تاريخ البهارات عند العرب وفي الحضارات المختلفة

من المعروف أن العرب يتاجرون بالتوابل منذ القدم، بحثت الأساطيل العربية في البحار البعيدة والجزر البعيدة عن أي شيء لا طعم له ولا رائحة، تم جلب حمولة القرنفل والفلفل والبخور والمسك وعطور العنبر إلى الهند والصين وسيلان وجاوا وأماكن أخرى في الأراضي البعيدة.

اقرأ ايضاً صيادو "أذن البحر": صانعو الثروات

الأساطيل حول شبة الجزيرة العربية 

كانت ترسو هذه السفن في موانئ بحر العرب، مثل عمان والبحرين، ثم في الخليج الفارسي لترك حمولتها الثمينة في البصرة، حيث تم نقلها بعد ذلك إما عن طريق أكلها على نهري دجلة والفرات، أو نقلها على الجمال.

هناك ممر مائي آخر للسفن للسفر حول شبه الجزيرة العربية، متصلًا بالبحر الأحمر عبر خليج عدن ثم من هناك إلى الإسكندرية، في الإسكندرية سلم الفرنجة إلى الفينيقيين هذه البضائع من البهارات والأعشاب ونقلوها إلى الدول الأوروبية، حيث تم بيعها بأسعار باهظة.

اقرأ ايضاً البهارات واستخداماتها في الحضارة الإسلامية وعلاقتها بالطقوس الجنائزية

العصور القديمة ومحاولات توسيع ثروات الأراضي

منذ العصور القديمة  حاولت الأيدي الأجنبية توسيع سيطرتها للوصول إلى ثروات الأراضي العربية، وساعد حب العرب للأساطير والحكايات على منع الغرباء من التدخل لعدة قرون، من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن صانعي العطور الأوائل والتجار القدامى اخترعوا حكايات مسلية للغاية لإخفاء المصدر الذي حصلوا منه على التوابل، لا يوجد دليل يشير إلى أن القرنفل، على سبيل المثال، تمت زراعته في الشرق الأوسط، لهذا كان من الضروري جلب هذه البهارات من الأماكن البعيدة التي تنتجها.

ومن بين الحكايات التي رواها تجارنا الأوائل، هناك حكايتان مهمتان تتعلقان بالقرفة (قرفة أو قرنفل قرفة، أو كما أطلق عليها العرب القدماء، وأحيانًا تسمى دار الصينية)، كلا النوعين يحملان اسم دار الصينية ومن المعروف أن كاسيا أو دون داروسي نشأتا من الصين، كما يوحي الاسم، وليس من جزيرة سيلان، وهي الموطن الأصلي للعلماء.

اقرأ ايضاً قصة أسطورة أتلانتس والعصور القديمة

المؤرخ اليوناني هيرودوت والروايتين

ولقد تلقينا هاتين الروايتين من خلال المؤرخ اليوناني هيرودوت (484-425 قبل الميلاد) الذي نقلهما من لسان العرب، وعن بديل العلماء قال: يغطّي جامعو هذا النوع من البهارات وجوههم وأجسادهم بجلد البقر وسائر الجلود، مع ترك فتحتين للعيون.

وثم يذهبون بحثًا عن الدروسي الذي ينبت في بحيرة ضحلة، وهذه البحيرة محاطة بالكامل ومليئة بعدد من الحيوانات المجنحة الشبيهة بالخفافيش التي تصدر صرخات مرعبة، وهذه الحيوانات شديدة الصرامة، ومن الضروري لهواة جمع هذا النوع من البهارات حماية عيونهم في جميع الأوقات من هذه المخلوقات.

اقرأ ايضاً العلماء العرب المهجور تاريخهم

حكايات العلماء عن القرفة

وأما حكاية جمع أعداد العلماء (القرفة) فهي أن هيرودوت نقلها من لغة العرب، لم يتمكنوا من معرفة من أين أتت، لقد ذكروا فقط أنها تأتي من البلدان التي نشأ فيها باخوس (إله النبيذ اليوناني)، نحن اليونانيون نسميها الحركية.

