تاريخ الإعراب في اللغة العربية ولماذا أعربت العرب كلامها؟

يُعد الإعراب في اللغة العربية من أبرز خصائصها وأكثرها إثارة للجدل الفكري، فظاهرة تغيير أواخر الكلمات (الضمة، الفتحة، الكسرة) ليست علامات شكلية فحسب، بل هي مفتاح لفهم بنية الجملة ودلالاتها العميقة. لكن السؤال الذي شغل النحاة العرب منذ القدم ولا يزال يطرح نفسه: لماذا يوجد إعراب في اللغة العربية؟ هل هو ضرورة للمعنى أم حلية للصوت؟

في هذا المقال، نخوض رحلة في تاريخ الإعراب، ونستكشف جذوره في اللغات السامية القديمة، ونعرض الجدل الفلسفي الكبير الذي دار حول وظيفته.

المشكلة اللغوية

الاهتمام باللغة أمر تستدعيه ضرورة قائمة، ذلك أن المشكلة اللغوية من المشكلات شديدة الخطر، ومن أجل ذلك نشطت المجامع العلمية في الأقطار العربية في العمل على حل هذه المشكلة القائمة، وتبرز المشكلة في أن العرب في يومنا هذا لا يتكلمون بالفصيح من العربية، فالعامي الدارج هو المستعمل، وأمر العامي مشكلة من المشكلات أيضًا، فتوجد لهجات مختلفة باختلاف البلاد، ثم إن البلد الواحد مشتمل على لهجات وطرائق في التعبير مختلفة أيضًا.

ومسألة تقريب العامية من الفصيحة أمر يتعلق بالزمن الطويل، فليس من الممكن تنفيذ مشروع أو بحث للوصول إلى هذا الهدف المحفوف الخطير، ونحن نقول إنها مسألة متعلقة الزمن، لعلمنا أن خير الوسائل الكفيلة بتحقيق هذا هو نشر العلم والثقافة بين أبناء البلد الواحد، فيتيسر لأبناء البلد جميعهم قسطًا من العلم والمعرفة، ومن شأن هذا أن يعمل على رفع مستوى اللغة المستعملة التي تقترب من الفصيحة.

ونستطيع أن ندلل على قربها من الفصيحة إذا نظرنا إلى اللغة التي يستعملها المثقفون اليوم في محادثاتهم وفي استعمالاتهم اليومية، فهي لغة في مجموعها تكاد تخلو من اللفظ العامي الدخيل، فمجموعة ألفاظها على العموم فصيحة، ويبدو قربها من الفصيح إذا وازنا بين هذه اللغة التي يستعملها المثقف -وهو من أسرة جاهلة- واللغة التي يستعملها سائر أفراد أسرته التي توغل في العامية الدارجة.

ولا بد أن نعرض لهذه اللغة القريبة من الفصيحة بالبحث، التي نحن سائرون إليها في مستقبلنا القريب أو البعيد؛ لنحدد صفاتها وميزاتها التي تتميز بها، ثم نخلص من ذلك إلى البحث التاريخي لتقرير مرحلة من مراحل تاريخ العربية الطويل، فالتاريخ اللغوي من الأمور الغامضة، ذلك أن الباحث لا يهتدي إلى المراحل التطورية في هذا التاريخ الطويل، وربما انقطعت عنه حلقات طويلة وضاع أثرها، وبهذا فليس من الممكن رسم تاريخ محكم الحلقات لهذه اللغة، فلقد ضاع من أصولها شيء كثير، ومن أجل هذا فهي بدع في اللغات الحية المتطورة على قوتها وأصالتها وحيويتها وقابليتها في مسايرة الزمن وتطوره.

ونحن نفترض أن تكون هذه اللغة القريبة من الفصيحة التي تكاد تخلو من أي لفظ دخيل عامي متخففةً من قيود الإعراب، فالكلمات فيها ساكنة الأواخر، ولعل هذه المرحلة مهمة في العودة إلى الفصيح المعرب كما هي الحال في اللغة المكتوبة، التي ورثناها في التراث العربي، كما في لغة القرآن الكريم.

هل الإعراب خاص بالعربية؟ جولة في اللغات السامية القديمة

لا بد أن نعرض للإعراب عرضًا تاريخيًا، فنقول: لقد احتفظت اللغة العربية الفصيحة بظاهرة الإعراب، وهي من صفات العربية الموغلة في القدم، في حين أن سائر اللغات السامية -عدا الأكادية- قد فقدت الإعراب من أقدم العصور، وقد دل على هذا الإعراب بقايا نجدها في العبرية والحبشية.

في اللغة الأكادية

أما اللغة الأكادية فقد عرفت الحركات الثلاث بالبابلية في النصوص القديمة، ثم تطورت هذه الحركات الثلاث، وانتهت إلى حركتين هما الضمة للرفع والفتحة للنصب والجر، ولم تلبث هذه المرحلة طويلًا حتى تطورت إلى مرحلة الحركة الواحدة وهي الكسرة الممالة.

اللغة الأكادية

في اللغة النبطية

ولعل علاقة اللغة النبطية بالعربية وقربها منها أوجد الإعراب من النبطية كما تؤيد ذلك النقوش التي عثر عليها، وقد ذهب (Noldke) المستشرق الألماني إلى أن الأنباط كانوا يستعملون الضمة في حالة الرفع، والفتحة في حالة النصب والكسرة في حالة الجر، ولا يعقبون هذه الحركات بالنون، وعدم وضع النون بعد الحركات يشبه ما هو شائع في قسم من لهجات العربية الدارجة، ومن ذلك ما هو مستعمل في لهجة أهل الموصل في العراق، وفي غير الموصل كما في الأقطار العربية الأخرى.

في اللغة العبرية

يرى المستشرق (E. Littmann) أن أواخر الكلمات في اللهجة النبطية قد يحدث فيها تغيير حسب مواضعها في الإعراب، وللإعراب أثر في اللغة العبرانية يتبينه الباحثون في حالتي المفعول به وفي ضمير التبعية، على أن هذا الأثر ضئيل جدًّا.

اللغة العبرية

فقد أوشكت تخلو لغة العهد القديم من الإعراب، غير أن علامة النصب في العبرية القديمة هي الفتحة الطويلة التي نشأ عنها حرف الهاء، والهاء المتطرفة في هذه اللغة تشبه الألف اللينة، ومن أجل ذلك تعامل معاملة أحرف المد، وتظهر هذه في آخر الاسم المنصوب بنزع الخافض، كما في آخر الظرف المنصوب (ليلًا) وتعني (ليل)، و(عتا) وتعني (حين)، وكما تلحق هذه العلامة الظروف، فإنها تلحق المصدر، فينصب كما هو في المفعول المطلق في العربية، لكنها في هذه الحالة تكون متلوة بميم زائدة (للتتميم) الذي يقابل التنوين في العربية، مثال ذلك (يومام)، وتعني (يومًا)، و(حنّام)، وتعني (مجانًا)، والمتتبع لشوارد النصوص في اللغة العبرية ربما وجد آثارًا تشير إلى شيء يشبه الضمة والكسرة، ولعلهما بقايا لضمة وكسرة كانتا مستعملتين في العبرية القديمة.

الجدل الفلسفي الكبير: لماذا أعربت العرب كلامها؟

يعلل المحدثون -وجلهم من المستشرقين- ظاهرة الإعراب في العربية وفي سائر اللغات السامية بخلو هذه اللغات من إدغام للكلمات؛ أي وصل كلمة بكلمة لتتكون من الكلمتين كلمة واحدة لها معنى مركب منهما كما في اللغات الآرية، وليس من حجة علمية تاريخية تثبت صحة هذه الدعوى.

والذي ثبت في التحقيق العلمي أن في العربية تراكيب كثيرة، وأنها استفادت من التركيب لتكثير المعاني والمباني، وقد اعتمد البناء في العربية على التركيب بصوره المختلفة، وكان مذهب الخليل بن أحمد الفراهيدي أن الكلمتين إذا ركبتا ولكل منهما معنى وحكم أصبح لهما بالتركيب حكمًا جديدًا، وتبع الخليل في مقالته جمهور الكوفيين ومنهم الكسائي والفراء، ومن أجل ذلك فليس عدم التركيب علة في الإعراب، وذلك لوجود التركيب والإعراب في العربية في الوقت نفسه.

الخليل بن أحمد الفراهيدي

ويختلف الرأي في دلالة الحركات على المعاني الإعرابية بين القدماء والمحدثين في اللغة العربية، وأول من أشار إلى هذه المشكلة من القدامى الخليل بن أحمد، ذكر سيبويه أن الخليل قال: «إن الفتحة والكسرة والضمة زوائد، وهن يلحقن الحروف ليوصل إلى التكلم به، والبناء هو الساكن لا زيادة فيه».

ولعل الجدل في دلالة هذه الحركات على المعاني الإعرابية وعدم دلالتها على ذلك دار بين تلاميذ سيبويه والكسائي، فذهب جمهورهم مذهب الأول، وذهب آخرون مذهب الثاني.

مقارنة بين وجهتي النظر

المدرسة الفكرية الرأي الأول: الحركات للمعنى (مدرسة الزجاجي) الرأي الثاني: الحركات للصوت (مدرسة قطرب)
الوظيفة الأساسية للإعراب التمييز بين الوظائف النحوية (فاعل، مفعول به) تسهيل النطق وربط الكلمات ببعضها صوتيًا
طبيعة الحركة جزء لا يتجزأ من المعنى علامة صوتية لتجنب التقاء السواكن وتسهيل الوصل
الهدف وضوح المعنى وتجنب اللبس سلاسة النطق وجمال الإيقاع الصوتي

الرأي الأول: الحركات للمعنى (مدرسة الزجاجي)

يمثل رأي الذاهبين إلى أن الحركات دوال على معانٍ إعرابية أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي، فقد نقل السيوطي في الأشباه والنظائر قوله: «إن الأسماء لما كانت تعتورها المعاني وتكون فاعلة ومفعولة ومضافة ولم يكن في صورها وأبنيتها أدلة على هذه المعاني، جُعلت حركات الإعراب فيها تُنبئ عن هذه المعاني، وتدل عليها ليتسع لهم في اللغة ما يريدون من تقديم وتأخير عند الحاجة».

الرأي الثاني: الحركات للصوت (مدرسة قطرب)

يمثل رأي الطائفة الأخرى قطرب أبو علي محمد بن المستنير، وهو تلميذ سيبويه، قال قطرب: إنما أعربت العرب كلامها؛ لأن الاسم في حال يلزمه السكون للوقف، فلو جعلوا وصله بالسكون وأمكنهم التحريك، جعلوا التحريك معاقبًا للإسكان؛ ليتبدل الكلام، ألا تراهم بنوا كلامهم على متحرك وساكن، ولم يجمعوا بين ساكنين في حشو الكلمة، ولا في حشو بيت ولا بين أحرف متحركة؛ لأن في اجتماع الساكنين يبطئون في كثرة الحروف المتحركة، ويستعجلون، وتذهب الصلة في كلامهم، فجعلوا الحركة عقب الإسكان. 

في النهاية، يظل الجدل حول وظيفة حركات الإعراب شاهدًا على عمق وعبقرية فلسفة النحو العربي. سواء كانت الحركات للمعنى أم للصوت، فإن ظاهرة الإعراب منحت اللغة العربية مرونة فائقة وقدرة استثنائية على التعبير الدقيق. إن دراسة تاريخ الإعراب لا تكشف لنا عن تطور اللغة فحسب، بل تكشف أيضًا عن عقول النحاة العرب الأوائل الذين لم يكتفوا بالوصف، بل غاصوا في أعماق فلسفة اللغة وبنيتها المنطقية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة