لطالما كان الفن ساحةً للتجارب الجريئة التي تكسر الجدار الرابع بين المؤدي والجمهور. وفي عالمنا العربي، برز اسم الراحل «سعد الله ونوس» كرائد للتجديد والتجريب المسرحي، خاصةً في رائعته «حفلة سمر من أجل 5 حزيران» عام 1967.
في تلك المسرحية، وتجسيدًا لمشروعه في «مسرح التسييس»، فاجأ ونوس الجمهور بتفاعل الممثلين الذين اندمجوا مع الحضور، صاعدين إلى خشبة المسرح؛ ليسرد كلٌّ منهم قصته ومسؤوليته عن الهزيمة، في بناء درامي شديد التعقيد وواضح القصد.
أما «يوكو أونو»، فقد كانت رائدةً عالميةً في «الفن المفاهيمي». وفي عرضها الشهير بطوكيو عام 1964، دعت الجمهور إلى قص ملابسها فيما عُرف بـ«Cut Piece»، وكانت تبحث عن تعرية الذات البشرية أمام الغريزة والطبقية. والحقيقة التاريخية هي أن ونوس لم يقلد يوكو، ولم تكن يوكو الوحيدة؛ فقد سبقهما رواد مثل «برتولت بريخت» و«أنتونين آرتو»، لكن ونوس صبغ هذا التجديد بصبغة قومية ووجودية عربية خالصة، في حين صبغته يوكو بصبغة فنية وسريالية.
ولم تكتفِ يوكو بذلك، بل ابتكرت تجربة «Bagism» أو «قطعة الكيس». وفيها، طلبت من شخصين الدخول في كيس أسود كبير تمامًا حتى يختفيا، ثم طلبت إليهما أن يخلعا ملابسهما ويفعلا ما يشاءان بداخل الكيس. كانت غايتها من هذه التجربة الصادمة إلغاء الفوارق العرقية والجندرية والطبقية بين الفنان والمتلقي؛ فداخل الكيس لا يرى الجمهور لون بشرة أو جنسًا أو مستوى اجتماعيًا، بل يرى «جوهر الإنسان» فقط.
لم تكن أونو مجرد فنانة عابرة، بل كانت المحرك الرئيسي في حياة واحد من أشهر أيقونات الموسيقى في التاريخ، وهو «جون لينون».
من طوكيو إلى قلب لينون
وُلدت يوكو أونو لعائلة أرستقراطية في اليابان عام 1933، لكن طموحها الفني قادها إلى العيش في الولايات المتحدة ثم لندن، وكانت جزءًا من حركة «فلوكسس» الفنية الطليعية. في عام 1966، وفي معرض فني بلندن، التقى بها «جون لينون». كان لينون حينها في قمة مجده مع «البيتلز»، لكنه كان يشعر بفراغ روحي عميق.
سحرت يوكو لينون بذكائها وتحديها للقواعد التقليدية، وسرعان ما تحولت العلاقة إلى «استحواذ» متبادل. وأدى هذا التعلق إلى هجر لينون زوجتَه الأولى «سينثيا» وطلاقهما عام 1968. ويتفق المؤرخون على أن يوكو ليست مجرد فنانة مجددة وجريئة، أو مجرد زوجة تقليدية، بل كانت «الأستاذة» «Sensei» كما كان يلقِّبها، وكانت قد أدخلته إلى عالم الفلسفة الشرقية والسياسة الراديكالية.

هل فككت يوكو «البيتلز»؟
لا يزال عشاق «البيتلز» حتى اليوم ينقسمون حول دور يوكو؛ فقد كانت ترافقه إلى الاستوديو وتجلس في قلب بروفات الفرقة، وهو أمر كان محرَّمًا لدى أعضاء الفريق: بول مكارتني، وجورج هاريسون، ورينغو ستار. يرى كثيرون أن وجودها الدائم وتدخلها في القرارات الفنية كان المسمار الأخير في نعش الفرقة التي تفككت رسميًا عام 1970.
مارست يوكو سطوة فكرية وفنية جعلت لينون يتخلى عن هويته الموسيقية الجماعية ليبحث عن ذاته الفردية. هذه السيطرة لم تكن قمعية بقدر ما كانت إعادة توجيه؛ فقد استبدلت صخب الروك بهدوء التأمل، وبساطة الكلمات بعمق الفلسفة.
وتحت تأثيرها، تحول لينون من كاتب أغانٍ يبحث عن تصفيق الجماهير إلى ثائر يبحث عن تغيير العالم، وهو ما يتجلى في تحوله نحو الفن السريالي، والنضال السلمي، وتوظيف الأدب العالمي، مثل كلمات جبران خليل جبران في ألحانه، ليكون صوته صدىً لروحها ورؤيتها للعالم، وهو ما يفسر لماذا كان جون لينون معجبًا بيوكو أونو.
حين يتحدث جبران بلسان لينون
اجتمعت في حياة «جون لينون»، نجم فرقة البيتلز «The Beatles»، شخصيتان أثَّرتا في مسيرته على نحو جذري: أمه «جوليا» التي فقدها في حادث سير وهو في الثامنة عشرة، وزوجته «يوكو أونو». ويرى نقاد الموسيقى أن نضوج شخصية لينون، وجنوحه نحو الفكر البوذي والنضال السلمي ضد الحروب، مثل حرب فيتنام، كان نتاجًا مباشرًا لتأثير يوكو، الفنانة والمجددة المسرحية.
في عام 1968، وضمن «الألبوم الأبيض» «The White Album»، أطلق لينون أغنية «جوليا» «Julia». وهي أغنية فريدة في تاريخ البيتلز، لكونها الأغنية الوحيدة التي سجلها لينون منفردًا دون مشاركة بقية أعضاء الفرقة.
في مطلع هذه الأغنية، نجد تحية غير متوقعة للأدب العربي؛ فقد اقتبس لينون كلمات الأديب اللبناني العالمي جبران خليل جبران من كتابه «رمل وزبد» «Sand and Foam» الصادر عام 1926.
يقول جبران في كتابه: «نصف ما أقوله لك لا معنى له، غير أني أقوله لعل النصف الآخر يبلغك».
وقد صاغها لينون بعبقريته الموسيقية قائلًا:
«Half of what I say is meaningless. But I say it just to reach you, Julia».
لم يكتفِ لينون بتحية أمه، بل دمج في الأغنية صورة زوجته يوكو. فالاسم «يوكو» باليابانية يعني «طفلة المحيط» «Ocean Child»، لذا غنى قائلًا:
«Julia, Julia, ocean child calls me».
ليخلق مزيجًا وجدانيًا بين ذكريات الأم الراحلة وحضور الزوجة الملهمة، في واحدة من أرق مقطوعاته الموسيقية التي عزفها بأسلوب «الأصابع المتقاطعة» «Finger-picking» الذي تعلمه على يد الموسيقي الإسكتلندي «دونوفان» «Donovan» في أثناء رحلة مشتركة للتأمل في الهند، الأمر الذي أعطى الأغنية طابعًا حالمًا يشبه التراتيل الروحية.
صوت السلام: من فيتنام إلى العراق
لم يكن نشاط يوكو السياسي مجرد شعارات، بل اتسم بالجرأة والمباشرة. اشتهرت مع لينون بحملات احتجاجية على حرب فيتنام، وتجلَّت ذروة تأثير يوكو أونو في تحويل فن لينون إلى سلاح سياسي سلمي. ففي عام 1969، وخلال شهر عسلهما، نظما تظاهرة «السرير من أجل السلام» «Bed-In for Peace» احتجاجًا على حرب فيتنام. وفيها روَّج لينون لشعار «اصنعوا الحب لا الحرب»: «Make Love, Not War».
وظهرت أصداء هذا الشعار في أغنيته الشهيرة «Mind Games» (1973)، التي يقول فيها: «اصنعوا الحب لا الحرب! أعلم أنكم سمعتم ذلك من قبل»: «Make love not war! I know you've heard it before».
كما سجل لينون نشيد السلام العالمي «Give Peace a Chance» في يونيو 1969 من داخل غرفة فندق في مونتريال، بمشاركة يوكو أونو ومجموعة من الناشطين.
كانت يوكو هي المحرك الفكري لهذه التحركات، فدفعت لينون إلى توظيف شهرته العالمية لمواجهة آلة الحرب الأمريكية، واستمر هذا النفس النضالي حتى بعد رحيل لينون؛ فكانت من أشد المعارضين لحرب العراق عام 2003، وأطلقت حملةً إعلانيةً ضخمةً في الصحف العالمية، مثل «نيويورك تايمز»، تحت شعار «تخيل السلام» «Imagine Peace». كما سجلت مواقف حازمة ضد الحروب الأمريكية في الشرق الأوسط، معتبرةً أن العنف لا يولد إلا العنف.

أين يوكو أونو الآن؟
لا تزال يوكو أونو حيةً حتى يومنا هذا؛ فقد تجاوزت التسعين من عمرها، وتعيش في نيويورك في مبنى «داكوتا» الشهير، الواقع أمام المكان الذي اغتيل فيه لينون عام 1980. ورغم تقدمها في السن وانسحابها الجزئي من الأضواء، فإنها لا تزال أيقونة للسلام العالمي، وتدير مؤسسات خيرية ضخمة، ولا تزال أعمالها الفنية تُعرض في كبرى متاحف العالم، مُخلِّدةً ذكرى الرجل الذي غيرت مساره إلى الأبد.
إن أغنية «جوليا» ليست مجرد عمل موسيقي، بل هي نقطة التقاء مدهشة بين فلسفة الشرق، ممثلةً في جبران ويوكو، وطموح الغرب، ممثَّلًا في لينون. إنها تثبت أن الفن الحقيقي، سواء كان مسرحًا تجريبيًا أو أغنية «روك»، يتجاوز الحدود الجغرافية ليلمس جوهر التجربة الإنسانية المشتركة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.