وهذه الطيور التي تدرس تحمل عاليًا في الهواء لبناء أعشاشها، تم تثبيت الأعشاش بشيء مثل الطين على وجوه الصخور حيث لا يمكن للقدم البشرية أن تتسلق، قطع العرب جميع الثيران والبغال وحيوانات الجر التي تموت على أرضهم إلى قطع كبيرة، ثم يأخذون هذه القطع معهم إلى هذه المناطق ويضعونها بالقرب من هذه الأعشاش.

وثم يختبئون من بعيد عند هذا، تأتي هذه الطيور الكبيرة إلى القاع وتحمل قطع اللحم، أي أعشاشها عالية، ولأن هذه الأعشاش غير قادرة على تحمل الوزن، فإنها تنكسر وتسقط على الأرض، ومن هناك يعود العرب ويجمع العلماء الذين ينتقلون بعد ذلك من الدول العربية إلى بلاد أخرى.

شكوك المؤرخين في قصص ألف ليلة ولية

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الحكايات، وخاصة حكايات العلماء، تشبه إلى حد بعيد إحدى حكايات سندباد البحار في قصص ألف ليلة وليلة. 

وعلى الرغم من أن بعض المؤرخين في ذلك الوقت، مثل (Thepharastes)، الذي تم العثور عليه بعد مئة عام من هيرودوت، شككوا في بعض هذه القصص، إلا أنه لم يكن قادرًا على معرفة المصدر الدقيق للتوابل.

حتى عندما جاء الجغرافي اليوناني سترابو بعد ثلاثمئة عام ثيوفراستوس، على الرغم من شكوكه، لم يتمكن من معرفة مكان العلماء بالضبط، ولكن عندما ظهر بليني الأكبر، المؤرخ الروماني، في 23 قبل الميلاد، السيد كان يعلم حقيقة أن توابل مثل الدرسن والقرنفل والزنجبيل لا تنمو في شبه الجزيرة العربية، لكنه في الوقت نفسه لم يكن يعرف مصدرها بالضبط وكان يعتقد أنها أتت من الحبشة (أثيوبيا).

ولنعد الآن إلى شعوب بلاد ما بين النهرين القديمة، عاش السومريون قبل حوالي أربعة آلاف سنة في أخوة وازدهار، كانت منازلهم من طابقين، تحتوي على ثلاث أو أربع عشرة غرفة.

أما حقول الشعير والحنطة فامتدت حولها على مد البصر، لا يخلو من وصف جمال هذه المنطقة من قبل أحد المؤرخين المعاصرين، وهو "... ما كان يسمى بالهلال الخصيب يتألف من عدد من الحضارات، جنبًا إلى جنب، مثل عقد من الأضواء يشع الضوء... إلى أن تنير ظلام الإنسان من حولهم، وهنا يكمن مركز الحضارات".

بم اهتم سكان بلاد ما بين النهرين؟

ومنذ فجر التاريخ، اهتم سكان بلاد ما بين النهرين بالعطور والرائحة والطعام اللذيذ بعد نكهته بأفضل التوابل المتاحة، من المعروف أن أسواق بابل كانت مليئة بالبهارات التي تم بيعها وشراؤها بكميات كبيرة مما يدل بالطبع على أهمية البهارات في بابل وتعتبرها من المنتجات المهمة في اقتصاد هذه المدينة العتيقة.

وعلى الرغم من وجود أدلة أخرى، فإن توافر التوابل في بلاد ما بين النهرين منذ ذلك الوقت يعتبر دليلًا على وجود علاقات تجارية بين بابل والدول البعيدة الأخرى التي أنتجتها. 

وأولى السومريون والبابليون والآشوريون اهتمامًا كبيرًا بالنباتات والأعشاب، وخاصةً العطرية منها، الموجودة على لوح طيني من سومر عام 2200 قبل الميلاد قائمة بآلاف أسماء النباتات، أما بالنسبة للآشوريين، فإن موسوعتهم للنباتات والأعشاب مليئة بالمعلومات والتفاصيل.

