كانت السينما المصرية منذ انطلاقتها في عشرينيات القرن الماضي المؤرخ الحقيقي والشرعي للوجدان الشعبي. فبين جدران استوديو مصر وصيحات المتظاهرين في الميادين، تشكلت علاقة جدلية معقدة بين صانع الأفلام ورجل السياسة. في هذا المقال، نسلط الضوء على رحلة السينما المصرية الطويلة، وكيف تحولت من أداة لمواجهة الاستعمار إلى ساحة للنقد الاجتماعي الصارخ، وتسليط الضوء على أزمات الهوية، والانفتاح، والبيروقراطية، مستعرضين أبرز المحطات التي جعلت من الفن السابع في مصر مرآة تعكس انكسارات وانتصارات أمة بأكملها.
عكست السينما المصرية التحولات السياسية بوضوح؛ فانتقلت من نقد اجتماعي مبطن قبل 1952 إلى سينما قومية ممجِّدة، ثم إلى نقد الانفتاح، وصولًا إلى واقعية سياسية جريئة تكشف الفساد والبيروقراطية.
السينما المصرية قبل 1952: صراع الهوية والبحث عن الاستقلال
تعد الفترة الممتدة من عشرينيات القرن الماضي وحتى قيام ثورة يوليو 1952 هي العصر التأسيسي للسينما المصرية، حيث لم تكن هذه المرحلة مجرد بدايات تقنية، بل كانت ساحة صراع ثقافي وسياسي بين الرغبة في التحرر الوطني من الاستعمار البريطاني وبين القيود التي فرضتها الملكية والطبقية الإقطاعية.
بزوغ الهوية الوطنية (تأثير ثورة 1919)
ولدت السينما المصرية من رحم الحراك الشعبي لثورة 1919. وكان التأثير السياسي الأول هو الرغبة في تمصير الفن لمواجهة الأفلام الأجنبية الوافدة، وقد تجلى ذلك في تأسيس «بنك مصر» على يد طلعت حرب شركة «مصر للتمثيل والسينما» عام 1925، وافتتاح «ستوديو مصر» عام 1935.
الأثر السياسي: تحويل السينما من نشاط «جاليات أجنبية» إلى صناعة وطنية تدعم الاقتصاد المصري وترسخ اللغة واللهجة المصرية.
السينما كأداة للنقد الاجتماعي المستتر
بسبب الرقابة الصارمة في العهد الملكي، كان من الصعب انتقاد الملك أو الاحتلال بشكل مباشر، لذا، لجأ السينمائيون إلى النقد الاجتماعي كبديل للسياسة، حيث تسليط الضوء على الفوارق الطبقية الهائلة بين «الباشوات» والفلاحين أو العمال.
الحرب العالمية الثانية والتحول الدرامي
خلال الأربعينيات، تأثرت السينما بالظروف الاقتصادية الصعبة التي فرضتها الحرب العالمية الثانية، ووجود جيوش الاحتلال بكثافة في المدن المصرية، فظهر ما عرف بـ«أفلام الواقعية الأولى» التي بدأت تبتعد عن القصص الغرامية الحالمة لتقترب من زوارق الحارة المصرية ومعاناة الفقراء.
أبرز الأفلام التي جسدت أو تأثرت بهذه المرحلة
1. فيلم «العزيمة» (1939) - المخرج كمال سليم: يُصنف كأهم فيلم في تاريخ السينما المصرية المبكرة، فقد كسر نمط أفلام القصور والترف، وقدم لأول مرة الحارة المصرية والطبقة المتوسطة التي تعاني من البطالة والبيروقراطية، لذا يعد صرخة سياسية صامتة تطالب بإنصاف الشباب المصري المتعلم.
2. فيلم «السوق السوداء» (1945) - المخرج كامل التلمساني: وثق الفيلم جشع التجار واستغلالهم ظروف الحرب العالمية الثانية تحت حماية غير مباشرة من الفساد الإداري آنذاك، وكان الفيلم صادمًا للجمهور والسلطة لدرجة أنه لم يحقق نجاحًا تجاريًا حينها بسبب واقعيته المفرطة.

