كيف تؤثر خوارزميات التوصية على المحتوى؟ دليلك لاستعادة السيطرة

تؤثر خوارزميات التوصية على المحتوى في قدرة هذه الأنظمة على تتبع النمط السلوكي للمستخدم لتقديم محتوى مشابه، ما يؤدي إلى تشكيل طبيعة المحتوى نحو الإثارة السريعة، وخلق فقاعة الفلترة (غرف الصدى) التي تعزل المستخدم فكريًّا. وتعتمد المنصات على نظام التوصيات لتحويل التحيزات البشرية إلى نتائج مخصصة، وهو ما يحدد تأثير الخوارزميات على طبيعة المحتوى، ويؤدي غالبًا إلى تهميش المحتوى الهادف لمصلحة المحتوى الترفيهي السريع.

في هذا المقال نشرح لك كيف تؤثر خوارزميات التوصية على المحتوى، ونوضح الفرق بين خوارزميات التصفية المختلفة، وكيف تحول الخوارزميات التحيزات البشرية الموجودة إلى نتائج بالتوصية.

خوارزميات التوصية تحلل سلوك المستخدم لتحديد المحتوى الذي يظهر له، فتزيد انتشار المواد التي تحقق تفاعلًا سريعًا، ويمكن كسر هذا النمط عبر البحث المتعمد عن موضوعات جديدة، وتنظيف المتابعات، وتقليل التفاعل مع المحتوى غير المرغوب ومسح سجل البحث دوريًّا.

ما هي خوارزميات التوصية؟

مجموعة من الأنظمة البرمجية التي تحلل البيانات اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي، وتعمل باستمرار على توقع ما ينال إعجاب المستخدم من محتوى أو منتجات، وبالتالي تقترح عليه ما يلائمه.

الفرق بين خوارزميات التصفية المختلفة

تتبع أنظمة التوصية عدة نماذج رئيسة لتحديد ما يظهر لك، ولفهم الفرق بين خوارزميات التصفية المختلفة، إليك أبرز 3 نماذج:

  1. التصفية التعاونية (Collaborative Filtering): ترشح للمستخدم ما أعجب الأشخاص الذين يشبهونه. فإذا اشترى المستخدم منتجًا واشتراه شخص آخر مع منتج آخر، فستقترح عليه أنظمة التوصية المنتج الآخر نفسه؛ لاعتمادها على تشابه سلوك المستخدمين.
  2. التصفية المستندة إلى المحتوى (Content-Based Filtering): تعتمد على المحتوى نفسه، فتقترح على المستخدم عناصر مشابهة للمحتوى والمنتجات التي شاهدها وبحث عنها سابقًا. فإذا كان يبحث عن هاتف جديد، فستقترح عليه إعلانات لهواتف أخرى، وإذا شاهد أخبارًا رياضية، فستعطيه أخبارًا رياضية.
  3. النظام الهجين (Hybrid System): وهو النظام الثالث بين أنظمة التوصية، والذي يدمج بين النظامين السابقين محاولًا تحقيق دقة عالية، وهو النظام الأكثر استخدامًا في منصات كبرى مثل يوتيوب ونتفليكس.

ما أبرز الطرق التي تؤثر بها الخوارزميات على المحتوى؟

تؤثر الخوارزميات على المحتوى بعدة طرق ومن عدة زوايا، حيث يتناسب مع النمط السلوكي للمستخدم، ومن أبرز هذه الطرق ما يلي:

1. تشكيل طبيعة المحتوى

مع الوقت، أصبح القائمون على إنتاج المحتوى يضطرون لتصميم المواد الخاصة بهم بما يتناسب مع الخوارزميات من حيث المدة والكلمات المفتاحية وطبيعة الاستخدام. ومن ناحيتها، تقوم الخوارزميات دائمًا بتضخيم المواد التي تتعلق بالمشاعر التي تثير الجدل؛ لأنها غالبًا ما تحقق قبولًا ومعدل تفاعل أعلى، وهو ما قد يساعد على انتشار المحتوى الضار أو المعلومات المضللة.

2. تخصيص تجربة المستخدم

من أبرز الطرق التي تؤثر بها الخوارزميات على المحتوى ما يعرف باسم غرف الصدى، حيث تقدم المحتوى الذي يتناسب مع رغبات المستخدم، ولا تقدم له أي آراء أو جهات نظر أخرى.

مع الوقت، قد يؤدي هذا السلوك إلى حصر المستخدم في زاوية معينة أو دائرة مغلقة وفق الآراء المتشابهة، وبذلك لا يحظى بالتنوع، وقد يدفعه إلى مزيد من الانحياز لأفكاره المسبقة.

3. التحكم في الوصول والانتشار

تتم برمجة الخوارزميات لدعم المحتوى والمنشورات التي تحقق تفاعلًا كبيرًا وفوريًّا، في حين تهمش تلك التي لا تحقق التفاعل الكبير أو الفوري. وبذلك يرى المستخدم ما هو رائج وليس ما هو الأفضل.

توجد سياسات المنصات التي تستخدم الخوارزميات لإزالة أو تصفية المحتوى الذي لا يتوافق معها، وبذلك قد يؤثر الأمر مع الوقت في حرية التعبير وتكوِّن آراء المستخدمين.

كيف توازن الخوارزميات بين توجيه المستخدم وتحفيزه للاستكشاف؟

على الرغم من أنظمة التوصية التي تعتمدها المنصات والتطبيقات المختلفة؛ فإنها في الأخير تحاول أن توازن ما بين الاستغلال من ناحية والاستكشاف من ناحية أخرى، حتى لا يشعر المستخدم بالملل، وبذلك تضمن بقاءه أطول مدة، وذلك بواسطة الإستراتيجيات التالية:

  • الاستغلال: يُطلق مصطلح الاستغلال على فكرة توجيه المستخدم وتقديم المحتوى الذي يفضله، لكي يبقى متعلقًا بالتطبيق أو القناة مدة أطول.
  • الاستكشاف: خطوة تلجأ إليها الخوارزميات على نحو محسوب بعرض محتوى يبدو مختلفًا عما تعرضه للمستخدم عشوائيًّا لاختبار رد فعله.
  • كسر الفلترة: إذا بدا أن المستخدم يمل من المحتوى المتكرر، تبدأ الخوارزميات سريعًا في عرض المحتوى الرائج على المستوى المحلي والعالمي لإثارة شغف المستهلك مرة أخرى.
  • التعلم التعزيزي: استراتيجية جديدة تستخدمها بعض المنصات مثل تيك توك التي تقوم على حساب كل ثانية يقضيها المستهلك في المشاهدة وتعدها مكافأة للخوارزمية، أما إذا تجاهلها المستخدم تعود الخوارزمية مرة أخرى للمحتوى المضمون.

ما مصير المحتوى الهادف أمام المحتوى الموجه؟

مع هذا النظام المعقد للخوارزميات التي تعمل على توجيه المستخدم إلى المحتوى الذي يتناسب مع سياستها وأهدافها الذي في الغالب قد يكون محتوى ترفيهيًا، يجد المحتوى الهادف نفسه في اختبار صعب وفي صراع غير متكافئ.

تعد الخوارزميات أن المحتوى الهادف يتطلب جهدًا كبيرًا من المستخدم مثل التركيز والتفكير والحضور الذهني، بعكس المحتوى الترفيهي؛ لذا قد يغادر المستخدم المحتوى سريعًا، وهو ما يجعل الخوارزميات تفضل المحتوى الترفيهي وتضعه على قمة أنظمة التوصية.

من ناحية أخرى، فإن المحتوى الهادف قد يطرح كثيرًا من الحقائق الصادمة التي تخالف أهواء المستخدم، لذا تخفيه الخوارزميات لضمان الراحة النفسية للمستخدم وبقائه في حالة من الاستمتاع بالدوبامين نتيجة المحتوى الترفيهي.

في بعض الأحيان يلجأ صناع المحتوى الهادف إلى استخدام معايير المحتويات الترفيهية لإرضاء الخوارزميات بأسلوب استعراضي من أجل إيصال الرسالة، وهو ما قد يفقد المحتوى الهادف قيمته ومصداقيته، وقد ينجح في الوصول في أحيان أخرى.

الأمر الآخر هو أن الخوارزميات، على الرغم من أنها تعمل بنظام التوصية؛ فإنها قد تلجأ إلى إيصال المحتوى الهادف إلى الجمهور المتخصص جدًا، إلى المستهلك المهتم والمخلص للمادة الموجودة في المحتوى، وبذلك يتحول المحتوى الهادف إلى محتوى نخبوي متخصص مع الوقت.

كيف يمكن للمستخدم استعادة السيطرة من الخوارزميات؟

يبدو السؤال عفويًّا، لكن الإجابة في غاية الصعوبة، فأصبحت الخوارزميات أقوى من المستخدم وما زالت تتطور كل يوم، في حين يتراجع المستخدم على المستوى المعرفي والسلوكي. ومع ذلك، فإن خطوات استعادة السيطرة تكمن في النقاط التالية:

  1. الإجراءات التقنية: على المستخدم أن يكون إيجابيًا ويقوم بإجراءات تقنية عدة مثل تصفير الخوارزمية، واستخدام عرض المنشورات حسب الأحدث بدلًا من الأبرز، وتفعيل ميزة الكلمات المفتاحية غير المرغوب فيها بشكل متكرر ليعرف النظام ما ترفضه.
  2. التلاعب السلوكي: عليك أن تفهم أن الخوارزميات تراقب اهتمامك بأي فيديو أو منشور؛ لذا عليك ألا تبدي اهتمامًا حتى ولو بسيطًا بالمحتوى الذي ترفضه.
  3. التفاعل المتعمد: عليك أن تخصص بعض الدقائق كل يوم للبحث عن مجالات عدة خارج دوائر اهتمامك، مع محاولة التفاعل معها لكسر فقاعة الفلترة والخروج من دائرة التوصيات المعتادة.
  4. إلغاء المتابعات: ليس مطلوبًا منك إلغاء كل من تتابعهم، ولكن عليك تنظيف القائمة من المتابعات غير الهامة حيث تعتمد الخوارزمية بشكل كبير على من تتابعهم.
  5. التصفح المتخفي: يمكنك الاعتماد على المتصفح المتخفي إذا كنت تبحث عن موضوعات حساسة أو عارضة حتى لا يتم استخدام ذلك في ملفك الشخصي من قبل الخوارزميات.
  6. مسح السجل: تعود على مسح سجل البحث بشكل دوري لتقليل توقعات الخوارزميات التي تبنيها على سجل البحث داخل التطبيقات مثل فيسبوك ويوتيوب.

ما هو نظام التوصيات؟

هو نظام برمجي يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم وتوقع العناصر أو المحتوى الذي قد ينال إعجابهم ثم اقتراحه عليهم.

ما هي الخوارزميات وأنواعها؟

الخوارزمية هي مجموعة من الخطوات الرياضية والمنطقية المتسلسلة التي ينفذها الحاسوب لحل مشكلة معينة، وتتنوع إلى خوارزميات البحث والترتيب والضغط والذكاء الاصطناعي والتشفير.

ما تأثير الخوارزميات على طبيعة المحتوى؟

تدفع الخوارزميات صناع المحتوى لتعديل إستراتيجياتهم لإنتاج مواد قصيرة ومثيرة للجدل تزيد من التفاعل، ما يرفع انتشار المحتوى الترفيهي على حساب المحتوى الهادف.

الأنواع الرئيسة لخوارزميات التوصية؟

تتنوع إلى التصفية التعاونية التي تعتمد على تفضيلات المستخدمين المشابهين، والتصفية المستندة إلى المحتوى التي تقترح عناصر شابهت ما فضله المستخدم سابقًا، والأنظمة الهجينة التي تجمع بينهما.

أذكر في إدارتي وتحليلي لبيانات أحد المواقع التي تقدم محتوى رقميًّا هادفًا، أنني راجعت تقارير أداء البحث (Search Console) ولاحظت تراجعًا حادًّا ومفاجئًا في معدل النقرات اليومية؛ فقد هبطت من 1,300 نقرة في شهر مايو إلى 500 نقرة أو أقل بحلول شهر يوليو.

وعند الغوص في تحليل البيانات وسلوك خوارزميات البحث، أدركت أن خوارزميات التوصية قد حصرت هذا المحتوى في فقاعة فلترة ضيقة لعدم اعتماده على الإثارة الرائجة السريعة. تعدلنا الإستراتيجية فورًا بدمج الكلمات المفتاحية بذكاء وتحفيز التفاعل المتعمد لكسر تلك الخوارزميات، ما أعاد تدفق الزيارات واستعاد معدل النقرات الطبيعي.

بصفتي خبيرًا في إدارة المحتوى وتحليله، أؤكد دائمًا أن الخوارزمية ليست وحشًا كاسرًا، بل هي مرآة لعاداتنا وسلوكياتنا، وأن صناع المحتوى والمستخدمين على حد سواء يجب أن يتحولوا من وضع التلقي السلبي إلى التفاعل المتعمد والبحث النشيط لاستعادة السيطرة على تدفق المعلومات وتوجيه الذكاء الاصطناعي بدلًا من الخضوع له.

ما هي خوارزميات المحتوى؟

هي أنظمة ذكاء اصطناعي برمجية وظيفتها تحليل كميات هائلة من بيانات المستخدمين لتحديد المحتوى الأنسب وعرضه في الوقت الملائم لضمان بقاء المستخدم أطول مدة ممكنة على المنصة.

كيف تؤثر الخوارزميات على ما نراه عبر الإنترنت؟

تصفي مليارات المنشورات لتعرض لك فقط ما يتوافق مع سجل تفاعلك السابق؛ ما يعني أنها تخفي عنك الآراء المخالفة والأخبار التي لا تهمك، وتحصرك فيما يُعرف بـ (غرف الصدى).

لماذا تستخدم تطبيقات التواصل الاجتماعي خوارزميات التوصية؟

تستخدمها أداة تجارية بالأساس؛ فالخوارزمية التي تقدم لك محتوى تحبه باستمرار تضمن بقاءك على التطبيق ساعات أطول، ما يعني مشاهدتك لمزيد من الإعلانات، وهو مصدر الربح الرئيس لهذه المنصات.

أخيرًا بعد أن عرفنا كيف تؤثر خوارزميات التوصية على المحتوى، وكيف تعيد تشكيل السلوك الرقمي للمستخدمين، يتضح لنا جليًا أن هذه الأنظمة الذكية لم تعد مجرد أدوات تقنية محايدة، بل أصبحت شريكًا صامتًا يوجه خياراتنا اليومية ويحدد ما نراه ونفكر فيه. إن الوعي بآلية عمل هذه الخوارزميات واتخاذ خطوات إيجابية لإدارتها يمثل خطوتك الأولى نحو استعادة استقلاليتك الرقمية وبناء تجربة تصفح هادفة ومتوازنة.

هل تشعرون أن منصات التواصل الاجتماعي تُقيدكم داخل غرف الصدى والمحتوى المتشابه؟ ولا تنسوا مشاركة المقال عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة للجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.