لا يزال تأثير الميكروبلاستيك على صحة الإنسان في طور التوثيق العلمي، وإن كانت الأدلة المتراكمة حتى الآن كافية لتوليد قلق علمي جدي ومبرر. ما هو مؤكد اليوم: أن هذه الجسيمات موجودة في أجسامنا، وأن بعضها يحمل مركبات كيميائية ذات تأثيرات موثقة على الجهاز الهرموني والمناعي والقلبي الوعائي.
مبدأ الاحتياط العلمي (Precautionary Principle) الذي تتبناه منظمة الصحة العالمية يقتضي اتخاذ الإجراءات الوقائية حين تتوفر أدلة كافية على الضرر المحتمل، حتى قبل اكتمال الإثبات القاطع، والأدلة المتاحة اليوم تستوفي هذا المعيار. الخيارات الموضحة أدناه ليست تطرفًا في نمط الحياة، بل هي إجراءات بسيطة قابلة للتطبيق يُرجَّح أنها تُقلل التعرض بشكل ملموس، والفارق بين ما تعرفه وما تفعله هو المسافة الوحيدة التي تملك السيطرة الكاملة عليها.
تسخين الطعام في عبوات بلاستيكية داخل الميكروويف لمدة 3 دقائق قد يطلق أكثر من 2.2 مليون جسيم ميكروبلاستيك ونانوبلاستيك لكل سنتيمتر مربع من سطح الوعاء.
البلاستيك داخل القلب: دراسة Nature Medicine الصادمة
في عام 2023، نشرت مجلة Nature Medicine دراسة أجراها فريق بحثي إيطالي على مرضى خضعوا لعمليات قلب مفتوح. وجد الباحثون جسيمات ميكروبلاستيك داخل أنسجة القلب لدى غالبية المشاركين، وتضمنت الجسيمات المكتشفة أنواعًا متعددة من البلاستيك أبرزها البولي إيثيلين (PE) والبولي فينيل كلوريد (PVC).
وما أضاف إلى خطورة هذه النتيجة أن المرضى الذين وُجدت لديهم تركيزات أعلى من هذه الجسيمات كانوا أكثر عرضة للإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية خلال فترة المتابعة التي امتدت لـ34 شهرًا.

بصمة البلاستيك في دماء 77% من الأصحاء: ماذا تعني؟
نشرت مجلة Environment International عام 2022 دراسة هولندية فحصت عينات دم من 22 متبرعًا أصحاء، فوجدت جسيمات ميكروبلاستيك في 17 منهم بنسبة تجاوزت 77%، وكانت أبرز الأنواع المكتشفة: البولي إيثيلين تيريفثاليت (PET) المستخدم في زجاجات المياه، والبولي ستيرين الشائع في العبوات الغذائية.
اختراق أعمق: الميكروبلاستيك يصل إلى المشيمة والأجنة البشرية
في عام 2020، نشرت مجلة Environment International أيضًا دراسة إيطالية أثبتت لأول مرة وجود جسيمات ميكروبلاستيك في أنسجة المشيمة البشرية على الجانبين الأمومي والجنيني معًا، مما يعني احتمالية انتقالها إلى الجنين في مرحلة التطور الأكثر حساسية.
من هواء المدن إلى زجاجات المياه: انتشار الجسيمات
رصدت دراسة نشرتها Environmental Science & Technology عام 2024 وجود آلاف جسيمات الميكروبلاستيك في كل متر مكعب من هواء المدن.
وعلى صعيد مياه الشرب، حذّر تقرير منظمة الصحة العالمية WHO الصادر عام 2022 من وجود هذه الجسيمات في مياه الصنبور والمياه المعبأة في زجاجات على حد سواء، مع الإشارة إلى أن المياه المعبأة في البلاستيك تحتوي على تركيزات أعلى بمعدل يتراوح بين مرتين و10 مرات مقارنة بمياه الصنبور المفلترة.
العدو الخفي: أين نلتقي بالميكروبلاستيك في حياتنا اليومية؟
يتعرض الإنسان للميكروبلاستيك عبر قنوات متعددة وبعضها غير متوقع، فأين يمكن العثور على الميكروبلاستيك؟
- الغذاء والشراب: يُقدّر الباحثون أن الإنسان البالغ يستهلك ما بين 39,000 و52,000 جسيم ميكروبلاستيك سنويًا عبر الغذاء والشراب وفق دراسة نشرتها Environmental Science & Technology عام 2019. وتتضاعف هذه الأرقام حين يُؤخذ الاستنشاق في الحسبان.
- التسخين في العبوات البلاستيكية: كشفت دراسة نشرتها Environmental Science & Technology عام 2023 أن تسخين الطعام لمدة ثلاث دقائق في أوعية بلاستيكية داخل الميكروويف يُطلق ما يزيد على 2.2 مليون جسيم ميكروبلاستيك ونانوبلاستيك لكل سنتيمتر مربع من سطح الوعاء.
- الملابس الاصطناعية: تُطلق كل دورة غسيل واحدة لملابس البوليستر ما بين 700,000 ومليون خيط مجهري تجد طريقها إلى شبكات الصرف ثم إلى مصادر المياه، وفق دراسات أجرتها جامعة بليموث البريطانية.
- مستحضرات العناية الشخصية: تحتوي بعض منتجات التقشير والمعجون والمنظفات على ما يُعرف بالخرزات البلاستيكية الدقيقة (Microbeads) التي تمر عبر محطات معالجة المياه دون أن تُصفّى بالكامل.
- الهواء الداخلي: تُشير الدراسات إلى أن الهواء داخل المنازل قد يحتوي على تركيزات من الميكروبلاستيك تفوق الهواء الخارجي، نتيجة تحلل الأثاث والسجاد والمنتجات البلاستيكية المنزلية.

التشريح العلمي للأضرار: كيف يهاجم الميكروبلاستيك أجسادنا؟
لا يتوقف خطر الميكروبلاستيك عند وجوده المادي داخل الأنسجة، بل يتحول إلى حصان طروادة كيميائي يحمل مركبات سامة تخترق أدق الحواجز الدفاعية للجسم. في ما يلي نتعرف على تأثير الميكروبلاستيك على جسم الإنسان.
التأثير على الجهاز الهرموني
تحتوي كثير من المركبات البلاستيكية على مواد كيميائية كالبيسفينول A" (BPA) والفثالات (Phthalates)، وهي مواد صنّفتها الوكالة الدولية لبحوث السرطان IARC ضمن المعطّلات الهرمونية (Endocrine Disruptors).
تتدخل هذه المواد في الإشارات الكيميائية التي يرسلها الجسم عبر الهرمونات، مما يرتبط وفق أبحاث The Lancet (2023) بالإصابة بسرطانات الثدي والبروستاتا والغدة الدرقية، فضلاً عن العقم وأمراض الغدة الدرقية ومشكلات النمو لدى الأطفال.
التأثير على القلب والأوعية الدموية
أثبتت الدراسة المنشورة في Nature Medicine (2023) المذكورة سابقًا أن الأشخاص الذين لديهم تركيزات مرتفعة من الميكروبلاستيك في أنسجة القلب كانوا أكثر عرضة بنسبة 4.5 مرة للإصابة بالنوبات القلبية والسكتة الدماغية والوفاة خلال فترة المتابعة مقارنة بمن كانت تركيزاته أقل.
التأثير على ميكروبيوم الأمعاء
وثّقت دراسات متعددة منشورة في Gut Microbes وEnvironmental Health Perspectives أن التعرض للميكروبلاستيك يُحدث اضطرابًا في توازن بكتيريا الأمعاء النافعة، مما يُفضي إلى التهاب مزمن صامت يُضعف المناعة ويُهيّئ البيئة لتطور أمراض مزمنة متعددة.
اختراق الحاجز الدموي الدماغي
كشفت أبحاث حديثة نشرتها مجلة Nanomaterials أن جسيمات النانوبلاستيك قادرة على اختراق الحاجز الدموي الدماغي (Blood-Brain Barrier)، وهو النظام الدفاعي الأكثر صرامة في جسم الإنسان. وقد وجد الباحثون ارتباطًا مبدئيًا بين هذا الاختراق واضطرابات عصبية تشمل الالتهاب العصبي المزمن، وإن كانت الأبحاث في هذا المجال تحديدًا لا تزال في مراحلها الأولى.
خطوات بسيطة ومدعومة علميًا لتقليل التعرض
لا يتطلب تقليل عبء الميكروبلاستيك في جسمك تغييرًا جذريًا في نمط حياتك، بل يعتمد على تبني خيارات ذكية ومدروسة في تفاصيلك اليومية.
في المطبخ: هل تسخين الأكل بالبلاستيك مضر؟
- لا تُسخّن الطعام في عبوات بلاستيكية مطلقًا، واستبدلها بالزجاج أو الفولاذ المقاوم للصدأ أو الخزف.
- استخدم أواني طهي من الحديد الزهر أو الزجاج أو الفولاذ بدلاً من الأواني ذات الطلاء البلاستيكي غير اللاصق.
- احفظ الأطعمة الدهنية والحمضية بعيدًا عن البلاستيك تحديدًا، إذ تزداد معدلات الترشح في وجود الدهون والأحماض.
في شربك المياه
- استبدل الزجاجات البلاستيكية بزجاجات الزجاج أو الستانلس ستيل.
- استخدم مرشحات مياه معتمدة لإزالة الميكروبلاستيك، ولا سيما مرشحات التناضح العكسي (Reverse Osmosis) أو مرشحات الكربون النشط الدقيقة.
في ملابسك
- يفضّل الأقمشة الطبيعية كالقطن والصوف والكتان.
- إن كنت تستخدم ملابس اصطناعية، استخدم أكياس غسيل متخصصة لاحتجاز الخيوط المجهرية (كأكياس Guppyfriend المعتمدة لهذا الغرض).
- اغسل الملابس الاصطناعية بماء بارد على درجات حرارة منخفضة للحد من الخيوط المنبعثة.
في بيئتك المنزلية
- قلّل المنتجات البلاستيكية في محيطك المباشر.
- استخدم مكنسة كهربائية مزودة بمرشح HEPA لتقليل الجسيمات الدقيقة في هواء المنزل.
- تجنب المنتجات التجميلية التي تحتوي على Microbeads وابحث عن بدائل طبيعية.
سباق مع الزمن: الجهود العلمية والتشريعية لكبح طوفان البلاستيك
تعمل المجتمعات العلمية والبحثية على عدة محاور متوازية للحد من أضرار الميكروبلاستيك:
- على صعيد المواد البديلة: يطوّر علماء المواد بلاستيكًا بيولوجيًا (Bioplastics) من مصادر طبيعية كالذرة وقصب السكر، وهو يتحلل بالكامل دون أن يُخلّف جسيمات دائمة، وإن كانت تكلفة إنتاجه لا تزال تحول دون انتشاره واسع النطاق.
- على صعيد المعالجة البيولوجية: تبحث مختبرات في جامعات عدة بقيادة معهد ماكس بلانك الألماني في إمكانية توظيف بكتيريا معدّلة وراثيًا كـIdeonella sakaiensis لهضم بعض أنواع البلاستيك وتحليلها كيميائيًا.
- على الصعيد التشريعي والتنظيمي: أصدر الاتحاد الأوروبي عام 2023 حزمة تشريعية تحظر تدريجيًا إضافة الميكروبلاستيك المتعمد في المنتجات التجارية، فيما تدرس منظمة الصحة العالمية إرساء معايير دولية للحد المسموح به في مياه الشرب.
غير أن المشكلة أكبر من أن تحلها إجراءات فردية أو حتى تشريعات إقليمية. فالبلاستيك الموجود بالفعل في البيئة يُقدَّر بـ8.3 مليار طن متراكمة منذ بداية إنتاجه الصناعي، وفق أبحاث نُشرت في مجلة Science Advances، وهو رقم يستغرق معالجته عقودًا حتى في أفضل السيناريوهات.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.