3. فيلم «لاشين» (1938) - المخرج فريتز كرامب: يعد هذا الفيلم حالة سياسية فريدة، حيث تدور أحداثه حول حاكم فاسد (في عصر غير محدد) ورئيس حرسه «لاشين» الذي يحاول الإصلاح، وقد رأت السلطات الملكية حينها أن الفيلم يحمل إسقاطات مباشرة على الملك فاروق، وتم منع عرضه ولم يُسمح به إلا بعد تغيير نهايته.
4. فيلم «ليلى بنت الفقراء» (1945) - إخراج أنور وجدي: رغم طابعه الغنائي، فإنه ركز على الصراع الطبقي الأزلي بين بنت الحارة والطبقة الأرستقراطية، وهو الثيم الذي سيطر على أفلام تلك الحقبة ليعبر عن الاحتقان الشعبي تجاه الإقطاع.
عصر جمال عبد الناصر: تحول السينما من الهواية إلى الدولة
تعد فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر (1952-1970) «العصر الذهبي» للسينما المصرية من حيث التأثير السياسي والأيديولوجي. في هذه المرحلة، لم تعد السينما مجرد تجارة أو ترفيه، بل تحولت إلى مشروع قومي يهدف لبناء صياغة جديدة للشخصية المصرية والعربية.
تأميم الصناعة وإنشاء المؤسسة العامة للسينما
كان الحدث السياسي الأبرز هو إنشاء المؤسسة المصرية العامة للسينما عام 1961، ولأول مرة، تصبح الدولة هي المنتج والممول الرئيسي، وأدى ذلك لإنتاج أفلام ضخمة الإنتاج (ملحمية) كان يعجز القطاع الخاص عن تمويلها، وبالتالي ظهور أفلام تاريخية ووطنية كبرى تعزز مفهوم القومية العربية والعدالة الاجتماعية.
السينما كأداة للتحرر الوطني والقومي
ارتبطت السينما بخطاب ناصر السياسي؛ فظهرت أفلام تمجد الثورة، وتنتقد العهد الملكي (الإقطاع)، وتدعم حركات التحرر في الجزائر وفلسطين، وعلى إثرها تحول الفلاح والعامل من شخصيات هامشية أو كوميدية إلى أبطال يمثلون قمة الهرم الاجتماعي.
أبرز الأفلام التي جسدت عصر المد القومي
1. فيلم «الناصر صلاح الدين» (1963) - إخراج يوسف شاهين: يعد هذا الفيلم «مانيفستو» سياسي بامتياز، فقد استخدم الفيلم شخصية صلاح الدين كرمز لجمال عبد الناصر (القائد الذي يوحد العرب ضد الاستعمار)، حتى إن الحوار في الفيلم كان يتردد فيه صدى خطابات القومية العربية التي كانت سائدة آنذاك.
2. فيلم «رد قلبي» (1957) - إخراج عز الدين ذو الفقار: هو التأريخ السينمائي الرسمي لثورة يوليو، حيث جسد الصراع بين ابن الجنايني (الضابط الحر) وابن الباشا (الإقطاعي)، منتهيًا بانتصار الثورة، مما رسخ في وجدان الشعب شرعية النظام الجديد.
3. فيلم «الأيدي الناعمة» (1963) - إخراج محمود ذو الفقار: هو فيلم سياسي بقالب كوميدي يدعو لقيمة العمل ونبذ الأرستقراطية التي لا تنتج، كما يعد تجسيدًا لمبدأ تذويب الفوارق بين الطبقات الذي نادى به الميثاق الوطني.

صدمة 1967 والتحول نحو النقد الذاتي
بعد نكسة يونيو، تغيرت لهجة السينما من التمجيد إلى التساؤل، فظهرت موجة من الأفلام التي تحاول البحث عن الخلل الذي أدى للهزيمة، واتسمت بجرأة سياسية غير مسبوقة، ومن أبرز الأفلام التي جسدت المرحلة وتأثرت بها:
1. فيلم «شيء من الخوف» (1969): قدم رمزية عبقرية (عتريس) كديكتاتور يفرض سيطرته بالخوف، وصيحة «جواز عتريس من فؤادة باطل» كانت تعد صرخة سياسية مبطنة.

2. فيلم «الأرض» (1970): ملحمة يوسف شاهين التي رسخت مفهوم التمسك بالأرض كقضية وجودية، وهو انعكاس مباشر لمرارة فقدان الأرض في 67.
عصر السادات: الانفتاح وحرب أكتوبر
شهدت مرحلة الرئيس محمد أنور السادات (1970-1981) انقلابًا دراميًا في التوجهات السياسية والاقتصادية، وهو ما انعكس بشكل صارخ على شاشة السينما، فقد تحولت البوصلة من الاشتراكية والقطاع العام إلى الانفتاح والقطاع الخاص، ومن مرارة الهزيمة إلى نشوة العبور، ثم الجدل حول معاهدة السلام.
سينما النصر: العبور من الانكسار إلى الفخر
بعد حرب أكتوبر 1973، امتلأت الشاشات بأفلام توثق البطولات العسكرية، لكنها ركزت أيضًا على البعد الإنساني للجندي المصري الذي استرد كرامته، واستُخدمت هذه الأفلام لترسيخ شرعية النظام الجديد وتجاوز عقدة نكسة 67.
أبرز الأفلام
1. «الرصاصة لا تزال في جيبي» (1974): الذي قدم قصة مجند يربط بين حبه لخطيبته وتحرير الأرض.

2. «حتى آخر العمر» (1975): الذي ركز على التضحيات الشخصية والإصابات الحربية.
سياسة الانفتاح وظهور أفلام المقاولات
مع دخول سياسة الانفتاح الاقتصادي، انسحبت الدولة تدريجيًا من الإنتاج السينمائي، تاركة الساحة للقطاع الخاص، فقد ظهرت موجة من الأفلام التجارية السطحية التي سُميت «أفلام المقاولات»، والتي ركزت على الربح السريع ومخاطبة غرائز الجمهور، مما أدى لتراجع جودة الصناعة فنيًا في منتصف السبعينيات.
الواقعية الجديدة: نقد «القطط السمان»
كرد فعل على التغيرات الطبقية وظهور طبقة الأثرياء الجدد (الطفيلية)، برز تيار «الواقعية الجديدة» في أواخر السبعينيات، فبدأ المخرجون (مثل عاطف الطيب، محمد خان، وخيري بشارة) في تقديم أفلام تنقد الفساد الإداري، وتفكك الطبقة المتوسطة، ومعاناة الإنسان البسيط أمام غول المال.
ويعد فيلم «سواق الأتوبيس» (1982) أهم أفلام المرحلة، ورغم صدوره بعد اغتيال السادات، فإنه يعد التأريخ الأدق لسينما الانفتاح، حيث يجسد ضياع القيم أمام المادة.

أبرز الأفلام التي جسدت صراعات عصر السادات
1. فيلم «الكرنك» (1975) - إخراج علي بدرخان: يعد هذا الفيلم من أخطر الأفلام السياسية في تاريخ مصر. الصلة بالمرحلة، وقد عُرض بتشجيع من نظام السادات لتصفية الحسابات مع مراكز القوى في عهد ناصر. وكشف الفيلم عن التعذيب في السجون وانتهاك الحريات قبل عام 1970، مما خدم التوجه السياسي الجديد للسادات كرئيس مؤمن وبطل للحريات (ثورة التصحيح).

2. فيلم «أهل القمة» (1981) - إخراج علي بدرخان: مأخوذ عن قصة لنجيب محفوظ، ويسلط الضوء مباشرة على اللصوص الذين أثروا من وراء سياسة الانفتاح، وكيف أصبح النشال وجيهًا في المجتمع بينما يعاني الشريف.
3. فيلم «على من نطلق الرصاص» (1975) - إخراج كمال الشيخ: ناقش الفيلم قضية الفساد في مشاريع الإسكان والرشاوى الحكومية التي بدأت تظهر بوضوح في تلك الفترة، مؤكدًا أن العدو الداخلي (الفساد) لا يقل خطورة عن العدو الخارجي.
عصر مبارك: الاستقرار والسينما البديلة
يُعد عصر الرئيس الراحل حسني مبارك (1981-2011) الأطول زمنيًا، والأكثر تعقيدًا في تاريخ السينما المصرية. واتسمت هذه المرحلة بالاستقرار الظاهري الذي أخفى تحته غليانًا اجتماعيًا وسياسيًا، وهو ما جعل السينما تتحول من مجرد مرآة للواقع إلى مشرط جراح يغوص في قضايا الفساد، البيروقراطية، وتصاعد التيارات الدينية.
سينما الواقعية الجديدة: الثمانينيات والسينما البديلة
في بداية عهد مبارك، نضج تيار المخرجين الذين قدموا «السينما البديلة» أو الواقعية، والتي ابتعدت عن بلاتوهات التصوير الفخمة لتنزل إلى الشوارع والمناطق الشعبية. وركزت هذه الأفلام على تهميش المواطن البسيط في ظل استمرار سياسات الانفتاح وتراكم الأزمات الاقتصادية، ومن أبرز روادها عاطف الطيب، محمد خان، داوود عبد السيد.
الثنائي الذهبي (وحيد حامد وشريف عرفة) وعادل إمام
شكلت أفلام هذا الثلاثي ظاهرة سياسية فريدة في التسعينيات، حيث كانت السينما هي المتنفس الوحيد لنقد الدولة بموافقة ضمنية منها أحيانًا، لتفريغ شحنات الغضب الشعبي. وقد واجهت هذه الأفلام قضايا شائكة مثل: فساد كبار المسؤولين، والتطرف الديني (الإرهاب)، وبؤس البيروقراطية الحكومية.
سينما «الشباب» والكوميديا السياسية (الألفية الجديدة)
مع مطلع عام 1998 (فيلم إسماعيلية رايح جاي)، تغيرت خريطة السينما لصالح النجوم الشباب، لكن السياسة ظلت حاضرة بأسلوب كوميدي أو ساخر يعكس إحباط الأجيال الجديدة من الركود السياسي.
أبرز الأفلام التي جسدت عصر مبارك
1. فيلم «البريء» (1986) - إخراج عاطف الطيب: يُعد من أجرأ الأفلام السياسية على الإطلاق، وقد كشف الفيلم عن قمع الحريات واستغلال الجنود البسطاء (الأمن المركزي) في ضرب المعارضين السياسيين تحت شعار «أعداء الوطن». وعانى الفيلم من مقص الرقابة لسنوات ولم يُعرض بنهايته الأصلية إلا بعد عقود.
2. فيلم «الإرهاب والكباب» (1992) - تأليف وحيد حامد: لخص أزمة المواطن مع «مجمع التحرير» (البيروقراطية). الفيلم لم يهاجم الحكومة مباشرة بقدر ما هاجم العجز العام، وصور كيف يمكن لظلم إداري بسيط أن يحول مواطنًا مسالمًا إلى «إرهابي» رغمًا عنه.

3. فيلم «طيور الظلام» (1995) - إخراج شريف عرفة: هو التشريح الأدق للصراع السياسي في عصر مبارك؛ حيث استعرض الصراع الثلاثي بين (الحزب الوطني الحاكم، الجماعات الدينية، والمستفيدين من الطرفين). وتنبأ الفيلم بصدام مستقبلي سيؤدي إلى انهيار المنظومة بالكامل.
4. فيلم «هي فوضى؟» (2007) - إخراج يوسف شاهين وخالد يوسف: صدر في أواخر عهد مبارك وصور تغول السلطة الأمنية (متمثلة في أمين الشرطة حاتم)، وعد الفيلم «النبوءة» التي مهدت لثورة 2011، حيث انتهى بمشهد محاصرة الشعب لقسم الشرطة.
ختامًا، يتضح لنا أن السينما المصرية لم تكن يومًا بمعزل عن صراعات السلطة أو طموحات الشارع، بل إن تاريخ السينما في مصر هو في جوهره تاريخ للصراع من أجل الاستقلال، والعدالة، والحرية؛ حيث كانت الكاميرا دائمًا هي السلاح الأنعم والأقوى في مواجهة التحولات الكبرى.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.