذي بدأ في 10,000 ق.م واستمر مدة قصيرة.
ففي ذلك الوقت اعتدل المناخ وتغيرت علاقة الإنسان بالبيئة تدريجيًا واختفت حيوانات الصيد الكبيرة وحلت محلها الحيوانات التي تعيش في الوقت الحاضر.
وظهرت مجالات جديدة للاستقرار في مواقع مكشوفة على شواطئ الأنهار وعند العيون والينابيع حيث يتوافر الماء بعد أن انتفت الحاجة للكهوف والملاجئ الجبلية، وحصل تقدم ملحوظ لزراعة النباتات البرية وترويض الحيوانات وصُنعت بعض الآلات الزراعية والمطاحن والهواوين والمدقات؛ ما يشير إلى احتمال قيام زراعة تجريبية.
وأهم مواقع هذا العصر بالعراق الطبقة الثانية من كهف شانيدر وتل ملفعات (Tell Mlefaat) على بعد 35 كيلومترًا شمال شرقي الموصل، فضلًا عن الموقعين السابقين لكهف زرزي وبالي كورا؛ ما يدل بوضوح على استمرار الحياة البشرية، فضلًا على منطقة كريم شهير (Karim Shahir) على بعد 75 كيلومترًا شمال شرقي كركوك وشرق بلدة جمجمال بنحو تسعة كيلومترات، ويرجح أن إنسان العصر الحجري الوسيط قد مارس التجارة.

ثالثًا: العصر الحجري الحديث (Neolithic) من 7000 إلى 4500 ق.م
وجرى الاصطلاح على تعريف هذا العصر بتعريفات ثلاثة: تعريف زمني يسميه العصر الحجري الحديث، وتعريف تاريخي يعتبره عصر فجر التاريخ، وتعريف حضاري يجعله عصر بداية الإنتاج؛ إنتاج الطعام، حيث يتحول نشاط الإنسان فيه أساسًا إلى الزراعة التي اقترنت لدى كل الحضارات بالاستقرار الذي استند بدوره على أسس رئيسة هي الحياة الاجتماعية وقوامها الأسرة، والنشاط الاقتصادي وقوامه الزراعة، والفكر الديني ونظرة الإنسان للآلهة والظواهر الكونية.
وأخيرًا التكوين السياسي وقوامه الدولة والحاكم، وفي المجمل فإن أهم ما يميز هذا العصر من مظاهر هي: الزراعة، استئناس الحيوان، تطور صناعة الفخار، والآلات المصقولة بدلًا من المشظاة.
وعلى الرغم من تعدد وانتشار مواقع العصر الحجري الحديث في شمال العراق، فإن الأثريين قد ميزوا على وجه الخصوص بين ثلاثة مواقع حضارية أساسية تمثل هذا العصر وهي مواقع: جرمو، وحسونة، وحلف.
قلعة جرمو
تقع قلعة جرمو (Jarmo) إلى الشرق من بلدة جمجمال بنحو أحد عشر كيلومترًا وعلى بعد 35 كيلومترًا شرقي مدينة كركوك، ويتفق معظم الباحثين مع ما ذهب إليه مكتشفها الأمريكي بريدوود (Braidwood) في كونها من أقدم قرى هذا العصر.
وكانت الطبقات الإحدى عشرة الأولى اعتبارًا من التربة البكر في الأسفل خالية من الأواني أو الكسرات الفخارية ولذلك سميت هذه المرحلة القروية بفترة ما قبل الفخار (Pre-Pottery Neolithic)؛ ما يدل على أنها بدائية في سلم التطور القروي، وإن كان فخار جرمو الذي بدأ يظهر في الطبقتين الخامسة والرابعة من أحسن أنواع الفخار، وكان هذا الفخار مزينًا بخطوط متقاطعة بلون أسود أو أحمر.
والأهم من الفخار أن هذه القرية كشفت عن بعض الحبوب الغذائية من القمح والشعير البري وكذلك العدس والحمص، أما الحيوانات التي رباها القرويون في شمال العراق ووُجدت بقايا عظامها في قرية جرمو فكانت الماعز والأغنام والخنزير. أما الأدوات والأسلحة فصُنعت من العظام، أما الآلات الكبيرة فقد صُنعت من الحجر البركاني أو الرملي مثل الفؤوس والرحى والمدقات.
رابعًا: بداية معرفة الإنسان بالمعدن والعصر الحجري النحاسي
يقع التل المسمى بتل حلف (Halaf) على نهر الخابور بالقرب من قرية رأس العين السورية عند الحدود التركية، وهي تمثل مرحلة النقلة نحو استخدام المعدن وتطويعه إلى جانب الحجر، ومن ثم فقد تميزت هذه المرحلة بمسمى العصر الحجري المعدني؛ وذلك لبداية معرفة الإنسان العراقي القديم للمعدن بصورة محدودة بجانب استخدامه للأحجار.
وتنفرد بنمط فريد من تصميم المنازل وهي المباني ذات الشكل الدائري والمداخل المستطيلة، وقد جمع فخار هذه الفترة كل الأشكال الجمالية والفنية السابقة، وإن زاد عليها تعدد ألوانه الزاهية، كما عُرفت من هذا العصر الأختام الحجرية كلبنة أولى سبقت الأختام الأسطوانية التي اشتهر بها العراق القديم.
أصل تسمية العراق بلاد الرافدين عبر التاريخ
يتساءل كثيرون: ماذا كانت تسمى العراق قديمًا؟ تتعدد الإجابابات بتعدد الحقب والأقوام المهاجرة والمستقرة؛ فقد عُرفت البلاد بأسماء جغرافية وسياسية عديدة عكست طبيعتها وثراءها الحسي واللغوي كما سنبينه الآن.
اختلف الباحثون في الأصل والمعنى فيما يتعلق بكلمة «عراق». وتوجد ثلاثة آراء يقدم أصحابها أصلًا ومعنى يختلف عما يراه أصحاب الرأي الآخر:
الفريق الأول: يرى أن كلمة «عراق» عربية الأصل ومعناها الشاطئ أو السيف، فالبلاد القريبة من البحر أو النهر هي عراق، وهي كذلك لأنها تقع على شاطئ دجلة والفرات.
الفريق الثاني: يرى أن كلمة عراق ترجع في أصلها إلى لغة قديمة إما أن تكون سومرية أو من قوم آخرين غير السومريين وغير الساميين الذين استوطنوا السهل الرسوبي في عصور ما قبل التاريخ، ويرى أصحاب هذا الرأي أن الكلمة مشتقة من كلمة «أوروك» أو «أنوك» التي تعني المستوطن، وهذه الكلمة سميت بها المدينة السومرية الشهيرة الوركاء (أوروك).
الفريق الثالث: يقولون إن أصل هذه الكلمة أجنبي وتعني «إيراء» بمعنى الساحل وقد عُربت إلى «إيراق» ثم «عراق»، وشبيه بهذا ما ذهب إليه العالم «هرتسفلد» من أن عراق معرب من «أيراك» التي تعني البلاد السفلى.
ويقال إن أول استعمال لكلمة عراق ورد في العهد الكاشي في وثيقة ترجع في تاريخها إلى حدود القرن الثاني عشر قبل الميلاد وجاء فيها اسم إقليم على هيئة «أريقا» الأصل العربي لبلاد بابل.
والعراقيون القدماء لم يطلقوا مصطلح أوروك أو عراق على القطر كله أو على جزء منه، بل كانت ملوكهم في عصر فجر السلالات يلقب كل منهم نفسه بلقب حاكم المدينة التي يحكمها، وفي حدود ذلك الزمن ظهر مصطلحان أحدهما «بلاد سومر» للقسم الجنوبي للعراق و«بلاد أكد» للقسم الأوسط، وظهرت تسميات جغرافية سياسية أخرى منها «بلاد بابل» و«بلاد آشور».
واستعمل عدد من الكتاب اليونان والرومان وأولهم هيرودوت مصطلح «بلاد بابل وآشور» لإطلاقه على القطر كله أو على الأجزاء الوسطى والجنوبية منه، كما استعملوا تسمية «كلدية» نسبة إلى الكلدانيين.
وفي الفترة ما بين القرن الرابع والثاني ق.م ظهر استعمال الكتاب اليونان والرومان لتسمية إغريقية الأصل هي «ميزوبوتاميا» (Mesopotamia - Μεσοποταμία)، وهي مكونة من (mesos) التي تعني وسط، و(potamos) التي تعني نهر، أي بلاد ما بين النهرين. وقد فطن الإغريق أنفسهم إلى قصور لفظة ميزوبوتاميا فأضاف بعضهم إليها لفظة «بارابوتاميا» (Parapotamia) أي ما وراء النهرين أو ما حولهما.
ولعل أقدم استعمال لمصطلح ميزوبوتاميا ما ورد في كتاب المؤرخ الشهير بوليبوس في القرن الثاني ق.م والمؤرخ الشهير سترابون في القرن الأول ق.م، لإطلاقه على الجزء المحصور ما بين دجلة والفرات من الشمال إلى حدود بغداد تقريبًا.
وشاع استعمال هذا المصطلح الجغرافي بعد ذلك في اللغات الأوروبية بعد ترجمة التوراة إلى اليونانية واللغات الأوروبية؛ إذ جاء في التوراة في سفر التكوين (إصحاح 24: 10) ذكر لإقليم «آرام نهر ايم» (بيت نهرين بالآرامية) الذي يعني آرام النهرين أي بلاد النهرين للدلالة على الإقليم المحصور بين نهري الفرات والخابور.
ومهما يكن من أمر فإنه لما ترجمت التوراة إلى اليونانية تُرجم مصطلح «آرام نهر ايم» بكلمة ميزوبوتاميا اليونانية، ثم دخل هذا المصطلح إلى اللغات الأوروبية واتسع مدلوله من إطلاقه على القسم الشمالي من بلاد الرافدين إلى إطلاقه على القطر العراقي كله.
ولما شاعت كلمة عراق ما بين القرنين الخامس والسادس الميلاديين تطورت في الاستعمال واتسع مدلولها عند الجغرافيين العرب، فقد كثر ذكر اسم العراق في الشعر الجاهلي واقترن بالرخاء، وأطلق العرب أيضًا على بلاد الرافدين الشمالية اسم «الجزيرة» وأطلقوا اسم «العراق» على الأقسام الوسطى والجنوبية ما يسمى الآن عراقًا، كما سموا السهل الرسوبي «السواد» لخضرته وخصوبة أرضه، فكان مصطلح السواد يرادف تسمية العراق في كثير من الاستعمالات، كما سموه «بلاد بابل» و«أرض بابل».
وصار مدلول العراق يتسع في استعمال العرب حتى صار يشمل العراق الحالي تقريبًا، إلى أن تبلورت حدود العراق الحالية في العصر العثماني من القرن التاسع عشر وفي مدة الاحتلال البريطاني.
وهكذا نرى ارتباط ونشوء حضارة العراق وازدهارها منذ البداية بوجود النهرين الكبيرين دجلة والفرات وروافدهما، وكما كانت مصر هبة النيل فإن العراق هو هبة الرافدين دجلة والفرات. وقد ورد اسم دجلة في النصوص المسمارية السومرية باسم أدجنا (Idigna)، وفي النصوص الأكدية أدجلات (Idiglat) وايد يجلاتم (Idiglatum)، بمعنى الجاري أو الراوي، وجاء من الاسم الأخير الاسم العربي لنهر دجلة.
أما الفرات فقد ورد اسمه في النصوص المسمارية بمجموعة من الأسماء تلفظ بورانن (Buranun) ويرادف ذلك في اللغة الأكدية لفظ پوراتی (Purati) وبوراتوم (Buratum)، ومنها الصيغة العربية فرات أي الرافد أو الماء العذب.
ومما سبق ننتهي إلى أن كلمة عراق من المحتمل جدًا أن تكون مرادفة ومساوية لكلمة ميزوبوتاميا وبلاد النهرين على أساس ارتباط ونشوء حضارة العراق القديمة بالنهرين العظيمين.
حضارات جنوب العراق (عصر ما قبل السومريين)
تشير التنقيبات الأثرية في السهل الرسوبي (جنوب العراق) إلى أن هذا الجزء من القطر لم يكن مأهولًا في عصور ما قبل التاريخ القديمة بسبب كونه مغطى بمياه الخليج العربي، وبدأ الاستيطان فيه تدريجيًا مع تراجع مياه البحر جنوبًا وتكوّن التربة الغرينية الخصبة التي جلبها نهرا دجلة والفرات؛ ما سمح بظهور حضارات قروية بدأت في التحول إلى مراكز حضرية.
وعند دراسة المكتشفات الأثرية في هذه المنطقة، يبرز تساؤل شهير: ما هي أقدم حضارة في العراق؟ وهنا نستعرض حضارات بلاد العراق القديم بالتسلسل الزمني والطبقي للوقوف على التطور العمراني الفريد الذي شهده الجنوب؛ حيث تترتب هذه الحقب التاريخية تصاعديًا من فجر الاستقرار البشري كالتالي:
1. حضارة العبيد
تعد حضارة «العبيد» أول حضارة حقيقية استوطنت السهل الرسوبي في جنوب العراق، وسُميت بهذا الاسم نسبة إلى «تل العبيد» الواقع بالقرب من مدينة أور في محافظة ذي قار.
وامتازت هذه المدة بتطور كبير في تقنيات الري والزراعة، حيث استطاع سكانها التحكم في مياه الفيضان وتطوير القنوات. ويُعد فخار العبيد علامة مميزة لهذا العصر، حيث صُنع بعناية فائقة، وكان يتميز بلون أخضر أو أصفر فاتح، وزُين برسوم هندسية داكنة اللون (باللون الأسود أو البني).
وبدأت تظهر في هذه المدة أولى بوادر المعابد الضخمة التي ستشكل لاحقًا مركز الحياة الدينية والسياسية في المدن العراقية القديمة، كما تطورت بيوت السكن لتصبح أكثر اتساعًا وتنظيمًا.
ولم تقتصر حضارة العبيد على الجنوب فحسب، بل امتد تأثيرها إلى شمال العراق، حيث وُجدت آثارها في مواقع مثل «تبة جورا»؛ ما يدل على وجود وحدة ثقافية شملت معظم أرجاء العراق في تلك الفترة.

2. حضارة الوركاء (Uruk Period)
تلت حضارة العبيد حضارة «الوركاء»، وهي المرحلة التي شهدت تحولًا جذريًا نحو التمدن (ظهور المدينة) ونشوء الدولة. أصبحت «الوركاء» (أوروك) المركز الحضاري الأبرز في العالم القديم في تلك المدة. شهدت هذه المرحلة توسعًا عمرانيًا كبيرًا، وبناء أسوار ضخمة للمدن، وتطورًا في النظام الإداري.
ويُعد أهم إنجاز في هذا العصر هو ظهور «الكتابة الصورية» في أواخر فترة الوركاء، حيث احتاجت الإدارة والمعابد إلى تدوين الحسابات والواردات والصادرات من المحاصيل والسلع؛ ما وضع اللبنة الأولى لتاريخ التدوين البشري.
وظهرت في الوركاء معابد عظيمة (مثل معبد «إيانا»)، وبدأت تتشكل طبقات اجتماعية متباينة؛ حيث برزت طبقة الحكام والكهنة والموظفين الإداريين الذين أشرفوا على تنظيم توزيع الإنتاج وتسيير شؤون المدينة.
وتطورت الأختام في هذا العصر لتصبح أسطوانية الشكل، تُستخدم لختم الوثائق والسلع، وكانت تحمل نقوشًا ومشاهد دينية واجتماعية تظهر الحياة في ذلك الزمن.
3. حضارة جمدة نصر
تُمثل هذه المدة المرحلة الانتقالية الأخيرة قبل ظهور سلالات فجر التاريخ (عصر فجر السلالات). شهدت هذه المدة تطورًا في أساليب الرسم على الفخار، حيث أصبح الفخار متعدد الألوان (الأسود والأحمر على أرضية كريمية).
واستمرت الكتابة في التطور من الصور البسيطة إلى رموز أكثر تعقيدًا واختصارًا؛ ما مهد الطريق لظهور الكتابة المسمارية. وتعززت في هذه المدة سلطة المعبد كمركز اقتصادي وإداري يسيطر على الموارد الرئيسة، وظهرت تجمعات سكنية أكثر تعقيدًا ونظامًا.
العصور التاريخية الكبرى في بلاد الرافدين
تُقسم العصور التاريخية الكبرى في بلاد الرافدين إلى مراحل رئيسة تعكس تطور الحضارات التي ازدهرت في هذه المنطقة:
1. عصر فجر السلالات (2800 – 2370 ق.م)
يُعد هذا العصر بداية العصور التاريخية في العراق؛ حيث بدأت الكتابة تُستخدم ليس فقط للأغراض الاقتصادية (كما في عصر الوركاء وجمدة نصر)، بل لتدوين أخبار الملوك، والحروب، والشرائع، والأدب.
يُطلق عليه «فجر السلالات» (Early Dynastic Period) لأنه العصر الذي ظهرت فيه قوائم الملوك (الملوكية) التي سجلت أسماء الحكام وسلالاتهم في المدن السومرية المختلفة. انقسم هذا العصر إلى ثلاثة أدوار رئيسة (الأول، الثاني، الثالث) بناءً على التطورات الأثرية والفنية والسياسية.
كانت بلاد سومر في هذا العصر مجموعة من المدن-الدول المستقلة (مثل أور، أوروك، لجش، كيش، نيبور، أريدو). كل مدينة كانت تضم:
- المعبد (الزقورة): المركز الروحي والاقتصادي والسياسي للمدينة.
- الحاكم: كان يُطلق عليه في البداية لقب «إن» (En) أو «إينسي» (Ensi) (أي كاهن أو حاكم المدينة)، ثم تطور اللقب ليصبح «لوجال» (Lugal)، وهي كلمة تعني «الرجل العظيم» أو الملك؛ ما يظهر تحول السلطة من الطابع الكهنوتي إلى الطابع العسكري. وكان السومريون يؤمنون بأن لكل مدينة إلهًا خاصًا يحميها ويملك أراضيها. وكان الملك هو «وكيل» الإله على الأرض، ومهمته الأساسية هي إرضاء الآلهة عبر بناء المعابد وتقديم القرابين.
- البناء العمراني: شهد هذا العصر توسعًا هائلًا في بناء المعابد (مثل معبد «خفاجة» ومعبد «تل العبيد»)؛ حيث استُخدمت تقنيات متطورة في البناء مثل الأعمدة والدعامات الملونة بالفسيفساء الفخارية.
- النظام الاقتصادي والاجتماعي: كانت أراضي المدينة تُقسم إلى ثلاث فئات: أراضي المعبد، أراضي الموظفين، والأراضي التي تُوزع على الأفراد مقابل خدمات أو ضرائب.
- التنظيم الإداري: كشفت وثائق مدينة «لجش» (خاصة إصلاحات الملك «أوروكاجينا») عن وجود تفاوت اجتماعي وصراع بين الكهنة والطبقات الحاكمة وبين عامة الشعب، مما أدى إلى ظهور أولى المحاولات التشريعية لضبط الحقوق والواجبات.
- الفن والآثار: عُثر في هذا العصر على تماثيل نذرية تُصور أفرادًا في حالة تعبد (أيدٍ متكاتفة، عيون واسعة)، وُضعت داخل المعابد لتمثل أصحابها أمام الإله بشكل دائم. وبلغت الأختام الأسطوانية مستوى عاليًا من الدقة الفنية؛ حيث نُقشت عليها مشاهد دينية ومواضيع من ملحمة جلجامش وصراعات الأبطال مع الحيوانات الأسطورية.
