لم تظهر اختبارات الذكاء التي نعرفها اليوم بمحض الصدفة، بل كانت تتويجًا لمرحلة تمهيدية طويلة شهدت تحولات فكرية ومنهجية جذرية في فهم العقل البشري وقدراته. ففي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، تضافرت عوامل عدة لتمهد الطريق أمام محاولات قياس الذكاء بأسلوب علمي، من بينها بزوغ نجم علم النفس علمًا مستقلًا، وتطور علم القياس النفسي، وظهور فروع جديدة كعلم النفس التفاضلي.
يستكشف هذا المقال هذه المرحلة التأسيسية، مسلطًا الضوء على الإسهامات المحورية لشخصيتين بارزتين هما فيلهلم فونت، مؤسس أول مختبر لعلم النفس التجريبي، وفرانسيس غالتون، رائد القياسات النفسية ودراسة الفروق الفردية، وسنتتبع كيف مهدت بحوثهما وتجاربهما، على الرغم من قصور بعضها، الطريق أمام الأجيال اللاحقة من العلماء لتطوير أدوات أكثر دقة وموضوعية لقياس القدرات العقلية.
قدمت في الجزء الأول من هذه السلسلة من المقالات تعريف روائز الذكاء لغة واصطلاحًا، وبينت سبب ترجيحي استعمال كلمة رائز على كلمة اختبار، وتتبعت بوادر ظهور روائز الذكاء وإرهاصاتها في تاريخ الحضارة الصينية القديمة وفي الحضارة العربية من كتابي ابن الجوزي عن الأذكياء والحمقى وفي الحضارة الغربية في أثناء القرنين الثامن عشر والتاسع عشر للميلاد.
العوامل الممهدة لابتكار روائز الذكاء في العصر الحديث
في العصر الحديث توافرت عدة عوامل لابتكار روائز الذكاء منها ظهور علم القيس النفسي psychometry واتجاه العلوم الإنسانية إلى القيس على غرار العلوم الصحيحة والتجريبية وظهور علم النفس التفاضلي Differential psychology واليبداغوجيا الفارقية Differentiated pedagogy وبروز علم النفس علمًا مستقلًا بذاته وعلم النفس التجريبي خاصة.
1. دور فيلهلم فونت مؤسس علم النفس التجريبي وتأثيره غير المباشر
يعد فيلهلم ماكسيميليان فونت Wilhelm Maximilian Wundt 1920-1832 عالم النفس الألماني من الذين كان لهم تأثير كبير في ظهور روائز الذكاء، فهو منشئ علم النفس التجريبي بداية من سنة 1862، ومؤسس أول مختبر لهذا العلم في العالم سنة 1879 في جامعة لايبزيغ، واستعان بالإحصاء في بحوثه النفسية، ولم يهتم مباشرة بالذكاء ولا بروائزه، لكن إسهاماته في العلم النفس التجريبي كان لها أثر كبير في هذا المجال؛ فالتجريب والقيس الموضوعي في هذا العلم الجديد علم النفس كان المنطلق الأساس لإنشاء روائز الذكاء والتحقق من صحتها في هذه المرحلة الممهدة ثم فيما بعد.

وكان له تلاميذ كثيرون من بينهم جايمس ماكين كاتل وشارل إدوارد سبيرمان وتأثر به ألفرد بينيه، وكان لهم إسهامات كبيرة في دراسة الذكاء وروائزه، ونخصهم في قادم المقالات بما يستحقونه من اهتمام.
2. دور فرانسيس غالتون رائد القياس النفسي والعبقرية الوراثية
فرانسيس غالتون Francis Galton 1911-1822 العالم الموسوعي البريطاني -وابن عم تشارلز روبرت داروين Charles Robert Darwin 1809- 1882 صاحب نظرية التطور- اهتم بالاختلافات البشرية ووضع أسس علم النفس التفاضلي وعلم القياسات النفسية، فقد كان مقتنعًا بأن الخصائص الجسدية والنفسية قابلة للقيس، واهتم بالإحصاء واخترع جملة من الأدوات الإحصائية منها الارتباط Correlation، وهو دراسة قوة العلاقة بين متغيرين إحصائيين أو أكثر، والانحدار إلى المتوسط regression toward the mean ، وهو أخذ البيانات عدة مرات للحدث نفسه، ما يؤدي إلى أن تصبح النتائج متوسطة أكثر فأكثر في أثناء الاختبار، وهما مفهومان لا يزالان مستخدمين في البحوث النفسية إلى اليوم، بالإضافة إلى أنه كان أول من استخدم استطلاعات الرأي والاستبيانات لجمع البيانات لبحوثه في مجالات الأنثروبولوجيا والقياسات البشرية.
وهو أول من استعمل مصطلح المنحنى الطبيعي لما كان يسمى منحنى غوس بالإنجليزية والفرنسية تواليًا Gaussin curve; courbe de Gauss.
وشاع هذا المفهوم عند الباحثين بعد استعمال كارل بيرسون (1857-1936) مصطلح القانون الطبيعي أو التوزيع الطبيعي (normal distribution) اقتباسًا من غالتون، وأول من اكتشف هذا القانون هو جاك يعقوب بارنولي Jacques Jacob Bernoulli
1705-1654، وهو رياضي وفيزيائي سويسري، وكان أول من طبقه على الظواهر الاجتماعية والبيولوجية العالم البلجيكي أدولف كيتولي َAdolphe Quételet 1874-1796، ودعم غالتون هذا الاتجاه بتأكيده شموله للظواهر النفسية والاجتماعية والحياتية جميعها، ليأتي من بعده إيميل بوريل Emile Borel 1956-1877 الرياضي الفرنسي ليحدد شروط تطبيق هذا القانون.
وفي عام 1884 في معرض صحي دولي في لندن، أنشأ جالتون مختبرًا (مختبر القياسات البشرية) لتقييم بعض الخصائص الجسدية والعقلية للزوار مقابل ثلاثة بنسات أو أربعة، وقد استفاد نحو 9000 شخص ببطاقة هويتهم الجسدية كالوزن والطول، فقاس لهم غالتون القوة، وحاسة اللون، والقدرة على السمع، وزمن رد الفعل، ومهارات التحكم، والمهارات البصرية.
هذه إذن من إسهاماته الكثيرة في تطوير علم النفس والإحصاء الذي استفاد به العلماء من بعده في دراسة الذكاء.
إسهامات غالتون المباشرة في دراسة الذكاء وتطوير روائزه
أما عن إسهاماته المباشرة في دراسة الذكاء وتطوير روائزه فإنه قد كان أول من درس العبقرية بطريقة علمية عميقة في كتابه: العبقرية الوراثية، بحث في قوانينها ونتائجها.
HEREDITARY GENIUS AN INQUIRY INTO ITS LAWS AND CONSEQUENCES; London MACMILLAN AND CO. 1869 .390p
وبيّن فيه أن انتقال الذكاء البشري بين الأجيال يكون وراثيًا، وأن دور البيئة والتربية والثقافة ضعيف، وكان يعتقد أن التفاضل بين الناس في الذكاء يعود في الأساس إلى عامل الوراثة، لكنه كان يرى وجود علاقة كبيرة بين بعض السمات الجسدية وحدة الذكاء وأن بعض الخصائص البدنية تدل على قوة الذكاء أو الحمق على غرار علماء المرحلة السابقة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر للميلاد، وما قبلها كما عند ابن الجوزي، وهي النظرة التي يجب تجاوزها لدراسة الذكاء دراسة علمية ولبناء روائزه بناء صحيحًا.

وهو مخترع مصطلح (Eugenics)، ويعني به تحسين النسل الإنساني، وهو منشئ الحركة والتيار الذي ناضل من أجل ذلك.
وقد ابتكر فرانسيس غالتون النمط الأول لاختبار الذكاء، وعد من سنة 1877 أنه من الممكن بمساعدة القياسات الدقيقة إجراء دراسة بعض الخصائص الأساسية للعقل.
وكان يرى أن سرعة ردة الفعل على المثيرات الحسية تشير إلى الذكاء، فكلما كان رد فعل الإنسان أسرع على المثير الحسي كان أكثر ذكاء؛ ورأى غالتون أن حدة الذكاء مرتبطة بحدة الحواس، وافترض أن الأفراد ذوي الحواس الحادة يُظهرون قدرات إدراكية أعلى؛ لذلك بنى روائزه على قيس سرعة رد فعل الإنسان في التعرف إلى الأصوات وفي اختبارات التمييز البصري واختبارات التنسيق الحركي واختبار الذاكرة بتذكر سلسلة أرقام أو أشكال بعد رؤيتها مدة قصيرة، كل ذلك بقياس زمن ردة الفعل في هذه الاختبارات بالأدوات المناسبة.
غير أن هذه النسخة الأولى من روائز الذكاء لم يكتب لها البقاء، ولم يتقبلها علماء النفس بعده، فقد اعتمدت على قياس الجانب الحسي فقط الذي قد يكون جزءًا ظاهرًا للذكاء ضعيفًا، إضافة إلى أنه كان يقيس القدرات العقلية كما يقيس القدرات الجسدية، وكان يقيس أيضًا العمليات الذهنية البسيطة جدًّا فقط من الذكاء، ورغم اعتمادها التجريب والإحصاء على الرغم من بساطتهما، فإن هذا الرائز الأول للذكاء لم يلق الرواج الذي يليق به إذ مات في مهده، ولم يحظ بالقبول عند علماء النفس وعند نقاده، ولعلها تعثر الخطوات الأولى التي تصاحب هذه المراحل التمهيدية للعلوم، ولعلها كبوة الفارس المجيد.
ختامًا، إن المرحلة التمهيدية لظهور روائز الذكاء تكشف عن رحلة شاقة ومثيرة قطعها الفكر الإنساني لفهم طبيعة القدرات العقلية، فبفضل جهود رواد مثل فيلهلم فونت في ترسيخ دعائم علم النفس التجريبي، وعبقرية فرانسيس غالتون الموسوعية في تطوير أدوات القياس النفسي والإحصائي ودراسة الفروق الفردية، وُضعت اللبنات الأولى التي مهدت الطريق لاحقًا لظهور اختبارات الذكاء بشكلها الحديث على يد ألفرد بينيه وغيره.
وعلى الرغم أن بعض أفكار هذه المرحلة كنظرية (العبقرية الوراثية) أو التركيز المفرط على الجوانب الحسية، قد تم تجاوزها، فإن الإصرار على المنهج التجريبي والقياس الموضوعي يظل إرثًا خالدًا ساهم في تحويل دراسة الذكاء من التأمل الفلسفي إلى البحث العلمي المنظم، إنها قصة عن كيف يتقدم العلم، خطوة بخطوة، حتى وإن تعثرت البدايات، ليفتح آفاقًا جديدة لفهم أعمق للطبيعة البشرية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.