تاريخ السكك الحديدية.. حيث السفر بالقطار متعة

تجربة السفر على متن القطار تجربة فريدة من نوعها، فهو يمر بك عبر تضاريس الجغرافيا المتنوعة، ويأخذك إلى وجهتك بكل راحة وهدوء، لم تعهدهما في بقية وسائل النقل البرية الأخرى.

أردت أن أشارككم في هذا المقال تجربة سفري بقطار الجزائر العاصمة – وهران – تلمسان، ولا أخفيكم هذه ليست المرة الأولى التي أستقل فيها قطارًا، لكنها المرة الأولى التي ركبت فيها قطارًا مسافةً طويلةً جدًّا تفوق 700 كم، إنها فعلًا تجربة ممتعة.

يقدم قطاع النقل في العالم خدمات عظيمة لا سيما في مجال الاقتصاد ونقل المواد الصناعية والاستهلاكية، غير أن خدمات نقل الأشخاص لا تقل شأنًا عن نظيرتها الاقتصادية.

فقد مثل عنصر النقل مئات السنين شريان الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وكان بديلًا لتلك الأساليب التقليدية التي كانت تجهد الناس، وتكبدهم عناء السفر ونقل أمتعتهم ومعداتهم مسافات قصيرة في وقت طويل جدًّا؛ وبفعل الحداثة والتطور أصبح الإنسان يستقل وسائل نقل أكثر تطورًا وأكثر راحة، لعل أبرزها النقل بالسكك الحديدية.

تاريخ-السكك-الحديدية

السكك الحديدية تاريخ عريق

يعد الرومان أول من استخدم شريطين متوازيين من الحجارة لسحب عربات فوقها، ونقل الحيوانات والحجارة؛ وفي القرن الخامس عشر استبدلت الحجارة بألواح خشبية، ثم بعد ذلك غطيت بصفائح معدنية. ومن عام 1820م استبدلت قضبان حديدية فولاذية بها، وهذا ما أطلق عليه لاحقًا تسمية السكك الحديدية. 

عرفت الجزائر نشاط السكك الحديدية في الحقبة الاستعمارية، فقد أنشأ المستعمر الفرنسي ما يقارب 5 من آلاف كيلومتر من الخطوط والمسارات الحديدية بين عامي 1857 و1945م التي كانت تربط المدن الداخلية والمدن الكبرى بالمواني بهدف النقل والتجارة.

وبعد الاستقلال تطورت وسائل النقل بالسكك الحديدية أكثر، لتزداد أعداد المنشآت الفنية، ويصل طول الخطوط إلى 4560 كم، تحوي أكثر من 10509 عربات بين نقل بضائع ونقل مسافرين. 

القطار.. متعة السفر

بالعودة إلى موضوع هذا الروبورتاج، كانت وجهتي إلى مدينة تلمسان الواقعة أقصى غرب الجزائر (512 كم حسب معطيات تطبيق Google maps)، غير أنه تحتم علي السفر من العاصمة إلى مدينة وهران (411 كم حسب معطيات تطبيق Google maps)، والركوب في قطار آخر من وهران إلى تلمسان.

انطلق القطار بنا من محطة آغا في الجزائر العاصمة الساعة 8:00 صباحًا بالتوقيت المحلي للجزائر (GMT +1)، طارقًا أبواب محطة وهران قرابة الساعة الواحدة والنصف زوالًا.

متعة-السفر-بالقطار

قطار يخترق الجغرافيا

ما أنساني تعب السفر (قرابة 6 ساعات) هو الجو الهادئ داخل عربات القطار وحسن استقبال الأعوان الذين رافقونا في هذه الرحلة، كانت الانطلاقة في أجواء شتوية، وغيوم ترمي من حين إلى آخر زخات مطرية خفيفة أشبه برذاذ متناثر هنا وهناك، ونسيم صباح منعش يوحي برحلة سفر مريحة وممتعة.

بعد نحو ساعة من الرحلة وصل بنا القطار إلى السير سيرًا متوازيًا مع سلسلة جبال الأطلس البليدي التي كانت قمم جبالها تعانق السحب السوداء المملوءة بأمطار فصل الخريف، وغير بعيد من ذلك كدنا نلامس سفوح تلك الجبال الشاهقة، مخترقين حقول الحمضيات ومزارعها التي تنتشر بكثرة في سهول ولايتي البليدة وتيبازة.

ومع خروجنا من تلك السهول الخضراء وجبال الشريعة الشامخة تغيب وراء ظهورنا، انقشعت الغيوم السوداء المطرية؛ ليصبح الجو صحوًا، وتنقلب السماء إلى زرقتها المعهودة، لقد عشنا فصل الشتاء وفصل الربيع بينهما فصل الخريف في أقل من ساعة، إنها جغرافيا الجزائر الشاسعة أراضيها.

بعد الجبال الشامخة أراض مبسوطة

ما إن تغيب وراءنا جبال سلسلة الأطلس التلي، حتى نجد أنفسنا وسط أراض شاسعة مبسوطة وممتدة مَدّ رأي العين، يخترقها القطار بسرعة وسط حقول أشجار الزيتون، على جنبات خط السكة الحديدية، في ضواحي ولايات الشلف وغيليزان ومعسكر، إنها ولايات داخلية تعرف بالرعي والفلاحة، تلك أشجار الزيتون مصطفة بإتقان الواحدة أمام الأخرى.

تختلط هذه الحقول بتجمعات سكانية من حين إلى آخر، يبدو أن سكانها هم أصحاب تلك الحقول، ويظل المشهد هكذا إلى حين وصولنا إلى تخوم ولاية وهران الجميلة، إنها تتراءى لنا من بعيد، تدل عليها قمة جبل كنيسة (سانتا كروز) التي تبعد نحو 35 كم عن مدخل مدخل مدينة واد تليلات التي يمر عبرها القطار مسرعًا.

قطار يعانق قمم جبال تلمسان

أستكمل رحلتي إلى مدينة تلمسان الساحرة بمدينتها الجميلة وقصورها العتيقة، أذكر قصر المشور وسط المدينة الذي شيده يغمراسن بن زيان في أوائل القرن الثالث عشر ميلادي، وهو يشبه إلى شبهًا كبيرًا قصر الحمراء في غرناطة، وقلعة المنصورة الواقعة عند المخرج الغربي للمدينة، بنيت في عهد المرينيين. 

لا يزال القطار من وهران إلى تلمسان يجوب الأراضي المسطحة إلى حين اقترابه شيئًا فشيئًا من حواف مدينة تلمسان، حينها يصبح القطار معانقًا قمم جبال عين فزة التي تنبعث منها شلالات الوريط بمياهها البيضاء، كأنها ركام ثلج يتهاوى نحو الأسفل، والقطار يهم بدخول محطة المدينة استذكرت شيئًا من إلياذة الجزائر لشاعر الثورة مفدي زكرياء يقول:

وَتَاهَ الوَرِيطُ بِشَلاَّلِـهِ       ****   يُلَقِّنُ زِرْيَابَ مَعْنَى الطَّرَبْ

تِلِمْسَانُ أَنْتِ عَرُوسُ الدُّنَا ****   وَحِلْمُ اللَّيَالِي وَسَلْوَى المُحِبّْ

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة