يُعد تاريخ السينما المصرية سجلاً بصريًا حيًا لتحولات المجتمع المصري السياسية والاجتماعية، فمع نهاية هذه السنة 2025، سينقضي الرُبع الأول من القرن الحادي والعشرين الذي افتتح الألفية الثالثة حسب التقويم الميلادي أو الغريغوري، وبلا شك، ففكرة مرور رُبع قرن كامل بتلك السرعة الرهيبة، هي فكرة شديدة الرعب، فما أسرع الأيام من بعد دخولنا الألفية الجديدة، لكن بعيدًا عن تلك المخاوف، فهل جاءت مع القرن بل مع الألفية الجديدة أي تطورات فارقة في حياتنا؟
الإجابة ستكون بالإيجاب، وإن ظهرت إرهاصات هذه التطورات، بداية من العقد الأخير في القرن والألفية السابقة، لكن فعلًا، خلال السنوات التي مرت من الألفية الجديدة، انتقلت البشرية إلى مرحلة جديدة تمامًا تقريبًا في كل شيء، فماذا عن صناعة السينما عمومًا، والسينما المصرية خصوصًا؟
في هذا المقال، نستعرض مراحل تطور السينما المصرية في مدة ما بعد ثورة يوليو 1952، ونحلل كيف كانت الأحداث الكبرى هي المحرك الرئيس للانتقال بين خمس مراحل سينمائية مثلت وجدان أمة برمتها.
تغيرت السينما المصرية جدًّا مع بداية الألفية، وإن كان للتغيير أسباب متعددة، بعضها تقني، لكن الأهم، كانت الأسباب الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية التي كان تأثيرها، أكبر وأكثر وضوحًا من التغييرات التقنية.
السينما المصرية خلال اثنتين وسبعين سنةً التي تلت ثورة 23 يوليو سنة 1952، كانت العوامل السياسية والاجتماعية هي الأهم، في الانتقال بين المراحل المتتالية التي مرت بها صناعة السينما في مصر، خلال تلك الحقبة الزمنية الطويلة. هذه المراحل يُمكن تقسيمها إلى خمس مراحل تتابعت على صناعة السينما في مصر، ثلاثة من تلك المراحل كانت خلال القرن الماضي، واثنتان خلال القرن الحالي، وكانت آخر مراحل القرن الماضي، هي مرحلة سينما الثمانينيات والتسعينيات التي بدأت فعليًّا من سنة 1980، وانتهت سنة 1998، مع ظهور الفيلم الذي غير كثيرًا من الأنماط السائدة للسينما المصرية -للأسف للأسوأ-، وهو فيلم (صعيدي في الجامعة الأمريكية)، ليمثل عرض هذا الفيلم، البداية الفعلية لمرحلة الألفينات، التي شهدت تراجعًا كبيرًا جدًا على المستوى الفني، على الرغم من ارتفاع مستوى التقنيات بصورة ملحوظة.
المرحلة الأولى (1952-1967): سينما الحلم الناصري والتوجه السياسي
عودة «Flashback» للمراحل الأسبق من تاريخ صناعة السينما في مصر، مرحلة ما بعد ثورة يوليو 1952 مباشرةً التي استمرت حتى نكسة 5 يونيو سنة 1967، تلتها المرحلة التالية التي كانت مشتركة -سياسيًّا- بين عهدي الرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر وأنور السادات التي بدأت من بعد النكسة مباشرةً، واستمرت حتى نهايات سنة 1979، تلك السنة التي غيرت كثيرًا من المفاهيم، بل ومسار المجتمع المصري ككل، ثم تلتها مرحلة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي. تلك المراحل الثلاث لم تسلم بعضها بعضًا، كما فعلت مرحلة الثمانينيات والتسعينيات مع مرحلة بداية القرن والألفية الجديدة، لكنها مراحل صنعتها الأحداث، فكان التغيير بينها حادًّا جدًّا، أو بلغة السينما «Cut».
البداية كانت من مرحلة ما بعد ثورة 23 يوليو سنة 1952والتي استمرت لما يقرب من خمسة عشر سنةً، مثلت الحلم الناصري الذي عاشته الغالبية العظمى من الشعب المصري خلال تلك المرحلة، حتى أفاق على كابوس الهزيمة، وكابوس الأوضاع الداخلية ومراكز القوى، لتنتهي مع النكسة المرحلة الأكثر تفاؤلًا، في التاريخ الحديث للشعب المصري.
خلال المرحلة الأولى التي لم تُشارك فيها الدولة في الإنتاج السينمائي الفعلي، لكن كان لها تأثير كبير على توجهات عدد من الأفلام التي بدأت تمجد محاسن الثورة، ولعل أشهرها كانت سلسلة أفلام إسماعيل ياسين الشهيرة، وكانت على الترتيب: (إسماعيل ياسين في الجيش) إنتاج سنة 1955، (إسماعيل ياسين في البوليس) إنتاج سنة 1956، (إسماعيل ياسين في الأسطول) إنتاج سنة 1957، (إسماعيل ياسين في بوليس حربي) إنتاج سنة 1958، و(إسماعيل ياسين في الطيران) إنتاج سنة 1959، وجميع تلك الأفلام كانت من إخراج فطين عبد الوهاب، وهي أفلام صُنعت بقرار سياسي، لإظهار دور وأهمية الجيش المصري، ما بعد مرحلة ثورة يوليو سنة 1952.

بجانب هذه الأفلام شديدة المباشرة، ظهرت أفلام عدة كان يُزج بأغنية أو استعراض داخلها، لتمجيد الثورة في نهاية كل فيلم، ولعل أهمها فيلم (الحموات الفاتنات) لإسماعيل ياسين وكمال الشناوي وشادية، وإخراج حلمي رفلة، إنتاج سنة 1953، وفيلم (نهارك سعيد) لمنير مراد وسعاد ثروت وعبد السلام النابلسي، وإخراج فطين عبد الوهاب، إنتاج سنة 1955.
إضافة إلى هذه النهايات التمجيدية للثورة، كان يُزج أيضًا بعدد من الأغنيات داخل بعض الأفلام، ولعل أهمها إحدى أغاني ليلى مراد في فيلم (سيدة القطار) من إخراج يوسف شاهين، إنتاج سنة 1952 الذي تلا الثورة مباشرةً.
تأسيس القطاع العام وتأثيره
في سنة 1957، قررت الدولة المشاركة في صناعة السينما، بإنشاء مؤسسة دعم السينما، خلال السنة نفسها، وهذه المشاركة كان لها عدد من الأهداف، منها بلا شك الأهداف السياسية التوجيهية، ومنها الأهداف الفنية، بهدف الارتقاء بالصناعة.
دعم الدولة المالي وسمة الإسقاط التاريخي
وفي المرحلة ما بين سنة 1957 وسنة 1962، كان التوجه هو إقراض المشتغلين بالإنتاج السينمائي، أو ضمانهم لدى البنوك، وفي تلك المرحلة التي استمرت من سنة 1957 حتى سنة 1962، بدأ استغلال السينما لتمجيد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، بالإسقاط المباشر للتاريخ على الواقع، فظهرت أفلام (خالد بن الوليد) سنة 1958، من بطولة وإخراج حسين صدقي، وفيلم (وا إسلاماه) سنة 1961، من بطولة لبنى عبد العزيز ورشدي أباظة وأحمد مظهر الذي كان زميلًا، بل في الدفعة نفسها جمال عبد الناصر وأنور السادات في الكلية الحربية، ويقال إنَّه كان أحد الضباط الأحرار، ومن الغريب أن الفيلم كان من إخراج المخرج الأمريكي أندرو مارتين.

سينما موازية الواقعية والتأثر بأوروبا
على الرغم من هذا التوجه السياسي المباشر، كانت هناك سينما موازية شديدة التميز، كان أهم صناعها المخرج صلاح أبو سيف، رائد السينما الواقعية الذي كان غزير الإنتاج جدًا خلال تلك المرحلة، حتى إنه أخرج خلال سنة 1958 فقط ثلاثة أفلام، والمخرج كمال الشيخ الذي اتخذت أفلامه إما منحى بوليسيًّا نفسيًّا، أو منحى سياسيًّا مختلفًا تمامًا عن السينما السائدة، ويوسف شاهين الذي كانت أفلامه خلال تلك المرحلة، ما بين الأفلام ذات القضايا، مثل (باب الحديد) و(جميلة بو حريد) وكلاهما من إنتاج سنة 1958، وأفلام أخرى تجارية شديدة البساطة، وأخيرًا وليس آخرًا توفيق صالح، صاحب سبعة أفلام فقط عبر تاريخه.

المرحلة الثانية (1967-1979): سينما النكسة والبحث عن الذات
نصل إلى الحدث الفارق الذي أعقبه أكبر وأهم تغير سياسي في توجهات السينما المصرية عبر تاريخها الممتد، وهو نكسة 5 يونيو سنة 1967، هذه النكسة التي امتد أثرها إلى جميع مناحي الحياة، ومن بينها بلا شك صناعة السينما. الغريب أن هذا التأثير اتخذ أكثر من صورة ومنحى، وكانت جميعًا على النقيض من بعضها بعضا تمامًا.
هذه المرحلة تميزت بأفلام تعبر عن الإحباط والبحث عن الذات، وظهرت فيها موجة من الأفلام النقدية الجريئة التي حللت أسباب الهزيمة، مثل (ثرثرة فوق النيل) و(العصفور).

المرحلة الثالثة (1962-1968) السينما الموازية الواقعية والتعبيرية
في سنة 1962، وبعد تأسيس الاتحاد الاشتراكي، وصدور عدد من القرارات الاشتراكية، جرى دمج مؤسسة دعم السينما داخل المؤسسة المصرية العامة للسينما والإذاعة والتلفزيون، وبناء عليه، أنشأت الدولة خمس شركات للإنتاج والتوزيع، جرى عدُّها امتدادًا للقطاع الخاص، حسب نص القانون، وكانت واجهة هذه الشركات الخمس، هي الشركة المصرية العامة للإنتاج السينمائي العربي «فيلمنتاج»، إحدى هذه الشركات الخمس.
خلال تلك المرحلة، التي استمرت من سنة 1962، حتى بدايات سنة 1968، وبعد دخول الدولة مُنتجًا مباشرًا، بواسطة شركة «فيلمنتاج»، وهو ما أتاح لها إنتاج بعض الأفلام الدعائية للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حتى لو عادت لنفس منهجية إسقاط التاريخ على الحاضر، فكان الفيلم الأهم الذي شاركت فيه الدولة مع المنتجة آسيا هو فيلم (الناصر صلاح الدين) الذي جرى إنتاجه سنة 1963، من إخراج يوسف شاهين، وبطولة أحمد مظهر، مع كل من صلاح ذو الفقار، نادية لطفي، ليلى طاهر، زكي طليمات، محمود المليجي، حمدي غيث، في أحد أضخم إنتاجات السينما المصرية عبر تاريخها، واسم الفيلم (الناصر صلاح الدين)، اختير بهدف الجمع بين اسم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وصلاح الدين الأيوبي، بعَدِّ جمال عبد الناصر هو صلاح الدين هذا العصر (في ذلك الوقت).

لعل من أهم ميزات تلك المرحلة -بعيدًا عن إنتاج شركة «فيلمنتاج»- هو تأثر بعض المخرجين الشباب بمدارس السينما الأوروبية في ذلك الوقت، بعيدًا عن النمط التقليدي للسينما المصرية الذي كان مقلدًا طول الوقت لأساليب وأنماط السينما الأمريكية فقط، فظهر تأثر السينما المصرية بمدرستين من أهم مدارس السينما الأوروبية في تلك المرحلة، ومنها المدرسة التعبيرية الألمانية.
وكان أهم الأفلام المصرية المتأثرة في تلك المرحلة بهذه المدرسة، هو فيلم (المستحيل)، إنتاج سنة 1965، عن رواية للدكتور مصطفى محمود، من بطولة كمال الشناوي ونادية لطفي، وإخراج حسين كمال، والذي فتح المجال لعدد من الأفلام المتأثرة بتلك المدرسة حتى نهاية سنة 1979، ولعل أهمها أفلام (زوجتي والكلب) إنتاج سنة 1971، من بطولة محمود مرسي، سعاد حسني، ونور الشريف، وإخراج سعيد مرزوق، وفيلم (التلاقي) إنتاج سنة 1977، من بطولة محمود مرسي وإخراج صبحي شفيق.

وقد مثلت هذه الأفلام النسبة الأكبر، مقارنةً بالأفلام المتأثرة بالمدرسة التعبيرية الألمانية، لعلَّ أهمها مجموعة من أفلام صلاح أبو سيف في تلك المرحلة، وفيلم (اللص والكلاب) إنتاج سنة 1962، من بطولة كمال الشناوي، شكري سرحان، وشادية، وإخراج كمال الشيخ، والمأخوذ عن رواية لنجيب محفوظ بالاسم نفسه، بُنيت على وقائع وأحداث حقيقية، وغيرها من الأفلام، سواء لمخرجي الصف الأول، أو لمخرجي الموجة الجديدة.
خلال المرحلة الأولى من التاريخ شديد القصر لشركة «فيلمنتاج»، لم تكن الأعمال المنتجة على المستوى المطلوب أو المتوقع على الإطلاق، إضافة إلى كم الخسائر التي تكبدتها؛ لأن معظم الأفلام التي أنتجتها، انتمت إلى ما يُسمى «B movies» أو أفلام التصنيف الثاني، إضافة إلى عوامل الاختلاس والأجور المبالغ فيها، وأوجه الإنفاق غير المحسوب أو المرشد، مع اختفاء التخطيط بالطبع، وتفاقم الصراعات الشخصية والشللية بين جميع العاملين، سينمائيين كانوا أو موظفين.
لعلَّ من أهم الملاحظات على هذه المرحلة الأولى التي تلت ثورة 23 يوليو 1952 مباشرةً، أن ظهور التلفزيون لم يؤثر في الإطلاق في صناعة السينما، على العكس من جميع المخترعات التي ظهرت فيما بعد التلفزيون التي كان لها أثرها الشديد الوضوح، على الإنتاج السينمائي في مصر.
في سنة 1966، كانت الدولة قد وصلت إلى تأميم معظم شركات القطاع الخاص السينمائية، ولم تكتفِ الدولة بهذا الحد من السيطرة، لكنها أكملت سيطرتها على قطاع السينما، بصدور قرار جمهوري بإنشاء المؤسسة العامة للسينما، وفصلها عن قطاع الإذاعة والتليفزيون، مع دمج شركات السينما في شركتين فقط، الأولى مخصصة للإنتاج السينمائي، والأخرى للتوزيع السينمائي.
المخرج يوسف شاهين كان أحد أهم آلات الدعاية لسياسة دولة يوليو بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والتمجيد لإنجازاتها، فكانت معظم أفلامه حتى وفاة جمال عبد الناصر، هي أشبه بأفلام الهيئة العامة للاستعلامات، كأفلام (فجر يوم جديد) إنتاج سنة 1965، وفيلم (النيل والحياة) إنتاج سنة 1968 الذي أعاد يوسف شاهين مونتاجه فيما بعد باسم جديد، وهو (الناس والنيل)، سنة 1972، بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، وفيلم (الأرض) سنة 1970، وبلا شك وقبل الجميع كان فيلم (الناصر صلاح الدين).

المرحلة الرابعة (1998-الآن): سينما الألفينات والمولات التجارية
شهد مسار السينما المصرية تحولًا جذريًّا بدأ تقريبًا في عام 1998، وكان السبب الحقيقي وراء هذا التغيير يكمن في التطور الذي طرأ على نمط الترفيه داخل المجتمع المصري، ما أدى بدوره إلى تغير كامل في طبيعة الجمهور الذي يرتاد دور السينما. تجلى هذا التحول مع انتشار المولات التجارية (Shopping Malls)، إذ لم تعد مشاهدة الأفلام حدثًا قائمًا بذاته، بل تحولت إلى جزء من تجربة أسرية متكاملة، تبدأ عادةً بالتسوق، تليها زيارة السينما، وتنتهي بوجبة طعام، وكل ذلك يتم داخل نفس المجمع.
هذا التطور أوجد لرواد السينما في مصر نوعية جديدة ومختلفة بثقافة ومستوى مادي مغاير، يتعاملون مع الفيلم كونه جزءًا من خروجة عائلية أو وسيلة لقضاء الوقت والتسلية (بهدف Entertainment)، وليس بصفتهم عشاقًا للفن السينمائي التقليدي.
هذا الجمهور الجديد ذو القدرات المادية المرتفعة، يفضل إما مشاهدة السينما الأمريكية، أو أفلام الرسوم المتحركة وتقنية الـ 3D التي تناسب الأطفال. وعندما يختارون فيلمًا مصريًّا، يكون مطلبهم الأساسي أن يتوافق الفيلم مع جميع أفراد الأسرة.
هذه الفئة من الرواد الجدد أصحاب القدرة المادية المرتفعة، أصبحت ضيفًا جديدًا مهمًّا على قاعات السينما المصرية، ضيفًا لا بد من إرضائه، خاصةً أنه تمكن من تحقيق طفرة غير مسبوقة في شباك التذاكر وإيرادات الأفلام المصرية، ومن هنا، بدأ في الظهور مصطلح السينما النظيفة والأفلام العائلية، ونوعية الأفلام التي بدأها كل من محمد هنيدي والراحل علاء ولي الدين، والتي اعتمدت على أسلوب الاسكتشات الكوميدية، أو نوعية أفلام الأكشن الرومانسية الخفيفة التي بدأت مع أحمد السقا، وكلاهما يتوافق مع جميع أفراد الأسرة المصرية.
السينما مرآة المجتمع التي لا تتوقف عن الدوران
وهكذا، نرى أن تاريخ السينما المصرية بعد ثورة يوليو هو قصة غنية ومعقدة، تعكس بصدق تقلبات الحلم الوطني من الصعود إلى الانكسار ثم البحث عن هوية جديدة. لقد أثبتت السينما المصرية أنها ليست أداة للترفيه، بل هي المرآة الأكثر حساسية لتحولات المجتمع، وسجل حي لذاكرته الجماعية. ويبقى السؤال مفتوحًا: ما هي المرحلة التالية التي ستعكسها هذه المرآة في ظل التحديات والتحولات التي نعيشها اليوم؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.