الصراعات في عصر فجر السلالات
تميزت هذه الفترة بالصراعات المستمرة بين المدن السومرية للسيطرة على موارد المياه والأراضي الزراعية. ومن أبرز الأحداث السياسية في هذا العصر دور مدينة كيش التي كانت تتمتع بهيبة سياسية كبيرة، وكان لقب «ملك كيش» يُمنح لمن يسيطر على معظم الأراضي السومرية.
وفي نهاية العصر، انتهى عصر فجر السلالات بظهور «لوجال زاجيزي» الذي حاول توحيد مدن سومر تحت سلطة مركزية واحدة في «أوروك»، قبل أن يسقط أمام القوة الأكادية الصاعدة بقيادة سرجون.
2. العصر الأكادي (2370 – 2230 ق.م)
يُعد العصر الأكادي مرحلة مفصلية في تاريخ بلاد الرافدين؛ حيث انتقل نظام الحكم من «دويلات المدن» السومرية إلى نظام «الإمبراطورية الموحدة» التي شملت معظم أجزاء العراق.
ينتمي الأكاديون إلى الأقوام الجزرية (السامية) التي استوطنت القسم الأوسط من العراق. على عكس السومريين الذين كانوا يتحدثون لغة لا تمت بصلة للغات المعروفة، كانت اللغة الأكادية لغة سامية قريبة من اللغات العربية القديمة. أخذ الأكاديون من السومريين نظام الكتابة المسمارية وطوَّعوه لكتابة لغتهم الخاصة.
بدأ عصر الإمبراطورية الأكادية على يد الملك «سرجون» (شاروكين)، الذي تعني تسميته «الملك الصادق». وتُشير النصوص (التي صُبغت بصبغة أسطورية) إلى أنه كان ابنًا لأم غامضة، وُضع في سلة من القصب في النهر، ثم التقطه أحد السقاة الذي كان يعمل في قصر ملك «كيش»، فتدرج في المناصب حتى استولى على السلطة.
قام سرجون بحملات عسكرية واسعة أخضع فيها المدن السومرية (أور، أوروك، لجش، أوما) وأنهى استقلالها السياسي، مُنهيًا بذلك عصر دويلات المدن، ومؤسسًا لأول إمبراطورية في التاريخ. وأسس سرجون مدينة «أكد» لتكون عاصمته، وعلى الرغم عدم اكتشاف موقعها الأثري بدقة حتى الآن، فإنها أصبحت المركز الإداري والسياسي للعالم القديم في ذلك الوقت.
عمل الملوك الأكاديون على تقوية السلطة المركزية؛ حيث عُيّن ولاة من الأكاديين لإدارة المدن المفتوحة، وتّم فرض اللغة الأكادية كـ «لغة رسمية» في الإدارة والمراسلات.
يُعد الملك «نرام سين» (حفيد سرجون) أبرز ملوك هذه السلالة، وكان نرام سين أول ملك في بلاد الرافدين يضفي على نفسه صفة الألوهية؛ حيث وضع لنفسه في التماثيل والنقوش «قرني الثور» (رمز الإله)، وهو ما يظهر تحولًا جذريًا في فلسفة الحكم، فلم يعد الملك مجرد «وكيل» للإله بل أصبح إلهًا. وسّع نرام سين حدود الإمبراطورية لتصل إلى أجزاء من الأناضول وبلاد الشام، وواجه كثيرًا من الثورات الداخلية والخارجية.
بعد فترة من الضعف السياسي وتنازع الملوك، تعرضت الإمبراطورية الأكادية لغزوات من أقوام جبلية تُعَرف باسم «الجوتيين» (Guti)، قدموا من جبال زاجروس. وتصف النصوص السومرية هذه الفترة بأنها كانت كارثية؛ حيث أدى الجوتيون إلى انهيار النظام الإداري، وتعطل قنوات الإرواء، وانتشار الفوضى؛ ما وضع نهاية للإمبراطورية الأكادية وأدخل البلاد في مدة من الانحطاط السياسي.
قصة الطوفان البابلي في الأدب العراقي القديم
تُعد قصة الطوفان من أعظم مآثر الأدب العراقي القديم، وهي ليست مجرد حكاية، بل انعكاس للصراع بين الإنسان وقوى الطبيعة والغضب الإلهي. وردت هذه القصة في عدة مصادر، أشهرها «ملحمة جلجامش» (اللوح الحادي عشر)، وقصة «أتراخاسيس»، ورواية المؤرخ الكلداني «بيروسوس».
تُجمع الروايات على أن الآلهة (خاصة الإله «إنليل») قد ضجرت من ضجيج البشر وتكاثرهم على الأرض، فقرروا القضاء على الجنس البشري بمحوهم عن وجه الأرض بالطوفان. لكن الإله «إنكي» (إله الحكمة) كان متعاطفًا مع البشر.
في رواية «أتراخاسيس»، قرر «إنكي» إبلاغ «أتراخاسيس» (الإنسان الحكيم والتقي) بالقرار الإلهي سرًا، فأمره قائلًا: «يا رجل شوروباك، اهدم بيتك وابنِ سفينة، تخلَّ عن ممتلكاتك وابحث عن الحياة، اطرح جانبًا مقتنياتك وحافظ على روحك. احمل في السفينة بذور كل ذي حياة».
بنى البطل سفينة ضخمة ذات طوابق متعددة، وأحكم سدها بالقار والزفت، وأدخل فيها عائلته وأقاربه، وجميع أصناف الحيوانات والطيور والبذور.
بمجرد دخول «أتراخاسيس» إلى السفينة وإغلاق الباب، بدأت السماء تمطر بغزارة غير مسبوقة، وانفجرت ينابيع الأرض، وارتفعت المياه لتغطي الجبال. وتصف النصوص رعب الآلهة أنفسهم من هول الطوفان؛ فتراجعت الآلهة إلى السماء العالية كأنهم كلاب خائفة، وبكت الإلهة «عشتار» صراخًا مثل امرأة في المخاض وهي تقول: «لقد تحول العالم القديم إلى طين لأنني نطقت بالشر في مجلس الآلهة».
واستمر الطوفان أيامًا وليالي، حتى هدأت العاصفة. وعندما انقشع الغبار، رأت السفينة قمة جبل «نصير». أطلق البطل طائرًا (حمامة) ليعرف هل انحسرت المياه، فلم تجد مكانًا تحط عليه فعادت. ثم أطلق سنونوًا فعادت، وأخيرًا أطلق غرابًا فلم يعد، فعرف أن المياه قد انحسرت.
وخرج البطل من السفينة وقدم القرابين للآلهة. وعندما شم الإله «إنليل» رائحة القرابين الزكية، غضب في البداية لأن أحدًا نجا، ولكن بعد تدخل «إنكي»، تقبل الأمر ومنح البطل وزوجته «الخلود» ليصبحا مثل الآلهة.
رواية المؤرخ الكلداني بيروسوس
يذكر «بيروسوس» أن البطل كان يُدعى «زيسودرا» (أو أوتنابشتيم)، وأن الآلهة أخبرته بحدوث الطوفان في اليوم الخامس عشر من شهر «ديزيو». ويضيف تفاصيل دقيقة عن السفينة التي بلغت أبعادها خمسة استاديات طولًا واثنين عرضًا، مؤكدًا أن حطام هذه السفينة ظل يُرى مدة طويلة في جبال «كورديان» (في أرمينيا)، وكان الناس يكشطون الزفت منها ويستخدمونه كتميمة للحماية.
في النهاية، ندرك أن هذه الحضارات لم تمت حقًا. نحن اليوم نستخدم تقاويمهم، ونطبق قوانينهم، ونقرأ أدبهم. العبرة هي أن «الأثر الثقافي» هو الذي ينجو من طوفان الزمن. لقد ذهب الملوك وبقيت الألواح الطينية التي حكت لنا قصصهم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.