طبقًا لدراسات أجراها معهد الصحة الوطنية الأمريكي (NIH)، فإن الضوء الصناعي يؤثر سلبًا على النوم، خاصّة الضوء الأزرق الذي ينبعث من الشاشات والمصابيح، فهو يعمل على تثبيط إنتاج هرمون الميلاتونين المعروف باسم (هرمون النوم)، والذي يؤدي بدوره إلى تقليل جودة النوم وزيادة اليقظة وتعطيل الإيقاع اليومي، وقد يصل الأمر إلى الأرق، بالإضافة إلى مخاطر أخرى.
وفي هذا المقال نشرح لك كيف يؤثر الضوء الصناعي على النوم، وما علاقة الضوء الصناعي بأمراض القلب والسمنة، وكيف يؤثر التعرض للشاشات على الساعة البيولوجية.
ما هو الضوء الصناعي؟
ببساطة شديدة، الضوء الصناعي هو الضوء الذي يتم إنتاجه بواسطة الإنسان وعن طريق الوسائل التكنولوجية المختلفة مثل ضوء المصباح أو الأضواء المنبعثة من الشاشات. ويتم استخدام الضوء الصناعي كبديل عن الضوء الطبيعي (ضوء الشمس) في الأماكن المغلقة أو في فترات الليل. ويختلف الضوء الصناعي عن الضوء الطبيعي في توزيع الألوان، وغالبًا ما تكون شدته أقل من ضوء النهار الطبيعي.
ما تأثيرات الضوء الصناعي على النوم؟
في الفترة الأخيرة تزايدت التحذيرات من الضوء الصناعي وتواتر الحديث عن إضاءة الشاشات والنوم والعلاقة بينهما، وهو الأمر الذي يتجلى في التأثيرات التالية:
تثبيط الميلاتونين
في البداية، لا بد أن نعرف أن الميلاتونين، المعروف باسم هرمون النوم، حساس جدًا للضوء، وبالتالي فإن الإضاءة الصناعية قد تؤدي إلى تقليل مستوياته. وحديثًا، أثبتت الدراسات أن الضوء الأزرق يعمل على تثبيط الميلاتونين بدرجة أكبر ولمدة أطول مرتين مقارنة بالضوء الأخضر، وهو الضوء الذي ينبعث من الشاشات الذكية، وبالتالي يقلل جودة النوم.
اضطراب الساعة البيولوجية
يؤدي التعرض للضوء الصناعي مدة طويلة إلى ما يعرف بالتلوث الضوئي الذي يجعل الجسم لا يفرق بين الليل والنهار، وهو ما يدخله في حالة يقظة دائمًا. وغالبًا ما تتغير جينات الساعة البيولوجية بسبب التعرض للضوء الليلي، وهو ما يجعل الجسم أقل تفاعلًا مع الإيقاع اليومي، وربما يؤدي الأمر إلى اضطرابات سلوكية ونفسية.
انخفاض جودة النوم
يؤدي التعرض للضوء الصناعي، خاصة في الليل، إلى تنشيط الجهاز العصبي الودي، وهو ما يؤدي بدوره إلى زيادة ضربات القلب ويجعل الدماغ أكثر يقظة، فيمنعها من الدخول في حالة النوم العميق. ومع زيادة استخدام الضوء الصناعي والنوم في غرف مضاءة أو استخدام الأجهزة قبل النوم، فقد يتعرض الشخص لحالة انخفاض جودة النوم بشكل مزمن وقد يستيقظ ليلًا باستمرار.

ما علاقة الضوء الصناعي بأمراض القلب والسمنة؟
يؤدي تثبيط هرمون الميلاتونين ليلًا بسبب التعرض للضوء الصناعي إلى تغييرات فسيولوجية وسلوكية تزيد من كتلة الجسم. ومع التعرض للضوء الصناعي باستمرار، خاصة أثناء النوم، فإن مقاومة الجسم للإنسولين تزيد في صباح اليوم التالي، وهو ما قد يساهم في الإصابة بمتلازمة التمثيل الغذائي والسمنة.
في دراسة أجراها المعهد الوطني للصحة في أمريكا على أكثر من 43 ألف امرأة تتراوح أعمارهن بين 35 و64 عامًا، ثبت أن نوم المرأة في غرفة بها ضوء أو تلفاز يعرضها للسمنة بنسبة 17%. وعلى مستوى أمراض القلب، فإن الضوء الصناعي ليلًا يرفع معدل ضربات القلب ويقلل من تقلباتها، ويجهد عضلة القلب بشكل كبير. من ناحية أخرى، فإن التعرض للضوء الصناعي ليلًا يحفز نشاط الإجهاد في دماغ الإنسان، ويؤدي إلى التهاب الشرايين ورفع احتمال الإصابة بالسكتة الدماغية.
على مستوى الإحصاءات، فقد أشارت الأرقام الصادرة عن باحثين من مستشفى ماساتشوستس الأمريكية في العام الماضي إلى أن التعرض للضوء الصناعي ليلًا يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب بنسبة تتراوح ما بين 22% و35%، وقد وجد الباحثون وجود علاقة وثيقة بين التعرض للضوء الصناعي وحدوث نشاط مجهد في منطقة اللوزة في الدماغ، وهو ما يحفز التهاب الأوعية الدموية ويسبب النوبات القلبية والسكتات الدماغية.
كيف نتجنب أخطار الضوء الصناعي؟
تستطيع أن تقلل من المخاطر الصحية المرتبطة بالضوء الصناعي سواء أثناء النوم أو على مدار اليوم من خلال النصائح التالية:
إجراءات أثناء النوم
- الحرص على الإظلام التام للغرفة باستخدام ستائر التعتيم أو قناع العين لحجب الضوء الخارجي.
- تجنب استخدام الشاشات بأنواعها المختلفة قبل موعد النوم بنحو ساعة لتجنب تثبيط الميلاتونين.
- إذا لم يكن هناك بد من استخدام إضاءة ليلية في غرفة النوم، فمن الأفضل استخدام الألوان الخافتة سواء الأحمر أو البرتقالي بدلًا من الأزرق أو الأبيض.
- يمكن وضع المصابيح الخافتة في غرفة النوم بالقرب من الأرض بدلًا من وضعها في السقف لتقليل الضوء المباشر للعين.
إجراءات على مدار اليوم
- التقليل من استخدام الشاشات والأجهزة الذكية بقدر الإمكان على مدار اليوم، مع أخذ استراحة كل ساعة لمدة 5 دقائق أثناء أوقات العمل على الشاشات.
- الحرص على التعرض لضوء الشمس القوي في الصباح لمساعدة الجسم على اكتساب المناعة والتمييز بين ضوء النهار والليل.
- في حالة الاضطرار لاستخدام الأجهزة ليلًا، يمكن تفعيل الوضع الليلي لتقليل الإضاءة الزرقاء.
- استخدام التطبيقات التي تقوم بتغيير حرارة الضوء تلقائيًا بحسب التوقيت.

كيف نحمي الأطفال من أخطار الضوء الصناعي؟
يعد الأطفال أكثر عرضة لأشعة الضوء الصناعي لأن عيونهم تحتوي على عدسات أكثر صفاءً من الكبار، وهو ما يسمح للضوء الأزرق بالمرور بكميات كبيرة إلى الشبكية، وهو الأمر الذي يحتاج إلى الالتزام بالنصائح التالية:
- تنظيم أوقات استخدام الشاشات للأطفال، ووضع قواعد صارمة بعدم استخدام جميع أنواع الشاشات قبل النوم بنحو ساعتين لضمان إفراز الميلاتونين بشكل طبيعي.
- استبدال المصابيح القوية الموجودة في غرف الأطفال ذات اللون الأبيض أو الأزرق بمصابيح خافتة ذات إضاءة صفراء ضعيفة، مع تجنب وضع الأجهزة داخل غرف النوم الخاصة بالأطفال.
- تدريب الأطفال وتعويدهم على الاستراحة من استخدام الأجهزة والشاشات كل 20 دقيقة، والنظر بعيدًا لمدة 20 ثانية.
- الحرص على إظلام غرف الأطفال بشكل تام أثناء النوم، وفي حال إذا كان الطفل يخشى الظلام يمكن استخدام ضوء خافت ضعيف بالقرب من الأرض.
- تشجيع الأطفال على اللعب في النهار وفي ضوء الشمس لاكتساب المناعة وضبط الساعة البيولوجية والحماية من قصر النظر.
- الحرص على أداء المهام الدراسية والمذاكرة في ساعات النهار اعتمادًا على الضوء الطبيعي بقدر الإمكان، بدلًا من التركيز على ساعات الليل والضوء الصناعي.
في الختام، يظهر جليًا أن الضوء الصناعي عامل مؤثر بقوة في توازننا البيولوجي وصحتنا الجسدية والنفسية. إن حماية أجسادنا وأطفالنا من التلوث الضوئي لا تعني التخلي عن التكنولوجيا، بل تتطلب إدارة ذكية لبيئتنا البصرية؛ عبر خطوات بسيطة كإظلام الغرف وتقنين استخدام الشاشات قبل النوم. ولا تنس أن جودة يومك وإنتاجيتك تبدأ من جودة نومك في ليل مظلم ومستقر.
ما هي الخطوة الأولى التي ستتخذها الليلة لتعديل بيئة إضاءتك؟ شاركنا رأيك وتجربتك في التعليقات، ولا تتردد في مشاركة المقال لتعم الفائدة ويستمتع الجميع بنوم صحي وآمن.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.