تاريخ السجائر في مصر.. 400 عام من التدخين

هذه العادة السيئة التي خلفت كثيرًا من الأمراض الصحية والنفسية والاجتماعية والمشكلات دخلت مصر مع دخول نبات التبغ إلى البلاد الذي سارع الناس إلى استهلاكه بقوة، وعلى الرغم من أن الناس كانوا يعدونها عادة سيئة، وكان الحاكم في مصر يضع القوانين من أجل منع شرب الدخان في الأمكنة العامة، وبعض هذه القوانين وصلت إلى الإعدام.

لكن التطورات لاحقًا جعلت حاكم مصر يحتكر زراعة التبغ وتجارته؛ ليتغير تاريخ السجائر في مصر وصولًا إلى ما نحن عليه الآن من ممارسة واسعة لعادة التدخين؛ وبذلك أصبحت السجائر أحد المنتجات المهمة في السوق المحلي والعالمي. 

وفي هذا المقال نصحبك في جولة سريعة لنتعرف إلى تاريخ السجائر في مصر في السطور التالية.

بداية تاريخ السجائر في مصر

يعود تاريخ السجائر في مصر إلى دخول التبغ أول مرة في بداية القرن السابع عشر، فقد كان التبغ يستعمل بالمضغ؛ وذلك لعدم معرفة كيفية عمل السجائر في البداية، ثم تطور الأمر بعد ذلك إلى التدخين بأوجه عدة، حتى إن الجبرتي قال في كتابه: «إن الولاة العثمانيين أصدروا الأوامر بمنع شرب الدخان في الأمكنة العامة وعلى أبواب البيوت، وأصدروا القوانين التي تجرّم المدخنين، وأن بعض هذه القوانين تضمنت الإعدام؛ ذلك لأن المجتمع المصري كان يعد التدخين عادة سيئة؛ وبذلك كانت توجد محاولات لعدم انتشار هذه العادة». 

أما زراعة التبغ التي كانت بداية تاريخ السجائر في مصر كانت في أثناء الحملة الفرنسية، فقد بدأ الفلاحون في منطقة الفيوم تجربة زراعة التبغ لسد حاجة السوق المحلي الذي كان يستورد التبغ من الخارج، وذلك بعد انتشار التدخين بين المصريين في تلك المرحلة.

بداية تاريخ السجائر في مصر

وعندما تولى محمد علي باشا حكم مصر بعد رحيل الحملة الفرنسية بدأ يحتكر زراعة التبغ حتى انتشرت في أوروبا فكرة السجائر التي اخترعها الفرنسيون عام 1840م، ما أدى بعد ذلك إلى انتشار السجائر في مصر بأنواع مختلفة، وماركات نسبت إلى نوع ورق السجائر، وجودة التبغ، ما أدى إلى انخفاض أسعارها وانتشارها بين أهل مصر.

تاريخ السجائر في مصر من عهد محمد علي

شاءت الأقدار أن يكون محمد علي باشا -تاجر الدخان- حاكمًا على مصر ومؤسسًا للأسرة العلوية، وهو الذي يعرف أنواع التبغ وكيفية زراعتها وأهميتها بالنسبة للسكان مع انتشار عادة التدخين؛ وبذلك احتكر محمد علي زراعة التبغ وصناعة الدخان في مصر، ما أدى إلى أن يصبح التبغ المصري من أفضل أنواع التبغ في العالم، إضافة إلى انتشار صناعة السجائر وازدهارها بعد ذلك. 

السجائر في عهد محمد علي

كان مصنع سركسيان للدخان والسجائر أول مصانع السجائر التي شهدتها مصر، فقد أنشئ عام 1867م في منطقة شبرا بالقاهرة، وأنتج المصنع عددًا من أنواع السجائر التي حصلت على شهرة كبيرة في ذلك الوقت قبل أن ينشئ الأخوان كريكور وجيرابيد معمل الدخان الشرقي والسجائر الشرقية في منطقة التوفيقية الذي غُير اسمه بعد ثورة 1919م إلى معمل الدخان الشرقي والسجائر الشرقية المصرية الذي وصلت منتجاته إلى كل مكان في مصر، وحقق نجاحًا لافتًا حتى إنه افتتحت عدة فروع لبيع السجائر في العتبة، وميدان باب الحديد، ومنطقة عابدين، وشارع شامبليون.

إضافة إلى فرع في الإسكندرية نظرًا لأن مصنع ملكونيان كان يعمل على إنتاج عدد من أصناف السجائر والدخان التي تتناسب مع كل الطبقات إضافة إلى الاستهلاك المحلي الكبير للسجائر في تلك المدة. 

مصر تصدر السجائر إلى أوروبا

لم يقتصر تاريخ السجائر في مصر على تصنيع السجائر للاستهلاك المحلي فقط، وإنما كان في مصر دائمًا مصانع كبيرة ومعامل وكيانات تصّنع السجائر وتصدّرها إلى أوروبا نظرًا لجودة التبغ المصري، إضافة إلى الأهمية الكبيرة التي كانت تحظى بها صناعة السجائر في ذلك الوقت.

فعلى سبيل المثال أنشأ اليوناني نستور جياناكليز مصنعه في القاهرة عام 1871م، واتخذ من قصر خيري باشا مقرًا للمصنع الذي صنع أجود أنواع السجائر ذات المذاق الإنجليزي، واستطاع أن يصدّرها إلى أوروبا عمومًا وإلى المملكة المتحدة خصوصًا. 

كذلك كان مصنع إخوان كريازي الذي أنشئ في منطقة سوق التوفيقية في القاهرة في نهاية القرن الـ 19 من أكبر مصانع إنتاج السجائر والدخان في مصر الذي صدّر إنتاجه الرفيع إلى منطقة أوروبا والشرق الأوسط، فكانت أستراليا وسويسرا وإنجلترا تستهلك منتجات كريازي.

تصدير السجائر

ما دفع المؤسسة العملاقة إلى افتتاح عدد من الفروع في هولندا وأمستردام وهامبورغ كما تقول الإعلانات والأخبار المتداولة عن شركة كريازي للدخان والسجائر، وشهد عام 1901م 103 ملايين سيجارة تحمل اسم الشركة التي تأسست وشاركت في صناعة تاريخ السجائر في مصر. 

أشهر شركات السجائر في مصر في القرن الـ20

في منتصف القرن الـ20 تغيرت أنواع السجائر التي يفضلها المصريون، وانتشرت منتجات شركة أطلس التي كانت تنتج السجائر كوتاريلي، وحققت نجاحًا كبيرًا مع شركة ويتيكس التي كانت تنتج سجائر واسب، ومع المنافسة الكبيرة بين الشركتين بدأ كل منهما في حملة إعلانات كبيرة ضمت الفنانين والمشاهير ليستمر الحال، حتى قوانين التأمين التي ضمت الشركات الأجنبية في كيانات مصرية تحت اسم شركة النصر للدخان.

تأثير الأرمن في تاريخ السجائر في مصر

لا شك أن الأرمن كان لهم تأثير كبير في تطور صناعة الدخان والسجائر في مصر، فقد أسس الأرمن نحو 20 مصنعًا لإنتاج السجائر في البلاد في القاهرة والإسكندرية والمنصورة والزقازيق، ولعل مصنع سركسيان أقدم هذه المصانع.

تأثير الأرمن في تاريخ السجائر

لكن أشهر شركات التبغ التي أسسها الأرمن في مصر شركة (ماتوسيان) التي تأسست في نهاية القرن الـ19 في الإسكندرية قبل أن تؤسس فرعًا آخر في القاهرة، وهو ما تطور ليضم بعد ذلك نحو 70 ألف عامل يعملون في شركة لإنتاج السجائر والدخان تُصدّر إنتاجها إلى عدة بلدان، إضافة إلى السوق المحلي المصري. 

استخدمت مؤسسة ماتوسيان عددًا من الحيل التجارية التي مكنتها من السيطرة على السوق المصري؛ فعلى سبيل المثال وضعت ماتوسيان كوبونات على علب السجائر ليستفيد منها المدخنون لشراء بعض الاحتياجات أو دخول السينما حتى بعد قيام الثورة وصدور قرارات التأميم استطاع صاحب الشركة أن يلبي طلبات الرئيس جمال عبد الناصر في إنتاج أنواع رخيصة من السجائر لمواكبة الظروف السياسية والاجتماعية للبلاد التي عرفت بعد ذلك باسم سجائر كيلوبترا، وأصبحت السجائر الأكثر شعبية في البلاد مدة طويلة.

الشركات المصرية في تاريخ السجائر في مصر

كانت توجد شركات مصرية عدة شاركت في صناعة تاريخ السجائر في مصر، منها شركة محمود فهمي التي كانت تنتج السجائر بعد ثورة 1919م تحت اسم بيت الأمة، وكذلك شركة الاتحاد التي كانت تنتج نوعًا من السجائر يسمى أم الدنيا، وأيضًا شركة عبد الرحمن فهمي التي أنتجت نوع سجائر الأمراء، ثم ظهرت بعد ذلك شركة مصر للدخان التي اشتهرت بنوع سجائر يسمى ملك. 

بعد صدور قرارات التأميم ضُم عدد من الشركات الأجنبية ومنها شركة كوتاريلي التي أصبحت بعد ذلك شركة النصر للدخان والسجائر، وأنتجت أنواع فلوريدا ونفرتيتي حتى ضُمت بعد ذلك إلى الشركة الشرقية للدخان التي لا تزال موجودة حتى الآن.

وعلى الرغم من أن الشركة الشرقية للدخان كانت قد تأسست في عهد السلطان أحمد فؤاد لمنافسة المنتجات الأجنبية والشركات التي تهيمن على سوق الدخان في مصر؛ لكنها حققت نجاحات كبيرة، واستطاعت أن تضم إليها عددًا من الشركات الأرمنية العاملة في مصر؛ لتندمج بعد ذلك مع شركة ماتوسيان، وبعدها مؤسسة ميليكونيان لتصبح الشركة الشرقية للدخان اللاعب الأكبر في السوق المصرية بعد قرارات التأميم.

الشركة الشرقية للدخان

ويصل عدد المصانع التابعة للشركة إلى تسعة مصانع لإنتاج السجائر، وستة مصانع لإنتاج المعسل، إضافة إلى مصنعين للتصنيع الأجنبي، وتملك الآن الشركة الشرقية للدخان نحو 5 آلاف فرع ومخزن على مستوى مصر.

وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن رحلة سريعة في تاريخ السجائر في مصر نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال عبر مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة