ما أصعبَ الحياةَ، وما أشدَّ ظلماتِها، وما أعتَى ظلمَها واستبدادَها، وما أقبحَ وجهَها، وما أخبثَ دروبَها، وما أوعرَ طرقاتِها حينَما تتأمَّلُها بعينِ الفكرِ وإيمانِ الفؤادِ وريشةِ المشاعرِ وغربالِ البصيرةِ وروحِ الصَّفاءِ والنَّقاء، فلا تجدُ معنىً للحياةِ إذا لم تكُن في أفكارِ ومشاعرِ وضمائرِ النَّاسِ حياة، ولا تألفُ معنىً لنعيمٍ إذا لم يكُن في أرواحِ البشر أفياءٌ للنَّعماءِ وظلالٌ للرَّحمةِ الإلهيَّة!
الحياةُ صحَارى تتقاذفُكَ من هجيرٍ إلى هجيرٍ، وتقودُكَ تائهًا في الدَّياجيرِ من مسيرٍ إلى مسيرٍ، كلَّما أبصرتَ بصيصَ أملٍ للنَّجاة هبَّتْ عليكَ العواصفُ الهوجاءُ ورمتْكَ في أعماقِها السَّحيقةِ، فلا تدرِكُ نهايةً للخلاص.
وكلَّما زادَ وعيُكَ بالحياةِ تشابكَت أمامَك دهاليزُ الضَّياع، وكلَّما أبحرتَ في بحارِ الفكرِ والوعي والمعرفةِ تشعَّبتْ أمامَ قدمَيكَ دروبُ المسيرِ الطَّويل، فلا تَدري إلى أينَ تسير؟
فما أجهلَكَ أيُّها الإنسانُ المفكِّرُ العاقل! أتظنُّ أنَّ الفكرَ وسعةَ الإدراكِ وعمقَ الفهمِ والتَّأمُّل تشقُّ لكَ الدُّروبَ كي تستريحَ؟ هيهاتَ هيهاتَ لعاقلٍ أن يجِدَ في مجاهلِ الحياةِ سعادةً أو رقدةً من النِّسيانِ أو هنيهةً من الطُّمأنينة.
كلَّما قرأتُ لكبارِ المفكِّرينَ والفلاسفةِ ازدادَت حَيرتي وتاهَ فِكري في ظلماتِ الضَّياع، وكلَّما تعمَّقتُ في فهمِ مسالكِ الحياة الوعرةِ وجدتُني أبحثُ عن دياجيرِ الظَّلام في ذاتي فتُطاردُني الأحلامُ وتتقاذفُني الأهواءُ، فتضيعُ نفسي بين السَّوادِ والبياضِ وتتألَّمُ روحي بين عذابِ الفكرِ ووخزِ الضَّميرِ وكبْتِ النَّفس.
كلَّما بحثتُ عن السَّعادةِ في ذاتي وجدتُها ألمًا لا يَنتهي وشقاءً لا ينضبُ وضياعًا في ضبابِ العُمر لا يَنجلي.
كلَّما بحثتُ عن بصيصِ أملٍ من التَّفاؤلِ وجدتُني أُجدِّفُ بأجنِحتي المتكسِّرةِ بين عواصفِ الأمواجِ المتلاطمةِ في بحارٍ ومحيطاتٍ ليس لها من بدايةٍ للانطلاقِ وليس لها من أمدٍ للنِّهايةِ والخلاص.
ما أتعسَكَ أيُّها الإنسانُ وأنت تبحثُ عن نعيمٍ في غابةٍ ملائكتُها وحوشٌ مفترسةٌ، ونُسَّاكُها شياطينُ في ظلماتِ اللَّيل وحملانٌ وديعةٌ تحتَ أشعَّةِ الشَّمس!
ما أشقاكَ أيُّها الإنسانُ وأنتَ تبحثُ عن السَّعادة! أتُراكَ تلْقَاها في متاعٍ زائفٍ يُحيلُكَ إلى وحشٍ ساغبٍ وعقابٍ جارحٍ وأنت تسْطُو على أرواحِ الطُّيورِ الصَّغيرة، أمْ تراكَ تَلْفاها في مخلوقاتٍ لا تحملُ من الآدميَّةِ غيرَ صورةِ اللَّحمِ والدَّم، أم تُراكَ تجدُها في سُبْحةٍ تتراقصُ حبَّاتُها بين أصابعِكَ وأنت تعُدُّ خطواتِ عثراتِكَ ومثاقيلَ ذنوبِكَ وهُنيهاتِ شطَحاتِكَ وعتَباتِ سقوطِكَ وانهيارِك، أم تُراكَ تقطفُ ثمارَها في عالمٍ آثمٍ لم يتركْ للمحبَّةِ زهرةً ولا للرَّحمةِ ثمرةً ولا للإنسانيَّة قِطفةً!
كلَّما أبصرتُ في هذا العالمِ بصيصَ أملٍ للنَّجاةِ مددْتُ يدي لأمسِكَ بأحدِ أطرافِه وجدتُني أقبضُ على جمرةٍ من النَّارِ تحرقُ أصابِعي وتُلهِبُ جسدي بالألمِ وتؤرِّقُ عينيَّ بالدُّموع، وحارَت نفسي في ضلالٍ أعمقَ وأعتَى من ضلالِ الغافلينَ التَّائهين في صوامعِ التَّهجُّد في ظلماتِ أرواحِهم وضبابِ نفوسِهم!
كلَّما بحثتُ عن نجمةٍ أستَنيرُ بها في دياجيرِ الحياةِ، وجدتُني أُطفِئُ شموعًا في غياهبِ ذاتي فأحْيا وأُولدُ من جديدٍ في بحارٍ من الظُّلماتِ وفي فضاءٍ أطفأَتْ أنوارَه دياجيرُ النُّفوسِ المتوحشِّةِ من البشر!
كلَّما تأهَّبَتْ نفسي لصيدِ لآلئِ الحقائقِ في بحارِ النُّفوسِ الآدميَّةِ وجدتُني أصطادُ قناديلَ بحارٍ تُلحِقُ بي العذابَ والألمَ في روحي وفي بدَني!
كلَّما حلَّقَتْ نفسي في سماءِ الإنسانيَّةِ الصَّادقةِ وجدتُني شهابًا ينطفئُ في لمحةِ البصرِ بين هُنيهةِ التَّفكُّرِ وبارقةِ الأملِ ولحظةِ الاندِثار!
كلَّما أوقدْتُ شمعةً من شموعِ الفكرِ في ذاتي وجدتُني أغرقُ وأغرقُ أكثرَ في ظلماتِ الحياة!
كلَّما أيقظْتُ شعورًا بالتَّفاؤلِ في الحياةِ وجدتُني أغوصُ في غياهبِ اليأسِ وأذوبُ كالخيالِ في أوديةِ الحياةِ السَّحيقةِ الملأَى بالأسرار!
كلَّما أوقدتُ في ذاتي شمعةً من شموعِ الإيمانِ لأُبصِرَ النُّورَ في عالمِ الدَّيجور وجدتُني أغرقُ في ضلالٍ لا يَنتهي وخيالٍ من الأسئلةِ لا يَنقطِع!
كلَّما مدَّتْ إليَّ الحياةُ كفًّا من الجودِ والعطاءِ مددْتُ يدي لأصافِحَها وجدتُني أصافحُ يدًا فارغةً لا تحملُ إلَّا السَّراب.
كلَّما بسطَتِ الحياةُ أمامَ عينيَّ أنوارًا من العدالةِ الإلهيَّة وجدتُني مكبَّلًا بالقيودِ تلْو القيودِ؛ وكأنَّ الحياةَ أبَتْ إلَّا أن تكونَ سجنًا مظلمًا تحكمُهُ شرائعُ السَّجَّانينَ من آلهةِ الأرض.
كلَّما تأمَّلتُ الحياةَ بعينِ الرِّضا وأشواقِ القناعةِ وجدتُني أرتطِمُ بصخورِ السُّخطِ فأَدمَى بأشواكِ الحقيقة.
كلَّما غرستُ في ذاتي بذارًا من إيمانِ السَّماءِ وجدتُني أحصدُ أشواكَ الضَّياعِ والبهتانِ في عالمٍ لا يمنحُكَ غيرَ بذورِ الشَّكِّ وأشواكَ الضَّلال.
حينَما أرى الحياةَ تمُدُّ يدَها لمن يكفُرُ بها ولا يحملُ من أبجديَّاتِ الحضارةِ حرفًا من حروفِها ولا يتحلَّى بخلُقٍ من أخلاقِها فإنَّني أُعلنُ عن كُفري بكلِّ حضارةٍ وجُحُودي بكلِّ حياة.
حينَما تمدُّ الحياةُ أكفَّها للأعرابِ والغربانِ والذِّئابِ فإنّني ألعنُ ذاتي ألفَ لعنةٍ في كلِّ صلاةٍ وأُعلنُ عن تمرُّدي على كلِّ قضَاء.
حينَما تمدُّ الحياةُ أكفَّها بالعطاءِ على كفَّارِها ومُشركيها وجهَّالِها ومُنحرِفيها، وتلعنُ أنصارَها ومُهاجِريها ومثقَّفِيها ومُفكِّريها الذين يَسعونَ إلى بناءِ حضارتِها وإنسانيَّتِها، فإنَّني أُعلنُ عن براءَتي من آدميَّتي المسحوقةِ بنعالِ الجهَلةِ الملحِدينَ بكلِّ إنسانيّةٍ على الأرض.
إذا كانتْ صلَواتي في حياةٍ مِلؤُها الإحساسُ بالألمِ والشُّعورُ بالحرمانِ والموتُ الزُّؤامُ بالظُّلمِ والطُّغيانِ سوف تقودُني إلى نعيمٍ أبديٍّ لا أدريْ هل سوفَ أحْيا سعيدًا ولم أذُقْ طعمَ السَّعادةِ في حياةٍ مُثقلةٍ بالبشاعةِ مُتخمةٍ بالقسمةِ الظَّالمةِ مكشِّرةٍ عن أنيابِها بالقَسوةِ المتوحِّشة، فإنَّني آثرتُ أن أعيشَ في جحيمِ نفسي لعلَّهُ أرحمُ وأهونُ من جحيمِ الحياة!
👍👍👍👍
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.