يعد إحياء التراث الثقافي ولا سيما التراث العلمي والثقافي بالمغرب من أهم المهمات التي يجب أن يؤديها المهتمون بالشأن الفكري، وبالتنقيب والتحليل لاكتشاف الآثار الأدبية والعلمية والفنية والأثرية التي أنتجتها الحضارة المغربية.
لا سيما بدراسة ونشر المخطوطات التي تزخر بها مكتباتنا العامة والخاصة، فهو يعطينا صورة عن الجوانب الغامضة أو غير المعروفة من تراثنا في مجالات شتى.
وأشار الحاج خليفة في "كشف الظنون" إلى ستة مؤلفات في الطب النبوي كتبها غربيون؛ مثل: كاي وريسك وبايرون، ولنور الدين أبي الحسن علي بن الجزار المصري كتاب بعنوان "السر المصطفوي في الطب النبوي"، وكذلك للسيوطي وجلال الدين أبي سليمان، وقد ترجمه بيرون إلى الفرنسية، ورواه ابن البيطار.
اقرأ أيضًا: مقتطفات من تاريخ الصيدلة
الطب في الإسكندرية
وإذا رجعنا إلى المصادر التي استقى منها علماء العرب وسائر المسلمين، نلاحظ أن الطب في الإسكندرية كان يعتمد على دراسة ستة عشر كتابًا لجالينوس، مدرجة في ثلاثة مؤلفات: "الفهرست" لابن النديم، وكتاب "الحكماء" للقفطي، و"طبقات الأطباء" لابن أبي عصيبة، وترجم حنين معظم كتب جالينوس، والغريب أن الألمانيين فيستنفيلد وفنريش لم يتحدثا عن أعمال جالينوس التي كانت ذات أهمية كبيرة للأطباء المسلمين.
ومن ذلك الحين بدأ علم الصيدلة يدور كونه علمًا له خصائصه وقوانينه الخاصة، فأصبح تدريب الصيادلة من أولى المهمات، وكان أول امتحان للصيادلة في عهد المعتصم سنة 221 هجرية، فبدأ الأطباء يقسمون في مجال الصيدلة، على ألا يعطوا أحدًا دواءً مرًا، ولا يسمموا أحدًا، أو صنع السم بحضور أي فرد من الجمهور، وعدم إفشاء الأسرار، والاطلاع على جميع الآلات وعدم ذكرها.
أما للنساء فيوجد دواء يجهض الأجنة منذ لحظة ظهور آثار الجنين في بطن أمه، أي في الأسبوع الأول، وهذا يتفق مع ما حدث في العلم الحديث، وكان لدى المستشفيات جميع الأدوية المتاحة، ويسافر الأطباء الخاصون إلى السجون وجميع مناطق الصحراء والجبال لعلاج المرضى الضعفاء، في حين ينقلون صهاريج المشروبات والأدوية على الجمال.
ومن ذلك الحين أصبحت المصنفات التي امتلأت مخطوطاتها بالمكتبات في مختلف أنحاء العالم المتاحة، وبدأ العلماء يتنافسون في البحث والاستكشاف، وفي العصر الفاطمي القرن الرابع الهجري كانت توجد مكتبات في القاهرة وحدها، منها أربعون خزانة في قصر الخلافة.
اقرأ أيضًا: مشكلة ارتفاع أسعار الدواء ومقترحات حلها
الصيادلة والأطباء
وعمل الصيادلة والأطباء يدًا بيد لاختيار المواد والعناصر الأكثر ملاءمة وفعالية للوقاية والعلاج، ليتمكن الجميع من الوصول إليها، شارك في تنوع التخصصات بين أطباء العيون والجراحين وجراحي العظام، وكان يوجد أربعة وعشرون متخصصًا مختلفًا في العظام.
ولم يغفل الأطباء المسلمون عن سبل مكافحة الأمراض إلى جانب المصحات، كجزء من ثقافة مجتمعية تهدف إلى توعية السكان، ومنها: التغذية الجيدة والنظافة، والملابس المناسبة للمواسم، وشدد رينو على حكمة الأطباء المسلمين في اختيار ملابسهم كالملابس الصوفية البيضاء، المتوافقة مع الصحة في البلدان الحارة التي لا تخزن ضوء الشمس أكثر من اللازم وتحفظ حرارة الجسم في أثناء البرد، مع تفضيل الملابس الفضفاضة التي تسهل خروج الرطوبة اللازمة لتنفس الجلد دون أن يضغط على بعض الأجهزة؛ مثل: الكبد والمعدة.
واعتاد بعض المغاربة في الصحراء على وضع مظلات من الخيزران ذات دائرة واسعة على رؤوسهم للحماية من حرارة الشمس.
أما التغذية فمبادئها عند العرب منطقية ومقبولة، ورغم أن عددًا من المغاربة قللوا من استهلاك الخضار والفواكه النيئة التي تحرمهم من الأحماض الضرورية للحفاظ على البنية الجسدية، فإنهم عوضوا ذلك بمنتجات الألبان الحامضة.
أما في الأندلس، فقد أثبت ابن جلجل نفسه كأعظم طبيب طبيعة في عصره، وذلك بتعريب "مفردات الديوسقوريدس" وإضافة أدوية عرفها العرب لم يكن ديوسقوريدس على علم بها، وتوجد نسختان من "كتاب الحشائش" في إسطنبول، وأرسل الإمبراطور الروماني إلى عبد الرحمن الناصر نسخة باللغة اليونانية عليها صور ملونة للنباتات، ترجمها إلى العربية الراهب نيقولاوس عام 951م.
اقرأ أيضًا: تعرف على وظائف الكيمياء وتخصصها
الأدوية
ألف ابن الجزار "كتاب الاعتماد في الأدوية المفردة" ورجال آخرون؛ مثل: محمد بن سعيد الصقلي الذي كان يتحدث اليونانية، وعبد الرحمن بن هيثم الذي اكتسب المعرفة بجميع الأدوية الفردية إلا عشر منها، وأكملها ابن جلجل في دراسة تاريخ العلوم الطبيعية بعد اتصاله بالراهب نيكولا.
وممن كتب في الأدوية الفردية الوزير أبو المطرف عبد الرحمن بن شهيد، فنظم نقاط قوتها ودرجاتها، فلم يعد العلاج بالأدوية قدر الإمكان، فعند دمجها في مركب لا ينبغي زيادة التركيب، بل يجب أن يقتصر على الحد الأدنى الممكن، وله خاصية علاج الأمراض الصعبة والأسقام المخيفة بأبسط علاج.
وهكذا كان أول من استخدم دراساته الصيدلانية لاختصار جهود علماء الصيدلة، لكن أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي صاحب كتاب "التعريف بمن عجز عن التأليف" أدرج في هذا الكتاب صورًا لحدائد الكي وآلات العمل.
وأكد القفطي في "أخبار الحكماء" أن المعز الفاطمي رافقه من المغرب إلى مصر أطباء أكفاء، والحقيقة أن هذا العلم لم يزدهر في بلاد المغرب الثلاثة إلا في القرن الخامس الهجري تحت سيطرة الموحدين، بعد أن ارتبط تاريخ الأندلس بتاريخ المغرب.
ومن الأندلسيين الذين كان لهم تأثير جيد في هذا المجال الغافقي أبو جعفر أحمد بن محمد صاحب "كتاب الأعشاب" الموجود بدار الآثار العربية بمصر، ومنهم ابن العوام صاحب كتاب "الفلاحة" الذي فيه علوم تطبيقية ووثائق قيمة.
وظهر الشريف الإدريسي في المغرب في سبتة، وذاع صيته في فنون متعددة؛ مثل: العلوم الطبيعية وعلم الفلك والجغرافيا والفلسفة والطب، وسافر إلى مصر وآسيا الصغرى والقسطنطينية والأندلس وفرنسا وإنجلترا، ووصف نباتات كل بلد بأنها "رسائل بشرى".
وفي الوقت الذي كانت فيه الأندلس خاضعة لسلطان مراكش، تكونت جماعة من الأطباء يناصرون ملوك المرابطين والموحدين، ويبدو أن المنصور المهدي باني مدينة رباط الفتح هو من بدأها، لمحاربة الفلسفة والفلاسفة حتى اضطر ابن رشد إلى التخلي عن انخراطه في هذا الأمر، لكنه سرعان ما أفسح المجال لطبيبين بارزين، وهما: ابن رشد وأبو جعفر الذهبي. وكان الأخير مسؤولًا عن رعاية مصالح الأطباء والفلاسفة، وتنظيم مهنة الطب.
ولم يكن للمغرب في هذا الوقت دور يذكر، لكنه رحب بعلماء الأندلس، وكان له الفضل في ذلك.
إلا أن هذا العناق أثمر، إذ كان أبو العلاء زهر بن زهر أول طبيب أندلسي يعود إلى المغرب، ووالده هو أبو مروان عبد الملك بن أبي بكر محمد بن مروان بن زهر، الذي تولى رئاسة الطب ببغداد، ثم بمصر والقيروان، وكانت له آراء منحرفة في الطب والصيدلة، منها منعها من الاستحمام، اعتقادًا منه بأنه يعفن الأجسام، ويفسد الأمزجة.
إن تجارب أبي العلاء قادته إلى تأليف كتاب "التذكرة" الذي ترجمه كولان عام 1911م في باريس، فهذه مجموعة من الملاحظات التي سجلها أبو العلاء لابنه لإبلاغه عن الأمراض المنتشرة بمراكش والأدوية المناسبة لها، وجمعت مذكرات أخرى لأبي العلاء وسجلت في وثائق، وهي (المجربات) التي كتبت بمراكش سنة 526هـ، وفيه أيضًا مقال لأبي العلاء في شرح رسالة يعقوب بن إسحاق الكندي عن تركيب الأدوية.
اقرأ أيضًا: تلخيص كتاب تاريخ الحضارة الإسلامية العربية
الحضارة العربية في الأندلس
وورث بنو الأحمر في الأندلس الحضارة العربية، وأصبحت غرناطة التي ظلت مدة تحت سيطرة بني مرين ملجأ للعلوم والفنون في أوروبا الإسلامية، حتى سقطت في يدي الإسبان عام 882م، ومع احتلال سبتة التي ازدهرت فيها الفلسفة والطب والتعاليم المختلفة مع تطبيقاتها ظهرت مؤلفات منها "بلغة الأمنية ومقصد اللبيب فيمن كان بسبتة في الدولة المرينية من مدرس وأستاذ وطبيب".
وعرف المغرب بشخصيات بارزة، حللت بعض أعمالها في كتابي "الطب والأطباء"؛ مثل: كتاب العلامة عبد الرحمن الفاسي صاحب كتاب "الأقنوم في مبادئ العلوم" في تفسير الأعشاب، والأرجوزة الشقرونية، وهي حسب رينو مساهمة المؤلف في ضبط المصطلحات الطبية في المعجم الطبي المغربي، وللعلامة أحمد بن حمدون ابن الحاج الذي يعطينا تحليلًا فنيًّا للأدوية.
ولعل آخر رموز الطب وتطبيقاته بالمغرب قد تجلى في شخصية المولى عبد السلام العلمي الذي كان من حاشية المولى محمد بن عبد الرحمن وولده الحسن الأول الذي صنف مؤلفًا سماه " النبراس في مفردات الأنطاكي بلغة أهل فاس"، وهذا الكتاب يعد نقطة تحول في تاريخ الصيدلة بالمغرب.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.