إن تاريخ الطب الحديث في مصر لم يكتبه الرجال وحدهم، فخلف جدران المستشفيات والمدارس الطبية التي أسسها محمد علي باشا، كانت هناك قصة نضال وبطولة نسائية. تبدأ هذه القصة من "المولدات" اللاتي كنَّ نواة التعليم الطبي في مصر للنساء، وتنتهي بالطبيبات الرائدات اللاتي تحدين التقاليد وأصبحن جزءًا لا يتجزأ من تطور النظام الصحي المصري. هذا المقال يروي قصة هؤلاء النساء، وكيف ساهمن في بناء صرح الطب في مصر.
ارتبط تأسيس الإدارة الصحية في القرن التاسع عشر بنشأة وتأسيس المدرسة الطبية وتطورها، فقد كانت نواة النظام الصحي المصري الحديث.
لم يكن بمصر قبل مجيء الحملة الفرنسية سوى مستشفى عسكري لمعالجة المصابين من الجيش المصري بمنطقة أبو زعبل، وقد وضع علماء الحملة مشروعًا لإنشاء مستشفى يسع 400 سرير، ولكن نظرًا لانتشار الطاعون بين جنود الحملة تم إرجاء المشروع. ولما كانت الصحة في مصر في ذلك الوقت في غاية السوء بصفة عامة، والحالة الصحية للجنود بصفة خاصة، فعلى سبيل المثال كانت الأمراض الوبائية المختلفة منتشرة بفرقة الجيش العسكرية في الخانكة، ووصلت الوفيات بسبب الجدري وحده إلى 6000 حالة في العام الواحد؛ فلذلك كان من الضروري أن يبدأ محمد علي في إنشاء مشروع لتحسين الصحة العامة.
محمد علي وكلوت بك: حجر الأساس للنظام الصحي الحديث
كانت بداية ذلك عندما تم إنشاء مجلس للصحة بالإسكندرية عام 1825 م لاتخاذ ما يلزم من الإجراءات للوقاية من دخول الأوبئة إلى البلاد، وفضلًا على إنشاء المؤسسات الصحية استعان محمد علي بخبرات الأجانب لتأسيس النظام الصحي.
ومن ذلك ما أشار إليه القنصل الإنجليزي في أكتوبر 1836م من أن أحد أطباء العيون زار مصر ونجح في علاج عدد كبير من المصريين المصابين بالرمد؛ فعرض عليه محمد علي البقاء في مصر للانتفاع بمهارته مقابل راتب كبير.
وكان صاحب الفضل في إنشاء النظام الصحي الحديث في مصر هو الدكتور الفرنسي أنطوان برتيلي كلوت الشهير (بكلوت بك) الذي رأى أن السبيل لإنشاء نظام صحي حديث للحد من انتشار الأوبئة والأمراض في الجيش بصفة خاصة هو وجود مستشفى مركزي يلحق به مدرسة للطب. وعرض الأمر على محمد علي الذي رحَّب بالفكرة، وأمر بافتتاح المدرسة بالفعل في 1827م في أبو زعبل بالقرب من معسكرات الجيش هناك.

مدرسة القابلات (1832): ثورة تعليمية بدأت بالرفض
وكان من ضمن الخطة التي وضعها كلوت بك لتطوير الطب في مصر إنشاء مدرسة للقابلات (الولادة)، وأُنشئت المدرسة بالفعل في 1832م، ولكن لم يجدوا والدًا واحدًا يقبل التحاق ابنته بالمدرسة، رغم أن الدراسة والإقامة والملابس بالمجان؛ فتم اللجوء إلى الجواري الإفريقيات.
ولكن الأمر فشل؛ فلجأ كلوت بك إلى الاستعانة برأي مديرة المدرسة الفرنسية التي كانت ترى ضرورة الاستعانة بالفتيات المصريات، وتمت الاستعانة بالفتيات اللاتي وُلدن بالمستشفى التابع لمدرسة الطب العليا بأبو زعبل منذ إنشائها وتركتهن والدتهن دون قيد في سجل المواليد، ولم يطالبن بهن عند خروجهن من المستشفى، وكُن ستة فتيات، ليكنَّ نواة لطالبات المدرسة من المصريات. وفعلًا حققن نجاحًا باهرًا في التعلم، وارتفع عدد الطالبات بها من عشرة عام 1832م إلى خمسين بنتًا عام 1837م، وكان العدد في زيادة سنويًا، ومنذ ذلك الوقت كان لهن فضل كبير على التعليم الطبي في مصر والمجتمع بصفة عامة.
جليلة تمرهان: من مقعد الدراسة إلى صفحات الصحافة الطبية
كان لخريجات هذه المدرسة فضل كبير على المجتمع، وأبرزهن المولدة (جليلة تمرهان) التي كانت أول كاتبة في الصحف المصرية من خريجات هذه المدرسة. كتبت في مجلة (يعسوب الطب) -وهي أول دورية طبية متخصصة- وعالجت في مقالاتها صحة الحامل، وإرشادات صحية لتنشئة الطفل. [كما كانت بعض قيادات الحركة النسائية إبان ثورة 1919م من بنات خريجات هذه المدرسة مثل السيدة لبيبة أحمد.
جيل ما بعد 1919: الطبيبات يقتحمن أسوار الجامعة
وفي أعقاب الثورة المصرية عام 1919م واتساع نطاق تعليم المرأة بعد ما حدث له من تأخر في أعقاب الاحتلال البريطاني -شأنه شأن كافة فروع التعليم- خرجت للمجتمع المصري كثير من نماذج الطبيبات اللاتي أسهمن في خدمة المجتمع بصورة كبيرة.
وفي عام 1915م تخرجت الفتاة المصرية (خديجة خليل مطير) من مدرسة معلمات السنية ضمن اللائي نلن دبلوم معلماتها، وعملت فعلًا مدرِّسة في إحدى مدارس وزارة المعارف، غير أنها رأت أن حاجة البلاد إلى الطبيبات أكثر من حاجتها إلى المدرسات، ووجدت في نفسها القدرة على دراسة علوم الطب، فالتحقت بطب القصر العيني عام 1918م، واستطاعت أن تقطع مرحلة التعليم في مدة ثلاث سنوات تخرجت بعدها عام 1921م، حيث عينتها الحكومة طبيبة في محافظة الفيوم، ثم طلبت نقلها إلى مسقط رأسها مدينة طهطا؛ لتتمكن من أداء واجبها تجاه أهالي بلدتها، خاصة النساء منهم، إضافة إلى الطبيبة (خديجة خليل) التي تُعد أول طبيبة من صعيد مصر، وتعد السيدة (نجلاء بدر) أول من حمل شهادة عالية من الولايات المتحدة الأمريكية في الصيدلة عام 1925م، ولم يقتصر الأمر على هذه النماذج من الطبيبات، فكان هناك مئات الممرضات المصريات اللاتي حللن محل الإنجليزيات والسويسريات؛ نظرًا لتفوق المصريات وبراعتهن.
وكان الالتحاق بكلية الطب حتى ما قبل عام 1928م مقصورًا على الطلاب فقط، إلا إنه مع السماح للطالبات بدخول المرحلة الثانوية -البكالوريا سابقًا- سُمح للطالبات بالدراسة في كلية الطب جنبًا إلى جنب مع البنين، وتخرجت أول دفعة من الطالبات في هذا العام.

ومن نماذج الطبيبات اللاتي كان لهن إسهامات كبيرة في المجتمع المصري: زهيرة عابدين، وهيلانة سيداروس، بالإضافة إلى نفيسة محمد، وحكمت البدري، وزينب إبراهيم أول طبيبات من الجامعة المصرية، وخديجة خليل أول طبيبة مصرية تعمل في صعيد مصر. ومن نماذج الطبيبات اللاتي كان لهن دور مهم:
كوكب حفني ناصف
وُلدت عام 1905، وهي الشقيقة الصغرى للكاتبة الكبيرة (ملك حفني ناصف- باحثة البادية). وُلدت كوكب في أسرة متوسطة الحال، ولكن على مستوى ثقافي كبير؛ فوالدها كان شاعرًا ومعلمًا، وكان ضمن مؤسسي الجمعية المصرية عام 1908م، وكان أخواها جلال الدين ومجد الدين من زعماء الحركة الطلابية في أثناء ثورة 1919م، وشاركت كوكب نفسها في الثورة، ما أدى إلى فصلها من المدرسة، ولكنها استكملت دراستها في مدرسة الحلمية بتفوق كبير حتى حصلت على منحة دراسية عام 1922م في لندن لدراسة الطب، وكانت ضمن خمس مصريات فقط نِلن هذه الفرصة، وكان منهن (هيلانة سيدراوس).
وبعد عودتها إلى مصر تعلمت الجراحة على يد الطبيب الكبير (نجيب محفوظ)، الذي رأى فيها تفوقًا كبيرًا، فكان يسند إليها جراحات بمفردها، وعملت طبيبة في مستشفى كتشنر الإنجليزية -شبرا العام حاليًا- وكانت كوكب حفني ناصف أول مصرية تتقلد منصب (حكيمباشي) بعد أن كان قاصرًا على الإنجليزيات، ثم أول امرأة مصرية تنضم لعضوية نقابة الأطباء.
وفي عام 1938م عندما طلب ملك السعودية عبد العزيز آل سعود من علي باشا إبراهيم -أول عميد مصري لكلية طب قصر العيني- ترشيح طبيبة لمعالجة النساء في عائلته، فرشَّح كوكب حفني ناصف، واستمر دورها الكبير، وكان لها الفضل في تأسييس أول مدرسة للتمريض في مصر، حتى كرمها الرئيس السادات، ومنحها جائزة الدولة تقديرًا لجهودها.
من أول طبيبة مصرية؟
يصعب تحديد اسم واحد بشكل قاطع. تُعد خديجة خليل مطير من أوائل خريجات طب القصر العيني عام 1921، بينما كانت كوكب حفني ناصف وهيلانة سيداروس ضمن أول بعثة حكومية لدراسة الطب في إنجلترا عام 1922، وتُعد كوكب أول امرأة تتولى منصب حكيمباشي وتنضم لنقابة الأطباء.
إن قصة تأسيس الطب الحديث في مصر هي شهادة على أن التقدم العلمي والاجتماعي يسيران جنبًا إلى جنب. فمن رؤية محمد علي وكلوت بك، إلى شجاعة الفتيات الست في مدرسة القابلات، وصولًا إلى إصرار كوكب حفني ناصف وزميلاتها، نرى كيف كان تعليم المرأة وتمكينها هو المحرك الحقيقي للتغيير. لم يكن هؤلاء النساء مجرد طبيبات، بل كنَّ رائدات فتحن الطريق لأجيال من بعدهن في مجالات العلم والعمل العام.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.