حيث أن بعض الألواح من مكتبة الملك آشور بانيبال 668-626 قبل الميلاد أظهرت معرفة واسعة بخصائص الأعشاب واستخداماتها الطبية، وذكر في هذه الموسوعة 250 نوعًا من النباتات المستخدمة في الطب و120 نوعًا من الأدوية ذات الأصل الملحي أو المعدني، وهناك عشرات الأسماء تنتظر أن يتم تحديدها في مصطلحات عصرنا.

تعتبر حدائق بابل المعلقة من عجائب الدنيا

وأما حدائق بابل المعلقة، والتي تعتبر من عجائب الدنيا، فمن الممكن أنها تعكس صورة ملونة لأزهار مختلفة، ولكن بالإضافة إلى ذلك، تم الاهتمام بالبساتين وحدائق الأعشاب بعناية خاصة من جانب الطبقة الحاكمة لأهميتها الاقتصادية.

كان من بين الملوك الذين اهتموا بشكل خاص بالأعشاب الملك مردوخ بالادين ملك بابل 721-710 قبل الميلاد، 703-702 ق.م الذي زرع في حدائقه الهيل والكزبرة والشبت والثوم والبصل والزعتر والزعفران، وكذلك الملك سنحاريب ابن الملك سرجون الثاني وكان له العديد من البساتين والحدائق المليئة بالعديد من الأعشاب العطرية من أجل خدمة رعاياه، تم استخدام النباتات العطرية في الطقوس الدينية وفي التعاويذ عن طريق حرق النباتات العطرية لتنقية الهواء وعلاج الأمراض، ومن بين هذه التعاويذ يتم حرق أزهار السمسم أو النعناع أو الدراسي، وفي أوقات أخرى تم تقديم شراب السمسم والعطور والزيوت المعطرة إلى الإله من أجل الحصول على الطهارة والمغفرة.

لا تزال النباتات المستخدمة حتي اليوم تحتفظ بأسمائها

ومن المؤكد أن العديد من النباتات المستخدمة اليوم في العالم لا تزال تحتفظ بأسمائها التي تأتي مباشرة من اللغة السومرية، في حين أن بعض الخبراء لا يترددون في سرد ​​أسمائهم، والبعض الآخر يحتفظ بها خوفًا من اللبس، بعض هذه النباتات هي الزعفران والتوت والمشمش والسمسم والكمون والكركم واللوز، يمكن للمرء أن يلاحظ بوضوح، على سبيل المثال، أن الزعفران موجود في الغرب، والزعفران، والسمسم، أما اسم الكرز فهو يأتي إلينا من الاسم الأكادي كارشو، وقد نجا ودخل لغات أجنبية مثل كيراسوس وكيرش الألمانية.

وبالمناسبة يذكر هنا الملك الآشوري ساركودين الثاني 722-705 ق.م كان يحب أزهار الكرز الكبيرة، وكما استخدم البابليون الشحوم والزيوت العطرية لدهن أجسامهم وتعطيرها، واستخدم السمسم لهذا الغرض، واليوم ثبت أن زيت السمسم له خصائص رائعة في تنعيم البشرة، وذلك لغناه بالفيتامينات والمعادن.

وتجدر الإشارة إلى أن بعض القبائل الصحراوية في الربع الخالي لا تزال تستخدم الزيت العطري الأصفر المصنوع من السمسم والزعفران والورس حتى يومنا هذا، ويقدم هذا الزيت مع وعاء صغير للضيف بعد الوجبة وقبل مغادرته خيمة المضيف، وكذلك الحال بالنسبة لليدين وشعر اللحية.

هل البابليون كانوا يستخدمون الزيت لفرك أجسامهم؟

ونحن بدورنا نتساءل عما إذا كان هذا الزيت أو شيء مشابه يستخدمه البابليون لفرك أجسادهم؟ من الضروري أن نذكر هنا أن السمسم الموجود في بلاد ما بين النهرين قد تم العثور عليه في هذه الأراضي الجيدة منذ العصور القديمة، جاء ذكر السمسم في الميثولوجيا الآشورية (على أقراص في المتحف البريطاني) كقصة عن تكوين العالم.

وعلى مر العصور، واصل العرب شغفهم بالعطور والتوابل، وتحملوا مصاعب السفر ومخاطره، وحملوا قوافلهم فوق الصحاري المقفرة والأراضي البعيدة بحثًا عن كل الأحجار الكريمة، واللبان المعطر، والبخور وغيرها من السلع القيمة.

ومن المعروف أن العرب كانوا المتخصصين في صنع ومزج أرقى عطور العالم المتحضر، واستمروا في ذلك حتى القرن الخامس عشر الميلادي.

وأما التجارة العربية في البهارات ونقلها من أماكن نموها في الهند والصين وسيلان وجزر بحر جاوة، وإحضارها إلى تجار البندقية في موانئ الإسكندرية أو القسطنطينية، فقد استمرت حتى القرن السادس عشر.

اقرأ ايضاً خرافات حول العالم

محاولات البرتغاليون في كسر السيطرة

وفي هذه الأثناء كان البرتغاليون يحاولون كسر هذه السيطرة من خلال إيجاد مجاري مائية مؤدية إلى جزر التوابل، تمكن البرتغاليون بعد عدة محاولات في عام 1498م بتوجيه من الرحالة فاسكو دي كاما، من السفر جنوبًا باتجاه القارة الأفريقية وحول صخرة الرجاء الصالح والوصول إلى سواحل الهند (مع ملاحظة أن الفينيقيين كانوا قادرين على السفر حول القارة الأفريقية قبل 2000 سنة من البرتغاليين).

وتعتبر هذه المرة بداية عصر القرصنة والمسابقات بين الدول الغربية ليكون لها اليد الأولى في تجارة التوابل، أثارت رحلات كريستوفر كولومبوس التي قام بها نيابة عن إسبانيا الرغبة في اكتشاف طرق سهلة وسريعة للتوابل في الشرق، اعتقد كولومبوس أن البرتغاليين وجدوا الطريق الأطول والأكثر صعوبة عند قدميها.

كان يعتقد أن جزر الهند الغربية على شواطئ البر الرئيسي الأمريكي قد وصلت إلى اليابان والصين، وتوفي كولومبوس في عام 1506 بعد الميلاد حزينًا بعد قيامه بأربع رحلات في محاولة لاكتشاف جزر التوابل، على الرغم من عدم منح رغبته إلا أن اسمه خُلد في القارة الأمريكية، شكلت محاولات كريستوفر كولومبوس بداية المستعمرات الإسبانية في أمريكا الجنوبية.

ارتفاع أسعار التوابل في أوروبا

وأدى ارتفاع أسعار التوابل في أوروبا إلى صراع عنيف بين الهولنديين والبريطانيين، حيث اشتدت المنافسة بينهما على النفوذ على جزر التوابل في الشرق، وفي عام 1600م منحت الملكة إليزابيث الأولى شركة الهند الشرقية الإنجليزية امتيازًا مجانيًا في التجارة والإعفاء من الضرائب، في القرن الثاني عشر، غزا البريطانيون سواحل مالابار الهندية من الهولنديين، الذين كانوا تحت سيطرتهم بحلول نهاية القرن السابع عشر. في القرن التاسع عشر تمكنت الشركة المذكورة أعلاه من تعزيز سيطرتها على جزيرة سيلان، حيث كانت تعتبر مستعمرة بريطانية في عام 1802م.

وفي عام 1874م، تفككت هذه الشركة بعد 274 عامًا من بناء الإمبراطورية التي بدأت أثناء البحث عن التوابل العطرية في عهد الملكة إليزابيث الأولى. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة