ما هي الخرسانة الحيوية وكيف تعالج نفسها ذاتيًا؟

تستطيع الخرسانة الحيوية أن تعالج نفسها، وذلك لأنها تحتوي على أنواع من البكتيريا الدقيقة التي يتم خلطها مع المكونات التقليدية للخرسانة، والتي تنشط عند حدوث تشققات ودخول الماء والرطوبة إلى المباني، حيث تفرز نوعًا من كربونات الكالسيوم التي تسد تلك التشققات، وبالتالي تعالج العيوب وتحافظ على المباني. كما أنها تدوم لأكثر من 200 عام.

وفي هذا المقال نوضح لك ما هي الخرسانة الحيوية وكيف تتنفس وتعالج نفسها، وكيف تؤثر البكتيريا على قوة الضغط في الخرسانة الحيوية، وهل الخرسانة الحيوية آمنة على الإنسان؟

كيف بدأت فكرة الخرسانة الحيوية؟

  • جاءت فكرة الخرسانة الحيوية من قدرة العظام البشرية على الالتئام وحدها، وكذلك قدرة بعض الكائنات الدقيقة على الحياة والبقاء في ظروف صعبة لفترات طويلة.
  • قبل الخرسانة الحيوية، كانت الخرسانة التقليدية تمتلك قدرة محدودة لمعالجة الشقوق الصغيرة ذاتيًا من خلال ما يعرف بتفاعل الجير الحر مع الماء، إلا أنها لم تكن كافية للشقوق الكبيرة.
  • في عام 2006 بدأت الفكرة تنتقل إلى حيز الواقع التجريبي في عدد من المراكز البحثية والجامعات، حتى نجح عالم الأحياء الهولندي هندرك يونكرز في الوصول إلى نتائج متقدمة في جامعة ديلفت للتكنولوجيا.
  • اكتشف العالم الهولندي نوعًا من البكتيريا يُطلق عليها البكتيريا العصبية، تستطيع أن تعيش في بيئات صعبة مثل الخرسانة لسنوات طويلة دون أكسجين أو طعام، وتنشط في حالة تكسر الخرسانة ودخول الماء.
  • وبالفعل تم عمل أول نموذج للخرسانة الحيوية عام 2011، وتم خلط البكتيريا مع المغذيات داخل الكبسولات الصغيرة في الخرسانة. وهي التجربة التي أثبتت كفاءتها في إغلاق الشقوق بشكل بيولوجي، وأدهشت العالم.

كيف تتنفس الخرسانة الحيوية وتعالج نفسها؟

  • تعتمد الفكرة التي تقوم عليها الخرسانة الحيوية على نشاط البكتيريا في حالة وجود تسرب في المياه، وقيامها بإنتاج الحجر الجيري الذي يقوم بملء الشقوق بشكل تلقائي.
  • بالنسبة للبكتيريا نفسها، فهي تكون في حالة سبات وتتغذى على مجموعة من المواد المضافة، وتحصل على قدر من الأكسجين من الهواء المتسرب عبر الشقوق، وهو ما يجعلها تنتج كربونات الكالسيوم التي تساعد على علاج المباني المتشققة.

كيف تؤثر الخرسانة الحيوية على الإنسان والبيئة؟

الشيء الرائع في الخرسانة الحيوية أنها تؤثر بشكل إيجابي على الإنسان والبيئة، مما جعلهم يعتبرونها ثورة في عالم البناء المستدام، وهو ما يمكن توضيحه في النقاط التالية:

الأثر على البيئة

  • تساعد الخرسانة الحيوية في تقليل انبعاثات الكربون، فهي تقلل الحاجة للأسمنت الذي يتم إنتاجه لإصلاح المباني، بالإضافة إلى طبيعتها التي تمتص الكربون من الهواء وتعمل على تحويله إلى حجر جيري.
  • يمكن إنتاج الخرسانة الحيوية من مواد النفايات، وهو ما يساعد على تعزيز الاقتصاد الدائري لصالح البيئة.
  • من خلال معالجة الشقوق بشكل ذاتي، فإن الخرسانة الحيوية تمنع تآكل حديد التسليح وتدهور المباني؛ وبالتالي تطيل من عمر المنشآت بنسبة تصل إلى 50% وتقلل من التلوث الناتج عن عملية الهدم وإعادة البناء.

الأثر على الإنسان

  • كل الدراسات والأبحاث التي أُجريت على البكتيريا المستخدمة في الخرسانة الحيوية تقول إنها غير ضارة بالإنسان، ولا تسبب أي أمراض، ولا تفرز أي سموم.
  • مع تقليل عمليات الترميم التقليدية، فإن الإنسان يصبح أقل تعرضًا للمواد الكيميائية المتطايرة والسامة المرتبطة بمواد الإصلاح.

