تاريخ الأرقام من الشعوب اللاعددية إلى الصفر والخوارزمي.. قصة تطور الأعداد

هل تخيلت يومًا عالمًا بلا أرقام؟ كيف بدأ الإنسان العدّ قبل اختراع الرموز؟ إن تاريخ الأرقام ليس سردًا رياضيًّا جافًّا، بل هو قصة تطور العقل البشري نفسه في محاولته لفهم الكون.

في هذا المقال، نغوص في رحلة مثيرة لاستكشاف نشأة الأرقام وتطور الأعداد عبر الحضارات، بدءًا من الشعوب اللا عددية التي لا تعرف الحساب، مرورًا بعبقرية اختراع الصفر الذي قلب الموازين، وصولًا إلى إسهامات الخوارزمي والأرقام العربية التي شكلت عالمنا الرقمي اليوم. استعد لرحلة مدهشة تكشف لك كيف تحولت الكميات إلى لغة تحكم العالم.

قصَّة الأعداد هي قصَّة حضارة وقصَّة إنسان في تطوُّره عبر التاريخ؛ ذلك أنَّ الإنسان عندما واجه محيطه وعالمه احتاج إلى تسمية أشيائه وعدِّها، فأطلق الأسماء على الأشياء، وعبَّر عن الكميَّة بالكلمات من قبيل «كثير» و«عالي» و«طويل» و«أصغر» و«أكبر». وقد يُردف هذه الكلمات ببعض الإشارات أو الإيماءات مثل قوله «بحجم كذا» أو «بعدد النجوم» وهذه كانت نشأة الأرقام الأولى.

فالأعداد ابتكار بشري واختراع معرفي ونظام علامي دشَّن وعي الإنسان بالكمِّ. فالكميَّات الموجودة في الطبيعة حوَّلها الإنسان عبر تجريد ذهني إلى مفاهيم ورموز عقلية سمَّاها أرقامًا وأعدادًا. فالعدد هو الذي أكسب العقل الدقَّة وجعله يقطع مع وعيه التقريبي التقديري.

1- الشعوب اللا عدديَّة

تُشير كثير من الدراسات الأنثروبولوجية مثل دراسات بيير بيكا إلى أنَّ بعض الشعوب «البدائية» في البيرو بأمريكا الجنوبية، وبعض القبائل في غابات الأمازون مثل قبيلتي «البيراها» أو «الموندوروكو»، وبعض المجتمعات المحلية المغلقة في أدغال إفريقيا، وحتَّى بعض قبائل الإسكيمو هي «شعوب لا عدديَّة»؛ لأنَّها تستخدم أنظمة عددية أقلَّ فاعلية ومحدودة، أو لأنَّها لا تمتلك في ثقافتها ولغتها تصوُّرًا كميًّا واضحًا، فبعض هذه «الشعوب» يطلقون على الكميَّة التي تفوق عشرة (10) مثلًا عبارة «كثير»، وبعضها الآخر ليس لديهم ألفاظ تعبِّر عن الكميَّات والأعداد المختلفة.

2- الطبيعة المعلِّم الأوَّل

يبدو أنَّ الطبيعة هي التي علَّمت الإنسان الحساب والعدَّ من خلال دورتها القمرية أو الشمسية الاثني عشرية، أو من خلال اختلاف الليل والنهار وتعاقب الفصول، كما في قوله تعالى في سورة يونس آية 5 «هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ..». بل إنَّ بعض الأعداد موجود أصلًا في الطبيعة مثل الأربعة (4) في الفصول، وفي أرجل الحيوان، والثمانية (8) في أرجل بعض الحشرات.

وتدلِّل الحفريات وعلوم الآثار على أنَّ الإنسان لاحظ كلَّ ذلك، وبدأ وعيه الكمِّي في التشكُّل وهو يجوب الفيافي والأدغال في مرحلة الصيد، وعندما انتقل إلى الزراعة والاستقرار، فإنَّه دشَّن أولى حضاراته في مصر القديمة وبلاد الرافدين حول الأنهار، واحتاج مع تطوُّر نشاطه الزراعي إلى معرفة أنظمة العد والحساب والكتابة.

3- أنظمة الترقيم والعدِّ والحساب

كيف تطورت الأعداد عبر التاريخ؟ للإجابة يجب النظر في الأنظمة المختلفة التي ابتكرتها الشعوب:

الدستة والنظام الاثنا عشري

ما زالت لغتنا ولهجاتنا تحتفظ بإشارة معبِّرة إلى تاريخ نظام الترقيم الاثني عشري الذي يتمركز حول العدد (12) المستوحى من دورة القمر والشمس في الطبيعة، والتي تتكوَّن من 12 شهرًا أي 12 دورة. وهو النظام نفسه الذي نطبِّقه على ساعات النهار والليل. ونعبِّر عنه في اصطلاحنا اليومي بعبارات مثل «الدَسْتة» و«الدزينة» (وفي بعض اللهجات العربية تنطق بالطاء: طزينة) ونُشير بها إلى مجموعة من اثني عشر (12) شيئًا.

اليدان والنظام العشري

متى ظهر النظام العشري وكيف انتشر؟ النظام العشري هو نظام عدٍّ متعارف عند أغلب الشعوب القديمة، وهو المعتمد اليوم في أغلب أنظمة العدِّ في العالم، ويعتمد على عدد أصابع اليدين. فالملاحظ أنَّ أسماء الأعداد تتغيَّر حتَّى تصل إلى عشرة، فنضيف رقمًا إلى العشرة لنواصل العدَّ كقولنا في العربية مثلًا «أحد عشر، اثنا عشر... تسعة عشر».

نظام الترقيم العشريني

بينما اعتمدت شعوب أخرى على أصابع اليدين والرجلين لتبتكر نظام حساب عشرينيًا، وهو نظام اتَّبعته القبائل «السلتيَّة» وهي قبائل متنوعة محاربة استوطنت أنحاء من أوروبا وانتشرت في أرجاء واسعة منها. وتعود أقدم آثارهم إلى نحو 700 ق.م، ولعلَّه لهذا السبب نجد بقايا هذا النظام الذي يتمركز حول العدد (20) في بعض اللغات الأوروبية اليوم، مثل الفرنسية التي تسمِّي العدد ثمانين (80) بـ «أربع عشرينات»، وتطلق على العدد تسعين (90) «أربع عشرينات وعشرة».

4- من العدِّ إلى الكتابة: الأعداد عند الحضارات القديمة

تاريخ أنظمة الترقيم من المسمارية حتى الرقمية مرَّ بمحطات رئيسة:

اختارت بعض الحضارات القديمة نظام ترميز خاصٍّ بها لكتابة الأعداد وتدقيق الحساب.

  • الأعداد في الحضارة المصرية: وتعدُّ «بردية أحمس» أو بردية رايند الفرعونية أقدم وثيقة مكتوبة تحتوي على حسابات ومعادلات دقيقة ونظام ترميز واضح؛ نظرًا لتطوُّر الحضارة الفرعونية في مجالات الزراعة والتجارة والمعمار. وتمثِّل هذه البردية خليطًا من رموز وخطوط وأشكال تعبِّر عن الأعداد والعمليات الحسابية.
  • الأعداد في الحضارة البابلية: اعتمدت الحضارة البابلية فيما بين النهرين في العراق على رمز المسمار الأفقي والعمودي وتكراره للدلالة على الأرقام والمجاميع (الخط المسماري).
  • الأعداد في الحضارة اليونانية والرومانية: ارتكزت الأعداد الرومانية على الحروف في ترجمة الأعداد وفق نظام عشري. فمثلًا الرقم (5) يرمز إليه بحرف (V)، والرقم (10) بحرف (X)، وخمسون (50) بحرف (L).

5- اكتشاف المنزلة وتطوُّر نظام العدِّ والترقيم

كيف أثرت الحضارات القديمة في تطور الرياضيات؟ الجواب يكمن في فضل الهنود والعرب المسلمين في تطوير أنظمة الترقيم، بتجريدها وكتابتها المتداولة اليوم في كلِّ دول العالم بصيغته هذه (٠، ١، ٢، ٣، ٤، ٥..) التي يسميها البعض هندية والبعض عربية شرقية، أو بصيغته الغربية أو العربية المغربية (0-1-2-3-4...). وهو النظام الذي دعا عالم الرياضيات العربي الخوارزمي إلى اعتماده وتعميمه منذ القرن 9 م لينتشر بعدها في كامل أوروبا بداية من القرن 13 م على يد «فيبوناتشي- Leonardo Fibonacci».

الأرقام العربية بنظام الزوايا

أصل الأرقام من 0 إلى 9 ولماذا رُسمت هكذا؟ (نظرية الزوايا)

الطريف أنَّ الخوارزمي اعتمد عدد الزوايا في رسم الأرقام من (0) إلى (9). فالصفر لا زوايا فيه؛ لذلك يرسم في شكل دائرة صغيرة، والواحد بزاوية واحدة، واثنان الذي يرسم شبيهًا بحرف «Z» بزاويتين، وهكذا دواليك. وهو تفسير أصل الأرقام العربية.

ما الفرق بين الأرقام العربية والهندية؟

  • الأرقام الغبارية (العربية): هي المستخدمة في الغرب والمغرب العربي (1, 2, 3) وتعود في أصلها لتطوير العلماء المسلمين في الأندلس والمغرب.
  • الأرقام المشرقية (الهندية): هي المستخدمة في المشرق العربي (١، ٢، ٣) وتعود لأصول هندية طورتها الحضارة الإسلامية.

الرقم عشرة في الحضارات القديمة

الصفر وتطور الرياضيات

لعلَّ أهمَّ ما أسهم في تطوير أنظمة الحساب هو دخول الصفر إلى نظام الترقيم، والثورة التي أحدثها، والاختصارات التي نتجت عنه. فالصفر لم يعد دليلًا على انعدام القيمة، بل أصبح رقمًا ذا قيمة، فهو الحدُّ الفاصل بين الأعداد الموجبة والأعداد السالبة، وهو الذي ساعد على تحديد المنزلة التي تعني موقع الرقم ليتنامى العدُّ إلى ما لا نهاية، وينفتح الحساب على عمليات معقَّدة تستجيب لحاجات الإنسان المتزايدة وتطوُّر حضارته.

عصر التكنولوجيا والرقمنة

أمَّا اليوم في عصر التكنولوجيا والرقمنة، فيمكن القول إنَّ الأرقام تحاصرنا، وحياتنا عبارة عن «متتابعات ومتواليات حسابية» و«خوارزميات» وسلاسل من الأعداد. فنحن في حساب الشركات مجرَّد أرقام لمستهلكين حقيقيين أو افتراضيِّين، ونحن في أنظمة التأمين مجرَّد أرقام تختزل هويَّات، ونحن في تعداد السكان ملايين من البشر، وفواتيرنا أرقام، وكذلك هي جداول العمل ومعاملاتنا التجارية والمالية.

لقد حوَّلتنا الأرقام إلى مجرَّد بيانات مخزَّنة هنا وهناك في «مصفوفة» ضخمة لا تذكِّر إلا بفيلم الخيال العلمي الشهير«الماتريكس- The Matrix»، فالأرقام قادرة على أن تجعلنا نعيش في واقع غير حقيقي افتراضي وهمي، وغدًا يمكنها أن تتحكَّم فينا أكثر وأكثر.

في الختام، ندرك أن تطور الأعداد لم يكن مجرد وسيلة للحساب التجاري، بل كان المحرك الأساسي لبناء الحضارة الإنسانية الحديثة. من العد البدائي في الكهوف إلى اختراع الصفر الذي غيّر مجرى العلوم، تظل الأرقام العربية والهندية شاهدة على تلاقح الحضارات والإرث العلمي العظيم.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة