تاريخ اختبار الذكاء.. دور كاتل وبدايات ألفرد بينيه ج 3

تعرضت في الحلقة السابقة من سلسلة هذه المقالات إلى العوامل الممهدة لابتكار اختبار الذكاء في العصر الحديث، وركزت على دور غالتون وفونت. وفي هذا المقال أفصِّل قليلًا في بيان دور عالم نفس لا يقل أهمية عنهما في هذه المرحلة التمهيدية. وفي جزء ثانٍ من هذه الحلقة أسلِّط الضوء على الانطلاقة الأولى الحقيقية لرائز الذكاء؛ فأهتم ببعض ظروف ظهوره، وأترجم حياة ألفرد بينيه الذي وضع بالاشتراك مع تيودور سيمون أول رائز للذكاء.

دور جايمس ماكين كاتل

جايمس ماكين كاتل 1860-4194 James McKeen Cattell هو واضع مصطلح الروائز الذهنية Mental tests سنة 1890 في مقال له في مجلة مايند البريطانية بعنوان الروائز الذهنية والقياسات، وقام فرنسيس غالتون بالتعليق عليه. Mental Tests and Measurements, Mind, Vol. 15, No. 59 (Jul., 1890), pp. 373-381 (9 pages وبدأ هذا المقال بما يلي: «إن علم النفس لا يستطيع أن يصل إلى اليقين والدقة اللذين تتمتع بهما العلوم الفيزيائية، ما لم يرتكز على أساس من التجربة والقياس. ومن الممكن أن نخطو خطوة في هذا الاتجاه بتطبيق سلسلة من الروائز والقياسات العقلية على عدد كبير من الأفراد.

جايمس ماكين كاتل

وسوف تكون النتائج ذات قيمة علمية كبيرة في اكتشاف ثبات العمليات العقلية، وترابطها، وتغيرها في ظل ظروف مختلفة. فضلًا عن ذلك، سوف يجد الأفراد روائزهم مثيرة للاهتمام، وربما مفيدة فيما يتصل بالتدريب، أو نمط الحياة، أو مؤشر المرض. وسوف تزداد القيمة العلمية والعملية لمثل هذه الروائز كثيرًا إذا ما تم تبني نظام موحد، بحيث يمكن مقارنة التحديدات التي تم إجراؤها في أوقات وأمكنة مختلفة ودمجها». وهذا النص عميق المعاني لتبشيره بكثير من المسائل التي ستصبح مبادئ ووقائع الروائز فيما بعد.

وقد سار كاتل على نهج غالتون في وضع رائزه -وهو تطوير له لا أكثر ولا أقل- ولكنه كان يعتقد -خلافًا لغالـتون- بعدم وجود علاقة للسمات الجسدية بالذكاء. وقد كان كاتل أيضًا متأثرًا بأستاذه عالم النفس الألماني فونت Wundt من جانب آخر. وبنى رائزه على التجريب إذ كان يحتاج لمختبر كامل لقياس الذكاء.

وتُجرى روائزه في المختبر، ويستعمل أدوات عديدة كمقياس القوة بالدينامومتر ومقياس الوقت كرونوسكوب هيب Hipp chrono وجهاز التوقيت (الكرونوغراف).

ومن الاختبارات التي يجريها قياس ضغط باليد اليسرى واليمنى على مقياس القوة الدينامومتر، وقياس زمن حركة اليد لمسافة 50 سم، وتحديد أقل مسافة يمكن عندها التمييز بين لمستين متجاورتين، وتحديد الضغط المسبب للألم بواسطة أداة مرتبطة بطرف من المطاط الصلب يبلغ نصف قطره 5 مم، وقياس زمن رد الفعل عند سماع صوت، وزمن تسمية عشرة ألوان، وتقسيم مسطرة بطول 50 سم إلى قسمين متساويين بواسطة خط متحرك لاختبار الدقة التي يتم بها الحكم على المكان، وتقدير زمن 10 ثوانٍ بواسطة حركتين متتاليتين، واختبار الذاكرة والانتباه من خلال تحديد عدد الحروف التي يمكن إعادتها بعد سماعها مرة واحدة.

وقال كاتل في المقال المذكور أعلاه: «قد يعتقد الكثيرون أن أكبر ضغطة ممكنة لليد هي كمية فسيولوجية بحتة. ومع ذلك، فمن المستحيل فصل الطاقة الجسدية عن الطاقة العقلية». شارحًا علاقة بعض اختباراته بقياس الذكاء.

وقام أيضًا باختبارات للحواس، فقاس مثلًا للبصر حدة رؤية الألوان وأقل قدر من الضوء المحسوس والدقة التي يمكن بها الحكم على المسافة بعين واحدة وبعينين.

اختبارات كاتل

وقاس للسمع أقل صوت يمكن إدراكه وأدنى وأعلى نغمة يمكن سماعها، والدقة التي يمكن بها الحكم على اتجاه الأصوات ومسافتها، والنقطة التي يصبح عندها ارتفاع الصوت وشدته مؤلمين، وصوت الطبيعة الأكثر إمتاعًا.

وقاس للتذوق والشم أقل كمية يمكن إدراكها من السكر والكينين وملح الطعام وحمض الكبريتيك، وتحديد أجزاء الفم التي يتم تذوقها بها، والأذواق والروائح التي وجد أنها مقبولة وغير مقبولة بشكل غريب.

وقاس للَّمس أقل ضغط ملحوظ لأجزاء مختلفة من الجسم، ومناطق الإحساس في أجزاء مختلفة من الجسم، والدقة التي يمكن بها الحكم على كمية حركة نقطة ما فوق الجلد واتجاهها، وأقل فرق ملحوظ في درجة الحرارة، والنقطة التي يسبب فيها الضغط والحرارة والبرودة الألم.

واختبر الإحساس بالجهد والحركة

وقاس للوقت العقلي زمن رد الفعل للصوت والضوء والضغط والتحفيز الكهربائي، وزمن تسمية الألوان والأشياء والحروف والكلمات، والوقت الذي يستغرقه التذكر والتوصل إلى قرار، وتأثير الانتباه والممارسة والتعب في الزمن الذهني.

واختبر الكثافة الذهنية لتحديد أقل فارق ملحوظ في الإحساس.

وقاس للامتداد الذهني المعدل الذي يتلاشى به الإحساس السهل من الذاكرة، والدقة التي يمكن بها تذكر فترات زمنية.

وطبق كاتل روائزه على طلاب الجامعات التي كان يدرس فيها لدراسة الفوارق بينهم. وفي جامعة كولومبيا، جعل إجراء روائزه إجبارية لكل طلاب السنوات الأولى مدشنًا عهدًا جديدًا للروائز الجماعية المستهدفة لجمهور عريض.

نقد تجربة كاتل

وقد انتقص عليه النقاد أنه قاس العمليات الذهنية البسيطة ورد الفعل البدني والعمليات الحركية والحسية التي لبعضها فقط علاقة محتملة بالذكاء الحركي الحسي.

ولقد عاش كاتل إلى سنة 1944 وعاصر ظهور الروائز التي لاقت القبول عند العلماء واعتمدت وانتشرت. ولكن لم يُرو عنه تراجع عن مواقفه، ولم يُحفظ عنه تعليق على هذا التطور الحاصل؛ ولكنه في المقابل شاهد تأثيره فيمن بعده وشهد أيضًا بعض ما توقعه وخطط له.

فهذه النسخة الثانية لروائز الذكاء التي قدمها كاتل لا تختلف كثيرًا عن سابقتها (الأولى كانت لغالتون)، وما قيل فيها يمكن أن يقال في هذه، ولم يكتب لهما إلا أن يموتا في مهديهما إذ كانتا في نظر النقاد ضعيفتي العلاقة بقياس الذكاء.

الانطلاقة الفعلية لاختبار بينيه وسيمون

في سنة 1904 -بتكليف من وزارة التعليم العمومي الفرنسي التي كانت تسعى لمعرفة الأطفال منخفضي الذكاء الذين قد يجدون صعوبات في متابعة دراساتهم في المدارس العمومية العادية- بدأ ألفريد بينيه بالاشتراك مع زميله تيودور سيمون البحث عن أداة للتفريق بين الأطفال العاديين القابلين للتمدرس بسهولة عند الالتحاق بالمدارس العادية والأطفال الذين يحتاجون عناية خاصة؛ فوضعا سنة 1905 المقياس المتري لمراتب الذكاء l’échelle métrique de l’intelligence الذي يترجم عادة بالمقياس المتري للذكاء، وأرى أن ما اقترحته من ترجمة أكثر دقة، وقد شاع تسميته فيما بعد واشتهر بـ(رائز بينيه - سيمون).

ألفريد بينيه

وكانت تلك هي النسخة الأولى من هذا الرائز؛ لتظهر في سنة 1908 نسخة ثانية معدلة مطورة ثم نسخة ثالثة أخيرة أكثر اكتمالًا سنة 1911 قبل وفاة بينيه بفترة قصيرة. وأصبح ذلك الرائز نقطة بداية ومنطلقًا لروائز الذكاء بل كل روائز القياس النفسي بعد هذا التاريخ لتنسج على منواله مع تعديلات وتطويرات ومع اختلافات عديدة بسبب الخلفيات الفكرية لأصحابها باعتبار اختلاف مفاهيم الذكاء لدى علماء النفس ولجعلها أقرب إلى البرهان العلمي والإحصاء الدقيق. ولكنها لم تمس بالجوهر الذي بني عليه هذا الرائز، وقد اعترفت به الأوساط والدوائر والمجامع العلمية على نطاق واسع.

وقبل الدخول في تفاصيل هذا الرائز لنهتم في البداية بصانعيه لنفهم الخلفيات العلمية التي أُسس عليها والظروف المحيطة.

ألفريد بينيه.. حياته التعليمية والعلمية والمهنية ومؤلفاته

حياة ألفريد بينيه التعليمية

ألفريد بينيه Alfred Binet  1857 - 1911 هو عالم نفس تربوي فرنسي. وكانت آنذاك نيس التي ولد فيها تحت الحكم الإيطالي نتيجة معاهدة صلح بين فرنسا وإيطاليا؛ لذلك كان اسمه في وثائق الميلاد ألفريدو بينيتي Alfredo Binetti. وكان له تكوين متقلب ومتنوع، وإن كان غلب عليه تكوينه في علم النفس؛ بل كان مؤلفه الأول عندما كان في سن الحادية والعشرين في علم النفس بعنوان «الحياة النفسية» la vie psychique سنة 1878.

وفي السنة نفسها تحصَّل ألفريد بينيه على الإجازة في القانون ليلتحق بتربص بست سنوات ليستطيع ممارسة مهنة المحاماة كما تتطلبها الإجراءات القانونية في ذلك الوقت. وبعد ما أنهاه انخرط في عمادة المحامين سنة 1884 ولكنه سرعان ما استقال منها في السنة نفسها.

وفي هذا العام أيضًا تزوج بينيه من لور Laure ابنة عالم الأجنة إدوارد جيرار بالدياني Édouard-Gérard Balbiani الأستاذ في الكوليج دو فرانس Collège de France ويمكن ترجمتها بكلية/ جامعة/ مدرسة/ معهد فرنسا أو المحافظة عليها لفظًا دخيلًا بكتابته كما ينطق في لغته ألأصلية باعتبار أن هذه المؤسسة العلمية قد لا يكون لها نظير في البلدان الأخرى.

وأنجب ابنته الأولى مادلين Madeleine سنة 1885، والثانية آليس Alice سنة 1888. وقد راقبهما منذ ولادتهما إلى مراهقتهما مراقبة علمية نفسية استفاد منها في كتاباته وأبحاثه حول الذكاء ورائزه والتطور العقلي والنفسي للطفل والمراهق.

وتحصَّل على الإجازة في العلوم الطبيعية سنة 1890. وفي الوقت نفسه كان يعد أعمالًا أدبية، ولا سيما مسرحيات، تم إنجاز بعضها وعرضها لاحقًا، ثم درس الطب ولم يكمل دراستها.

حياة ألفريد بينيه المهنية

بدأ أول عمل رسمي له في قسم الأعصاب بمستشفى سالبيترييه  Salpêtrière في باريس بصفة باحث من عام 1883 إلى 1889. وقد وجهه هذا العمل بالإضافة إلى قراءاته إلى علم النفس التجريبي. وهناك عمل مع صديقه الطبيب شارل فيري Charles Féré وتعاونا في أبحاثهما. ثم أصبح بعد ذلك باحثًا متطوعًا مدة عام بدون أجر فمديرًا مساعدًا لمختبر علم النفس الفسيولوجي (علم نفس وظائف الأعضاء) في جامعة السوربون من عام 1891 إلى 1894، ثم تولى إدارة المختبر حتى وفاته عام 1911.

حتى لا أطيل على القراء أكتفي بهذا القدر لأواصل إن شاء الله في قريب عاجل تتمة الموضوع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.