هل بدأت الخرسانة الحيوية تُطبَّق في مشاريع واقعية؟

نعم، بدأت الخرسانة الحيوية تتحول من كونها فكرة بحثية في المختبرات إلى كونها حقيقة من خلال تطبيقها في مجموعة من المشاريع، إلا أنها لم تصل بعد إلى تطبيقها في المباني السكنية العادية. ويشير الواقع إلى ما يلي:

  • مشاريع حقيقية: استخدمت الخرسانة الحيوية في إنشاء نفق في مدينة راين في هولندا، وساهمت التكنولوجيا الجديدة في تقليل حديد التسليح بنسبة تصل إلى 35%. بالإضافة إلى مشاريع قنوات الصرف في أستراليا عام 2022.
  • شركات مصنّعة: ظهرت على الساحة العالمية العديد من الشركات التي تسوق منتجات الخرسانة الحيوية كمنتجات تجارية، كما ظهرت شركات عربية مثل (شواهق طيبة) في السعودية.
  • نمو سوقي: مع تقبّل المؤسسات والحكومات فكرة الخرسانة الحيوية، ارتفع مؤشر النمو السوقي للتكنولوجيا الجديدة في أعمال البناء ذاتية الترميم إلى نحو 114 مليار دولار في العام الماضي.
  • مناطق الاستخدام: في الوقت الحالي يتركز استخدام تكنولوجيا الخرسانة الحيوية على مناطق الجسور، والأنفاق، وخزانات المياه، والمنشآت البحرية، والمباني التي تتعرض للظروف البيئية القاسية.

ما التحديات التي تمنع انتشار تكنولوجيا الخرسانة الحيوية؟

رغم القبول الكبير والترحيب الهائل بالتكنولوجيا الجديدة، فإنها ما زالت مقيدة في حدود استخدامات معينة لأسباب رئيسية منها ما يلي:

  • التكلفة المرتفعة: ما زالت الخرسانة الحيوية تتطلب تكلفة مرتفعة قياسًا بالخرسانة التقليدية قد تصل إلى الضعف؛ بسبب عملية استزراع البكتيريا وتقنية التغليف المؤقتة.
  • محدودية الشقوق: حتى الآن لا تستطيع الخرسانة الحيوية التعامل مع الشقوق الكبيرة والانهيارات، حيث تعد فعالة جدًا في الشقوق الصغيرة التي يتراوح عرضها ما بين 0.5 و0.8 ملم.
  • المعايير والمواصفات: كثير من البلدان تطبق معايير ومواصفات قياسية صعبة مثل الكود البريطاني أو الكود الأمريكي، وهو ما يتطلب مواصفات قياسية موحدة لا تستطيع الخرسانة الحيوية تلبيتها في الوقت الحاضر، وتحتاج إلى مزيد من التجارب لاعتمادها ضمن المواصفات القياسية.
  • صعوبة التوسع في الإنتاج: لا يتعلق الأمر فقط بإنتاج الخرسانة وإنما بإنتاج البكتيريا بكميات ضخمة، وهو الأمر الذي يحتاج إلى دقة مخبرية عالية ومواقع بناء غير تقليدية؛ وبالتالي يكون من الصعب التوسع في إنتاج وتوفير كميات كبيرة من الخرسانة الحيوية.

هل ستغزو الخرسانة الحيوية المشاريع الكبرى في المستقبل؟

هذا ما توقعه كثير من العلماء والمهندسين وحتى المطورين العقاريين، حيث ينظرون إلى العقد القادم باعتباره عقد انتقال الخرسانة الحيوية من التجربة إلى السيادة من خلال النقاط التالية:

  • المشاريع الكبرى والمدن الذكية: معظم المشاريع الكبرى التي تضمها رؤية 2030 في السعودية مصممة لتُبنى بالخرسانة الحيوية، وكذلك المدن الذكية التي تسعى العديد من الدول لبنائها في العقد القادم.
  • التحول لمادة إلزامية: يرى الخبراء أن ما يحدث من تجديد القوانين في البيئة العالمية والضرائب التي يتم فرضها على الكربون ستدفع في اتجاه تحويل الخرسانة الحيوية إلى مادة إلزامية في أعمال البناء والترميم.
  • الطباعة ثلاثية الأبعاد: من المتوقع أن يتم الدمج بين الطباعة ثلاثية الأبعاد والخرسانة الحيوية لبناء الهياكل المعقدة التي تستطيع إصلاح نفسها دون تدخل بشري.
  • انخفاض التكلفة: رغم أن التكلفة العالية من عوائق انتشار الخرسانة الحيوية، فإنه من المتوقع أن تنخفض التكلفة مع الوقت كما حدث مع الألواح الشمسية نتيجة التوسع في الإنتاج والاستخدام.

وهكذا فإن الخرسانة الحيوية التي نتحدث عنها اليوم باعتبارها اكتشافًا عبقريًا، قد نتعامل معها قريبًا باعتبارها أمرًا طبيعيًا وأساسيًا في أعمال البناء والترميم، فقد أصبحت حقيقة بيولوجية تصيغ مستقبل المدن الذكية من خلال تكنولوجيا الخرسانة الحيوية. إن قدرة المواد الصامتة على التنفس، والترميم الذاتي، ومقاومة عوامل الزمن عبر كائنات دقيقة، تفتح آفاقًا غير مسبوقة للبناء المستدام والحفاظ على البيئة.

ورغم التحديات الاقتصادية والإنتاجية الحالية، فإن عجلة الابتكار لا تتوقف، وغدًا قد نرى جدران بيوتنا تحمي نفسها وتحمينا بكفاءة مذهلة تدوم لقرون. هل تعتقد أن الخرسانة الحيوية ستصبح قريبًا خيار البناء الأساسي في عالمنا العربي؟ شاركنا رؤيتك وتوقعاتك في التعليقات، ولا تنسَ مشاركة المقال عبر منصات التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة الجميع.

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.