تاريخ الإمبراطورية العثمانية من القيام إلى السقوط

يُعد تاريخ الدولة العثمانية واحدًا من أكثر الفصول التاريخية ثراءً وتأثيرًا في العالم، فقد امتدت الإمبراطورية العثمانية أكثر من ستة قرون، تاركة بصمة لا تُمحى على ثلاث قارات. هذه الإمبراطورية العثمانية التي حققت أمجادًا وانتصارات متتالية امتدت فيها رقعتها وأراضيها الشاسعة في قارات العالم القديم، كانت في البداية نظامًا قبليًّا تحوَّل على يد عثمان بن أرطغرل إلى دولة قوية استطاعت مواجهة دول كبيرة عدة ذات تاريخ عريق، لتحتل مكانة كبيرة على المستوى التاريخي والجغرافي.

في هذا المقال، نصحبك في جولة سريعة نتعرف فيها على رحلة قيام الدولة العثمانية وعصور نهضتها وازدهارها، وكذلك نتعرف على أسباب ضعف الدولة العثمانية التي أدت في النهاية إلى سقوط الدولة العثمانية. ونستعرض أبرز المحطات، بدءًا من الأصول المتواضعة وصولًا إلى قمة المجد ثم الأفول الحتمي.

ما قبل تأسيس الإمبراطورية العثمانية

في البداية كان العثمانيون جماعة تنتمي لقبائل «الغزّ التركمانية» تسكن في وسط آسيا ويتعرضون لكثير من المضايقات نتيجة الصراعات الموجودة في المنطقة، وآخرها كان التعرُّض للغزو المغولي، وهو ما جعل الجماعة تنتقل إلى منطقة الأناضول عام 1123 ميلادية لتعيش مدة من الزمن تحت حكم السلاجقة الروم.

من العثمانيون؟

بعد استقرارهم بمدة، قرر قائد الجماعة «سليمان شاه» الانتقال إلى منطقة حوض الفرات والاستقرار في ظروف أفضل، وفعلًا اتجه بجماعته إلى تلك المنطقة، لكنه توفي في الطريق، إذ غرق في النهر أثناء العبور، ما أوقع جماعته في حيرة؛ فبعضهم اختار العودة إلى وسط آسيا، بعدِّها الموطن الأصلي، وبعضهم فضَّل الرجوع إلى منطقة الأناضول تحت حكم السلاجقة.

أما المجموعة التي عادت إلى الأناضول، فقد كان قائدها هو «أرطغرل بن سليمان شاه» الذي وضع نفسه وجماعته تحت خدمة سلاجقة الروم في حروبهم وتوسعاتهم، وهو ما جعله يحصل لجماعته على كثير من الأراضي التي ساعدتهم على الاستقرار في منطقة أنقرة، وبعد وفاته عام 1281 ميلادية جاء ابنه عثمان بن أرطغرل الذي تأسست على يده الإمبراطورية العثمانية.

تأسيس الإمبراطورية العثمانية

متى تأسست الدولة العثمانية ومتى انتهت؟ تبدأ قصة قيام الدولة العثمانية رسميًا نحو عام 1299م. فبعد الهزيمة الساحقة التي تعرّض لها سلاجقة الروم أمام المغول، أعلن عثمان بن أرطغرل الذي يُعد مؤسس الدولة العثمانية، استقلاله عن دولة السلاجقة.

تأسيس الدولة العثمانية

وأنشأ جيشه الخاص الذي استخدمه في توحيد منطقة الأناضول تحت حكمه، ثم بدأ فتح مدن البلقان واحدة تلو الأخرى، حتى وصلت توسعات الإمبراطورية العثمانية بعد ذلك إلى وسط أوروبا، وأصبح لها شأن كبير، حتى إن الدولة البيزنطية عقدت معها معاهدات، لتصبح الإمبراطورية العثمانية دولة كبيرة وذات سمعة بين الدول القائمة في تلك المرحلة.

الإمبراطورية العثمانية مرحلة القوة والازدهار

ترتبط مرحلة توسع الدولة العثمانية والقوة في تاريخ الدولة العثمانية بتولي السلطان محمد الفاتح حكم الإمبراطورية، وقد كان سابع حكام الإمبراطورية العثمانية، إذ فتح مدينة القسطنطينية التي كانت تُعدّ أهم حصون الدولة البيزنطية، لتصبح عاصمة الدولة العثمانية الجديدة باسم (إسطنبول)؛ لتستمر مدة القوة والازدهار حتى نهاية حكم السلطان سليمان القانوني.

السلطان محمد الفاتح

وفي هذه المدة استطاعت الإمبراطورية العثمانية التعامل مع الثوار الشيعة في آسيا، وكذلك نقل الخلافة الإسلامية من بغداد، موطن الدولة العباسية، لتصبح تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية، وكذلك إنهاء حكم دولة المماليك بالسيطرة على أراضيها في اليمن والحجاز والشام والمغرب، والوصول إلى أجزاء من أوروبا الشرقية، لتبلغ الإمبراطورية العثمانية أقصى اتساعٍ لها. وهذا يوضح دور الدولة العثمانية في العالم الإسلامي كقوة مهيمنة.

الحضارة العثمانية وإنجازات الإمبراطورية

لم يكن هذا الاتساع الكبير والنفوذ الهائل للإمبراطورية العثمانية قائمًا فقط على التفوق العسكري للـجيش العثماني، وإنما كانت الحضارة العثمانية تشهد تنظيمًا كبيرًا على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي. من أهم إنجازات الإمبراطورية العثمانية تطويرها لنظام إداري وقانوني متقدم. إضافة إلى مبادئ القانون والعدالة والانفتاح الكبير على الفنون والآداب والعلوم، ما ساعد الإمبراطورية العثمانية على تحقيق طفرة حضارية وثقافية كبيرة.

ويُعد المعمار العثماني خير شاهد على ذلك، في القصور والمباني المعمارية التي تشهد على التطور الكبير، أما عن سؤال كيف كانت الحياة في ظل الحكم العثماني، فقد تميزت بالتعايش بين مختلف الأعراق والأديان تحت (نظام الملل). إضافة إلى أن السيطرة على الأراضي الزراعية وطرق التجارة أدّت بدورها إلى انتعاش اقتصادي كبير، كان له أثر هائل في قوة الدولة مدة طويلة من الزمن.

الإمبراطورية العثمانية ومرحلة الركود

كما تمر الدول والحضارات بمراحل نفوذ وسيطرة وتقدُّم، تمر أيضًا بمراحل توقّف وركود قبل أن تصل إلى مرحلة الضعف والنهاية. وتبدأ مرحلة الركود والتوقف في تاريخ الإمبراطورية العثمانية منذ تولَّي السلطان سليم الثاني حكم الدولة، حتى تنازلت الإمبراطورية العثمانية عن أراضيها لمصلحة روسيا بعد توقيع معاهدة «قاينارجة» وتحطيم الأسطول العثماني على يد الجيش الأوروبي الموحد.

السلطان سليم الثاني

في هذه المرحلة كانت الإمبراطورية العثمانية غير قادرة على الاحتفاظ بأراضيها ونفوذها نتيجة وجود مجموعة من سلاطين الدولة العثمانية الضعفاء مقارنةً بالفترة السابقة، وعلى الرغم من محاولات السلطان محمد الرابع لاستعادة بعض الأراضي والنفوذ في أوروبا، فإنه تعرَّض للعزل، ما أدى إلى عودة الإمبراطورية العثمانية إلى حالة الفوضى مرة أخرى، وتعرضها للهزائم المتتالية، وهو ما كان علامة على قرب نهاية الإمبراطورية العثمانية.

الإمبراطورية العثمانية مرحلة الضعف

تُعد هذه المرحلة بداية ظهور أسباب ضعف الدولة العثمانية التي تفاقمت مع مرور الزمن وأدت إلى سقوط الدولة العثمانية. كان السلطان سليم الثالث يحمل كثير من الآمال والطموحات في إعادة هيبة الدولة العثمانية، واتخذ عددًا من الإجراءات التي تضمنت إصلاحات في الهيكل التنظيمي للإمبراطورية العثمانية، وبناء الجيش من جديد، كما اتبع عددًا من السياسات مثل التحالف مع إنجلترا لطرد الفرنسيين من مصر والشام، لكن الإنكشاريون تمكنوا، بسبب إشعال الثورات والفتن في جيش الإمبراطورية العثمانية، من عزل السلطان سليم الثالث عن الحكم، ثم قتلوه، لتنتهي بذلك فرصة عودة الإمبراطورية العثمانية إلى أمجادها.

ومع توالي الأحداث وعزل السلطان محمد الرابع، نصَّب الإنكشاريون أخاه السلطان محمود الثاني الذي شهد عصره استقلال عدد كبير من الدول الأوروبية عن الإمبراطورية العثمانية، واحتلت روسيا عددًا من الأراضي، واحتلت فرنسا الجزائر، وانشق الولاة التابعون للإمبراطورية العثمانية واستقلوا بالولايات التي كانوا يديرونها، وعلى رأس تلك الولايات مصر، إذ استقل محمد علي باشا بحكمها، وتوسَّع في ضم أراضٍ جديدة في الشام وفلسطين، وألحق بجيش الإمبراطورية العثمانية هزيمة ثقيلة، حتى إن السلطان محمود الثاني اضطر إلى الاستعانة بالدول الأوروبية لصد هجمات محمد علي.

محمد علي وحكم مصر

تولى بعد ذلك السلطان عبد المجيد الأول، لتستمر محاولات الإمبراطورية العثمانية في استعادة أراضيها، لكن الأمر كان يحمل كثيرًا من الفوضى، إذ كانت الإمبراطورية العثمانية في مواجهة مع والي مصر محمد علي، ما دفعها إلى التعاون مع القوات النمساوية والبريطانية من أجل إعادة منطقة الشام، وفي الوقت نفسه كانت الفتن الداخلية تفتك بالدولة وبالجيش، ما جعل الناس يطلقون على الإمبراطورية العثمانية «دولة الرجل المريض».

الإمبراطورية العثمانية ما قبل السقوط

تتلخص أسباب تفكك الدولة العثمانية في هذه الفترة في تنامي القوميات، والتدخلات الأوروبية، والضعف الاقتصادي والعسكري. توالت الأزمات على الإمبراطورية العثمانية، إذ اندلع تمرَّد للأرمن في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، وسعت جماعات من اليهود إلى الاستيطان في دولة فلسطين، فاضطر السلطان في النهاية إلى التنازل عن الحكم.

تولى بعده السلطان محمد رشاد الخامس الذي لم يكن يملك من الأمر شيئًا، إذ أصبح جيش الإمبراطورية العثمانية هو المتحكم الفعلي في البلاد، وقد خسر هذا الجيش كثيرًا من الحروب، ولعل أبرزها حرب البلقان التي انتهت بانسحاب جيش الإمبراطورية العثمانية بالكامل من البلقان.

ومع قيام الحرب العالمية الأولى، تحالفت الإمبراطورية العثمانية مع الجيش الألماني، ما أدى إلى مهاجمة دول الحلفاء للممتلكات العثمانية في منطقة الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي أدى إلى استخدام العرب ضد الإمبراطورية العثمانية فيما عُرف بالثورة العربية الكبرى مقابل منحهم فرصة الاستقلال بعد انتهاء الحرب، ما أدى إلى سقوط الدولة العثمانية في الحجاز والشام، وهو ما جعلها تخرج من الحرب تمامًا بعد التوقيع على معاهدة «مودروس» مع دول الحلفاء. وهذا يوضح جانبًا من علاقة العثمانيون والعرب في نهايات الدولة.

الإمبراطورية العثمانية: السقوط والنهاية

إذًا، كيف سقطت الدولة العثمانية؟ بعد توقيع المعاهدة، هاجم الحلفاء موانئ الإمبراطورية العثمانية على البحر الأسود، واحتلوا الأراضي التركية، وهو ما أدّى إلى اندلاع ثورة داخلية بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، الذي أعلن قيام حكومة مستقلة في أنقرة، وبدأ بمقاومة الاحتلال اليوناني على الرغم من توقيع السلطان محمد السادس الذي يعد من هو آخر سلاطين الدولة العثمانية، لمعاهدة تسمح للقوات اليونانية بالسيطرة على أراضي عدة، وتُجيز للقوات الفرنسية السيطرة على سوريا، وكذلك تُتيح للقوات الإنجليزية السيطرة على مناطق من شرق الأردن، إضافة إلى العراق وفلسطين.

السلطان محمد السادس

كانت المقاومة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك ترفض كل هذه المعاهدات، وتُواصل المقاومة المسلحة، وهو ما تكلّل بالنجاح، إذ استطاع كمال أتاتورك تحرير الأراضي التركية وتوقيع معاهدة لوزان، فنال الثوار كثير من المكاسب، وانتهى حكم الإمبراطورية العثمانية بإلغاء السلطنة عام 1922، ثم أعلن مصطفى كمال أتاتورك بعد ذلك قيام الجمهورية التركية عام 1923.

الإمبراطورية العثمانية إرث وتاريخ عظيم

يمثل تاريخ الدولة العثمانية رحلة طويلة ومعقدة من الصعود والهبوط، بدءًا من قيام الدولة العثمانية إمارة صغيرة، مرورًا بـالفتوحات العثمانية والمعارك العثمانية الكبرى التي كونت خريطة العالم، وصولًا إلى سقوط الدولة العثمانية الذي أعاد رسم خريطة الشرق الأوسط الحديث. يبقى إرث الإمبراطورية العثمانية حاضرًا في الثقافة العثمانية والحكم الإسلامي الذي ساد قرونًا شاهدًا على واحدة من أعظم الإمبراطوريات في تاريخ البشرية.

في سجلات التاريخ، تبرز قصة الدولة العثمانية التي انطلقت من إمارة صغيرة لتصبح إمبراطورية عالمية، ويعود الفضل في تأسيسها إلى قائدها الأول عثمان الأول بن أرطغرل الذي منح الدولة اسمه لتُعرف عبر العصور بـ«العثمانية». لم تلبث هذه الدولة الناشئة أن بسطت نفوذها على امتداد ثلاث قارات، لتصل حدود الإمبراطورية العثمانية في أوج قوتها إلى أجزاء واسعة من جنوب شرق أوروبا وغرب آسيا وشمال إفريقيا.

ولم يقتصر نفوذ الإمبراطورية العثمانية على الجانب العسكري والسياسي فحسب، بل تعزز دورها الريادي في العالم الإسلامي حين انتقلت إليها راية الخلافة الإسلامية عام 1517، بعد انتصار السلطان سليم الأول على المماليك في مصر. وهكذا، امتد تاريخ هذه الإمبراطورية العريق على مدار ما يزيد عن ستة قرون، منذ تأسيسها نحو عام 1299م حتى نهايتها الرسمية بإلغاء السلطنة عام 1922م، لتترك إرثًا حضاريًا وسياسيًا لا يزال يتردد صداه حتى اليوم.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.