تُعد مدينة الطائف إحدى أقدم وأهم المدن في شبه الجزيرة العربية، إذ جمعت عبر القرون بين جمال الطبيعة وخصوبة الأرض، وبين الأصالة التاريخية والحضارة الحية. تقع على مرتفعات السروات وتُلقّب بـ"عروس المصايف" لاعتدال مناخها، وتاريخها موغل في القدم، إذ ارتبطت بالقبائل العربية الكبرى، وسوق عكاظ، وبها مرّت القوافل، ومنها انطلقت صناعات وحرف ارتبطت بتراث العرب.
أين تقع مدينة الطائف؟
تقع مدينة الطائف على ظهر جبل غزوان، عند أقدام المنحدرات الشرقية من جبال السروات، على مسافة خمسة وسبعين ميلاً جنوب شرقي مكة المكرمة، ويربطها بمكة طريقان رئيسيان: أولهما مرورًا بجبال «كرا»، وثانيهما عبر السيل الكبير ويمر بميقات قرن المنازل.
ويتميز موقعها الاستراتيجي بميزة ومكانة فريدة على سائر مدن المملكة العربية السعودية، بسبب قربها من الأراضي المقدسة، وكونها ملتقى رئيسيًّا لمجموعة من الدروب والطرق البرية، وأصبحت طريقًا للحجاج ومركزًا اقتصاديًّا بارزًا ومحطة تجارية مهمة في بلاد الحجاز.

فالطائف تقع في وسط سهلٍ رملي، يُقدَّر محيطه بمسير حوالي أربع ساعات، وتنمو فيه الأشجار الكثيفة، وتحيط به جبال غزوان.
والطائف أيضًا يتخذ شكل مربع غير منتظم، يصل محيطه إلى مسير حوالي خمس وثلاثين دقيقة، ويحيط به سور وخندق، وللسور ثلاثة أبواب، ويحميه عدد من الأبراج.
أبواب مدينة الطائف القديمة
شهدت هذه الأبواب تغييرات متعددة في مسمياتها على مر العصور، ما يعكس التحولات التاريخية والاجتماعية التي مرت بها المدينة.
- باب السَّيل (الحزم): يقع في الجانب الشمالي من المدينة، ويعرف بباب اليمانية، وباب الشريف، وباب مكة، وباب شُبرا.
- باب الريع (السلامة): يقع غرب الطائف، وهذا الباب يقود إلى الطريق المباشر إلى مكة المكرمة عبر جبل كرا، ما يجعله طريقًا للحجاج والتجار.
- باب ابن عباس (حوايا): يقع جنوب الطائف، سُمِّي بهذا الاسم نسبة إلى مسجد ابن عباس المجاور له.
وتتميز منازل الطائف بصغر حجمها وبنائها القوي من الحجر، ما أكسبها قوة وصلابة وقدرة على الصمود أمام الظروف الطبيعية المختلفة، وعلى عكس شوارع معظم مدن الشرق، كانت شوارع المدينة واسعة وفسيحة، والميدان الوحيد في المدينة هو الميدان الواقع أمام القلعة، ويُقام به السوق.
وقد تعرَّض عدد كبير من المباني للدمار في أثناء استيلاء السلفيين عليها في عام 1802م، ما أدى إلى هجرها جميعًا تقريبًا.
وكانت الطائف تعتمد على بئرين رئيسيتين لتلبية احتياجاتها المائية، إحداهما داخل الأسوار، والأخرى أمام إحدى البوابات. ورغم وجود هذين المصدرين؛ فإن المدينة كانت جرداء خالية من الخضرة، وكان التخطيط العمراني القديم للمدينة، الذي ركز على حمايتها بسور، قد أدى إلى تركز السكان والمرافق الحيوية داخل الأسوار، ما نتج عنه قلة الزراعة داخل الأسوار.
وتتمتع الطائف بمناخ جاف معتدل. هذه الخصائص المناخية جعلت منها مقصدًا للباحثين عن الاستشفاء والاستجمام منذ القدم.

يقول ابن الأثير: «كان بني عامر يصيفون بالطائف، ويشتون بأرضهم من نجد».
وفي العهد العثماني كان الأشراف وولاة مكة يمكثون في الطائف صيفًا شهرين أو ثلاثة أشهر من كل عام، يبتعدون عن قيظ مكة، وينظرون في شأنه عن كثب.
عناصر السكان
تكوَّن في الطائف أحد التجمعات الحضارية المبكرة في التاريخ العربي، نتيجة لموقعها المتميز وظروف البيئة الطبيعية، وهي لعمري الدعامات الأساسية لنشأة المدن وازدهارها، واختلف المؤرخون فيما بينهم بصدد أول من سكنها، فمنهم من ذكر أنهم العماليق، وسُمي الطائف بـ«وَجّ» على اسم وَجّ بن عمليق، ثم ثمود، ثم إياد، ثم عدوان، ثم ثقيف.
والثابت تاريخيًّا أن مدينة الطائف ومحيطها من جهات الغرب موطنٌ ومقامٌ لقبيلة ثقيف العربية الأصل، وهي إحدى قبائل قيس بن عيلان المعروفة بالقبائل القيسية، وهي ضاربة في القدم وعريقة بالمنطقة منذ عهود ما قبل الإسلام، وكانت تجاورها قديمًا من الجنوب والشرق والشمال بطون من هوازن، وهم: بنو سعد، وبنو نصر، وبنو جشم، ومن الغرب هذيل وقريش سروات الطائف الغربية والجنوبية الشرقية، ويملك الأشراف المزارع والضياع في أغلب وديانه كـ«الوهط»، و«المثناة»، و«السداد»، و«ريحة»، و«ليه»، كما يسكنون قراها.
أما قبيلة عدوان فيسكنون أسافل وادي «ليه»، ووادي «العرج»، ومن الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي فديار عتيبة وأوديتها المحيطة، ويلي عتيبة من ناحية الجنوب الشرقي ديار بالحارث، ومن ورائهم بنو مالك.
وتُعد المياه من أهم موارد الثروة الاقتصادية لمدينة الطائف، وقد أدت دورًا مهمًا في تنوع الأنشطة الاقتصادية لسكان المدينة على مر العصور التاريخية.
وتميزت مياهها بصفائها ونقائها، ما جعلها صالحة للشرب والري، وإنتاج محاصيل زراعية عالية الجودة.
وتعددت مصادر الحصول على المياه، بين الآبار والأودية والعيون، كوادي «وَجّ»، و«عين سلامة»، و«عين المثناة»، وأما الآبار فكثيرة، ومنها بئر «عجلان»، وبئر «مرسين»، الواقع في جبل «كرا»، الذي يُعد من أنقى وأصفى مياه الحجاز كافة.
وأشار أيوب صبري إلى ذلك بقوله: «عندما اعتلت صحة الشريف عبد الله باشا؛ أوصته اللجنة الطبية المشكلة من ستة أطباء لفحصه بمعاينة الماء الذي يشربه، وعلى الفور أمر بفحص وتحليل المياه الموجودة في المنطقة، ونتيجة لفحص وتحليل المياه المتوفرة في المناطق المجاورة من الأطباء المشار إليهم؛ تبين من مقارنة مياه الآبار ببعضها البعض من ناحية الخفة واللذة والنفع»، حتى قال: «وقد اتفقت آراء اللجنة الطبية على أن توصي الباشا المشار إليه بالشرب من مياه مرسين».
وإلى جانب الآبار، وُجدت قرى أسهمت في ازدهار الزراعة مثل «المليساء»، وهي قرية حولها بساتين، و«العقيق»، و«المثناة»، و«القديرة»، وغيرها.
كما أسهم ارتفاع الطائف، نحو 1630 مترًا فوق سطح البحر، في هطول أمطار غزيرة في فصل الربيع.
وتُعد الزراعة إحدى أهم الحِرَف الاقتصادية، فهي ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي جزء لا يتجزأ من هوية الطائف وتاريخها العريق.
المحاصيل الزراعية
تشتهر الطائف بنتاجها الزراعي المتنوع، ومن أهم المحاصيل الزراعية فيها:
الورد الطائفي: يُعد الورد من أشهر منتجات المدينة، يتوفر في الحدائق بكميات تجارية ويُنقل إلى سائر أنحاء الحجاز، ويُستخدم في صناعة العطور.
الفواكه والخضار
تنتج الطائف العنب، والتفاح، والرمان، والبطيخ، والكمثرى، والتين، والبرشومي، والتمر، ومن الخضار: الكرنب، والملفوف، والبامية، والملوخية، والطماطم، والفاصوليا، والبصل، والثوم، والفليفلة.
الرعي
مثلت الثروة الحيوانية نشاطًا اقتصاديًّا مهمًا لبعض أهالي مدينة الطائف.
تنتشر المراعي الخصبة في الجبال والوديان، وكانوا يعتمدون على تربية الضأن والماعز، والأبقار، والجِمال.
الصناعة
اعتز أهل الطائف بالحِرَف اليدوية وبرعوا فيها، وقد ساعدت وفرة المياه والثروة الزراعية والحيوانية على توفير المواد الأولية اللازمة.
وكانت الجلود تدخل في صناعة الأدوات الحيوية في المدن الحجازية ومنها الطائف، ومن أبرزها القِرَب وتُسمَّى «عُكّة».
والقِرَب، تلك الأواني الجلدية المميزة، تُستخدم لحفظ الماء والطعام، مثل السمن والسويق والدهون.
وكانت الطائف تضم مناجم غنية بالمعادن مثل الحديد والنحاس والحجر الكلسي البلوري الصافي.
وتنوعت في الطائف المنتجات المحلية لتشمل صناعة الأسلحة، والأحزمة، وحمالات السيوف الجلدية، والسجاد المصنوع من وبر الإبل، وأدوات الزينة للنساء، وصناعة الجبن الأبيض من اللبن الطازج الخاثر.
التجارة
قد خصَّ الله الطائف بموقع أهلها لتكون محطةً ومَعبَرًا مهمًا للقوافل التجارية من الجنوب إلى الشمال، ومن الشرق إلى الغرب.
كما أدت الأسواق دورًا مهمًا في تسيير حركة التجارة الداخلية وانتعاش الحياة الاقتصادية، وكان لسوق «عكاظ»، أكبر أسواق العرب في الجاهلية والإسلام، دوره الرائد والمهم تجاريًّا في توثيق عرى الترابط والتواصل بين قريش وثقيف.
وكان ملوك الحيرة يرسلون قوافلهم كل عام إلى «عكاظ» لبيع ما تحمله وشراء بضائع أخرى منها «أديم الطائف».
الطائف ليست مدينة في أعالي جبال الحجاز، بل هي ذاكرة العرب الحية، ومرآة حضارتهم، وبستان التاريخ الذي لا يذبل. جمعت بين الجبل والوادي، السوق والمزرعة، السيف والقرطاس، فكانت وما زالت شاهدة على تقاطع الطرق بين الماضي والمستقبل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.