هل يفقد الروائي العربي إبداعه لإرضاء لجنة التحكيم؟

سؤال يقودنا إلى موضوع غاية في الأهمية ونقاش واسع بين الأدباء والنقاد والكتاب والمثقفين العرب في الآونة الأخيرة حول مدى استقلالية الصوت الروائي العربي في ظل البحث عن الفوز بالجوائز والمسابقات الكبرى، وهو ما يدفع كثيرًا من الكتاب إلى تبني معايير محددة من أجل إرضاء لجان التحكيم والحصول على الجوائز.

وفي هذا المقال نلقي الضوء على مظاهر تأثر الصوت العربي الروائي بالجوائز، وكيف يمكن الفصل بين وعي الإبداع وبين مهارة الفوز بالجوائز، كما نوضح كيف تتأثر حركة النشر بنتائج المسابقات الأدبية.

كيف تأثرت الرواية العربية بالجوائز والمسابقات الأدبية؟

يبدو أن تأثير الجوائز والمسابقات على مشهد الرواية العربية هو تأثير مزدوج، حيث يتفق الجميع على بعض النقاط الإيجابية، ويتفق الجميع أيضًا على بعض النقاط السلبية، وهو ما يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

  • في معظم الأحوال، تدفع الجوائز والمسابقات الكتاب إلى أنماط معينة في الكتابة من أجل المنافسة على الجوائز، وبالتالي يخرج الإبداع من فضاء واسع إلى مجال تحكمه الحسابات والميول.
  • في الغالب أيضًا يلتزم الكتاب بما يتناسب مع الجائزة أو المسابقة على مستوى الكود الأخلاقي أو الديني أو السياسي، وبالتالي تأخذ الكتابة طابعًا معينًا ربما ما كانت لتتوجه إليه لولا المسابقة.
  • الأمر الأكثر تأثيرًا على الإبداع الروائي العربي هو تحول كثير من الأعمال من حالة الخيال المبدع إلى الكتابة الذهنية أو الفكرية التي تعتمد على كثير من البحث أكثر مما تعتمد على الخيال الجمالي والرمزي للفن الروائي.
  • من ناحية أخرى، فإن المسابقات والجوائز تعد حافزًا مهمًا لمزيد من الكتابة والمنافسة وتقديم الأفضل، وتضيف إلى بعض السخونة والحراك الأدبي.
  • قد تكون المسابقات والجوائز سببًا في التعرف على الأصوات الجديدة أو المغمورة أو التي لم تجد فرصة كبيرة في النشر أو الانتشار.
  • لا يمكن أن نتجاهل المقابل المادي الذي يتوافر للأدباء الفائزين، وهو الأمر الذي يميز المسابقات الجديدة التي لم تكن متاحة من قبل، وهو ما يعد حافزًا لاستمرار الكاتب ولتحسين أحواله.

كيف يوازن الكاتب بين الإبداع الحقيقي ومقاييس الجوائز؟

قد يكون من الصعب الموازنة بين الإبداع وبين الكتابة للجوائز بمقاييس معينة، وربما تساعد النصائح التالية على تحقيق هذا التوازن:

  • الإبداع الحر: لكي يتحقق الصدق الفني، على الكاتب ألا يشغل باله بلجنة التحكيم أو المتطلبات الخاصة بالجائزة، وإنما عليه أن يعمل على إكمال الرواية ثم يفكر بعد ذلك في المسابقة أو الجائزة التي يمكن أن تتوافق مع روايته.
  • الصوت الخاص: الشيء الذي يستحق الرهان عليه للفوز بالجوائز والمسابقات وتحقيق الأرباح من النشر، بجانب التميز الإبداعي الحقيقي، هو أن يكون للكاتب صوته الخاص الذي يفرض على الجميع الانتباه إليه، بدلًا من التقليد والتكرار والمشي على خطى الآخرين.
  • تعدد مصادر الدخل: من الأفضل ألا يعتمد الكاتب على الجوائز والمسابقات كمصدر للدخل، وإنما عليه البحث في تعدد مصادر الدخل، حيث المقالات والورش الإبداعية والترجمة، لكي لا يصبح أسيرًا أو عبدًا لأفكار لجان التحكيم ومقاييس الجوائز.
  • استغلال الجائزة: من الوعي أن يتعامل الأديب الحقيقي مع الجوائز باعتبارها فرصة أو منحة للتفرغ لكسب الوقت من أجل مزيد من الإبداع، وبالتالي التركيز على جودة النص كاملة، يستطيع أن يشتري بها الوقت في المستقبل.

هل هناك علاقة حقيقية بين قيمة النص والفوز بالجائزة؟

لا نستطيع إثبات وجود علاقة حتمية أو عكسية بين الفوز بالجوائز والقيمة الحقيقية للنص من الناحية الأدبية، فالجوائز غالبًا ما يتم تحديدها بناءً على معايير معينة وذائقة لجنة التحكيم البشرية المتغيرة. بالتالي، لا يمكن أن نحكم على النصوص التي لم تفز بالجوائز أو التي تم استبعادها بأنها أقل قيمة، لأن الحكم جاء بناءً على آراء عدة أشخاص وقد يتغير إذا تغير هؤلاء الأشخاص.

من ناحية أخرى، فالتتويج بالجوائز، حتى الكبيرة منها، لا يعد معيارًا دائمًا للجودة، وإنما يمكن اعتباره معيارًا مؤقتًا من وجهة نظر محددة، حيث يمكن أن تفوز رواية أقل جودة من رواية أخرى لم تستوفِ الشروط أو حتى لم تشترك في المسابقة. على المستوى القيمي التداولي، فإن الجوائز حتمًا تمنح الروايات الشهرة والانتشار، وتمنح صاحبها فرصة كبيرة ليخطو إلى الأمام إذا أحسن استغلال الفرصة، بينما قد ينسى الناس الروايات الفائزة بالجوائز الكبرى بعد عدة سنوات.

من ناحية أخرى، فإن المسابقات تمنح المشهد الثقافي حراكًا كبيرًا، وتخلق كثيرًا من الجدل والنقاش الأدبي وغير الأدبي حول الأعمال الفائزة والأعمال التي لم تفز، وآراء لجنة التحكيم، وهو ما يعد أمرًا إيجابيًا.

هل تؤثر نتائج المسابقات في حركة الترجمة؟

نعم، تؤثر نتائج الجوائز والمسابقات الأدبية بدرجة كبيرة في حركة ترجمة الأعمال العربية إلى لغات أخرى، حيث تحظى الأعمال الفائزة باهتمام الناشرين الدوليين، وهو الأمر الذي يضعه الكتاب في أذهانهم للأسباب التالية:

  1. الدعم المالي للترجمة: كثير من الجوائز العربية تخصص مبلغًا ماليًا لترجمة الأعمال الفائزة أو الأعمال التي وصلت إلى المراحل النهائية في المسابقة، وهو ما يسهل الأمر كثيرًا على الناشر الأجنبي.
  2. تقليل المخاطر لدى الناشر: غالبًا ما يفكر الناشر الأجنبي بعقلية الأرباح والخسائر، وبالتالي يبحث عن الأعمال التي أثارت ضجة وفازت بالجوائز من أجل نشرها والتي تحظى بفرص كبيرة في الانتشار والنجاح التجاري.
  3. جذب الانتباه: في بعض الأحيان ينجذب الناشر الأجنبي إلى دائرة أدبية مغمورة بسبب فوز رواية بجائزة كبيرة، مثل ما حدث في رواية «سيدات القمر» للكاتبة العمانية جوخة الحارثي، والتي كانت سببًا في اهتمام الناشرين الدوليين بالأدب العماني.

جذبت رواية «سيدات القمر» للعمانية جوخة الحارثي، اهتمام الناشرين الدوليين بالأدب العماني

وفي الأخير تبقى الجوائز والمسابقات الأدبية شهادة تقدير وليست حكمًا فنيًا مطلقًا، حيث تكمن القيمة الحقيقية في ذات النص سواء فاز بالجائزة أم لا، ويبقى صموده أمام الزمن واختبار الأجيال القادمة لتحكم عليه دون شروط مسبقة.

كما أن الجدل الدائر حول استقلالية الروائي العربي أمام إغراء الجوائز يضع الحقل الأدبي أمام مرآة كاشفة؛ فالجائزة رغم قيمتها المادية والمعنوية في فتح أبواب الشهرة والترجمة العالمية، تظل مجرد محطة عابرة في مسيرة النص الأدبي وليست صكًا أبديًا بالجودة. فالرهان الحقيقي للاستمرار في ذاكرة الأدب لا يُصنع بمغازلة الأكواد الجاهزة أو تفصيل النصوص على مقاسات لجان التحكيم المتغيرة، بل ينبع من الإخلاص للذات والتمسك بالصوت الخصوصي الجريء؛ فالزمن وحده هو الناقد الأسمى، والغربال الحقيقي الذي يبقي على الذهب الإبداعي النقي ويذري ما دونه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.